المعونة ... عملية معقدة حقاً

لويز ريدفرز

Freelance journalist and regular IRIN contributor

ينظر البعض منذ فترة طويلة إلى القطاعين الإنساني والتنموي على أنهما "أعدقاء" في قطاع المعونة الدولي، لكن في ظل تزايد الضغط على الموارد، هل حان الوقت لكسر الجدران الفاصلة بينهما وإقامة شراكة أقوى وأكثر فاعلية؟

وهناك إدارات بأكملها وقنوات تمويل وموظفون عالقون في هذين التصنيفين المتباعدين جداً. وعلى الرغم من أن البرامج التنموية تُكمّل الاستجابة الإنسانية الطارئة – ويمكن حتى أن تقلص الاحتياجات – إلا أن مساحة التعاون بينهما لا تزال ضئيلة بالفعل.

وبينما أسهمت المساعدات الإنسانية في إنقاذ أرواح الكثير من الناس، إلا أنها قد تركت أيضاً أعداداً كبيرة منهم يعتمدون على المساعدات ولا يستطيعون التحرر منها، كما أشارت ورقة بحثية أعدتها اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) والبنك الدولي في ديسمبر من العام الماضي.

وذكر التقرير أن وكالات التنمية، لم تقم بما يكفي "للتركيز على الناس الأكثر ضعفاً في الدول الهشة والأزمات الطويلة الأمد".

وقد ساهمت أجندة تعزيز القدرة على الصمود – المفهوم الذي برز في السنوات الأخيرة لسد هذه الفجوة – في كسر بعض الحواجز بين المجالين.

ولكن، كما ذكر التقرير، لا يزال هناك "ميل من فرادى المانحين والوكالات لاتباع أجنداتهم الخاصة، بدلاً من العمل الجماعي والاصطفاف وراء تحليل ورؤية وخطة عمل مشتركة".

أين نقطة الالتقاء إذن؟

عاد هذا السؤال ليطرح نفسه مرة أخرى على جدول أعمال الحكومات وواضعي السياسات والمنظمات الإنسانية الذين سيجتمعون في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا هذا الأسبوع، لمناقشة كيفية تمويل أهداف التنمية المستدامة ما بعد 2015، التي سيتم التصديق عليها قريباً.

من المقرر أن تركز قمة الأمم المتحدة الثالثة لتمويل التنمية (FFD3) على سبل تأمين التمويل من أنواع جديدة من الجهات الفاعلة، لاسيما في القطاع الخاص، وكذلك في جمع الضرائب المحسنة، والمصارف الإنمائية المتعددة الأطراف في الأسواق الناشئة، والآليات الجديدة مثل تمويل المخاطر.

وتجري مناقشات مماثلة بين الجهات الإنسانية الفاعلة حول كيفية الحصول على المزيد من الأموال في الفترة المقبلة التي تسبق القمة العالمية للعمل الإنساني المزمع عقدها العام المقبل.

اقرأ: كل شيء يتعلق بالمال

مع ذلك، فإن هذه المناقشات تحدث إلى حد كبير بالتوازي مع مناقشة قمة الأمم المتحدة الثالثة لتمويل التنمية، على الرغم من الفرص الواضحة للنُهج المشتركة.

وفي هذا الصدد، أعربت ساندرا أفيلس، مستشار البرامج الإنمائية والشؤون الإنسانية في منظمة الأغذية والزراعة، عن أملها في أن يولي العاملون في المجال الإنساني اهتماماً للمناقشات التي دارت في أديس أبابا هذا الأسبوع، غير أنها ليست على ثقة من أنهم سوف يفعلون ذلك.

وقالت أفيلس، التي تعمل أيضاً في مبادرة التمويل الإنساني المستقبلي، التي تبحث عن سبل جديدة لتمويل المساعدات الطارئة، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لا يزال هذا المفهوم قائماً، بأن هناك صندوقين من المال، بمعنى أن الجهات التنموية ستقوم بشيء والجهات الإنسانية ستقوم بشيء آخر منفصل".

"وللأسف، لم تشارك الجهات الإنسانية بشكل جماعي في مؤتمر الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، الذي عقد في شهر مارس، أو في أهداف التنمية المستدامة، ولم تشارك بشكل جماعي في أديس أبابا".

يشارك دهانانجيان سريسكانداراجه في كلا المعسكرين من خلال دوره كأمين عام لشبكة المجتمع المدني العالمي التي تعرف باسم سيفيكاس (CIVICUS) وكعضو في فريق الأمم المتحدة الرفيع المستوى المشكل حديثاً لتمويل المساعدة الإنسانية.

وتعليقاً على ذلك، قال: "يجب القيام بالكثير من الجهود لتحقيق التنمية وجمع الجهات الإنسانية الفاعلة للعمل معاً بشكل أكثر كفاءة. وسواء كان الأمر يتعلق بالتفكير في كيف يمكننا أن نستخدم منصات البيانات المشتركة، وصولاً إلى نقطة الالتقاء بين الإغاثة الإنسانية والعمل من أجل التنمية".

"في بعض الأحيان، يشعر المرء وهو يجلس في المناقشات الخاصة بتمويل المساعدة الإنسانية، وكأنه يتعلم عن قطاع مختلف تماماً. فهناك لغة مختلفة ونُهج مختلفة للغاية".

هناك علاقة وثيقة بين القطاعين

وفي مقابلة مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، أوضح برتراند بادريه، المدير بالإنابة ورئيس الشؤون المالية لمجموعة البنك الدولي – الذي يعتبر عضواً في معسكر "التنمية" – الأسباب التي تدعوه للاعتقاد بأن هذين القطاعين "مرتبطان بشكل وثيق" ولماذا ينبغي أن يعملا معاً، لاسيما نحو إيجاد مزيد من الحلول للتمويل المشترك.

اقرأ المقابلة الكاملة

وأوضح ذلك بقوله: "الأزمات الإنسانية هي صدمات حقيقية، سواء كانت مرتبطة بالحروب أو الكوارث الطبيعية. نحن في البنك الدولي، لا نشترك مباشرة في الأنشطة الإنسانية، مثل إدارة مخيمات اللاجئين، ولكن مهمتنا هي تحسين جاهزية الدولة وقدرتها على مواجهة الصدمات".

"لا يمكننا منع وقوع الزلزال، ولكن بوسعنا التأكد من أن الدولة المتضررة أكثر استعداداً للتعامل مع التداعيات بشكل أفضل وأسرع وأقل تكلفة".

والنزوح – الذي كان يُنظر إليه في السابق على أنه مجرد مشكلة مساعدات طارئة فقط– هو أحد المجالات التي بدأ البنك الدولي والجهات الفاعلة الإنمائية الأخرى، ينخرط فيها بشكل أكبر، لاسيما فيما يتعلق بمفاهيم سبل العيش والتكامل الاقتصادي وبناء القدرة على الصمود.

ويدعم البنك الدولي حكومتي الأردن ولبنان على إدارة الأثر الاقتصادي لاستضافة ملايين اللاجئين السوريين، ويعمل أيضاً مع السلطات في أذربيجان وكولومبيا في إطار البرنامج العالمي الخاص بالنزوح القسري.

وفي السياق ذاته، أوضحت مانيشا توماس، رئيس سكرتارية تحالف الحلول Solutions Alliance التي تتخذ من جنيف مقراً لها، والتي شُكلت العام الماضي للبحث عن شراكات للاستجابة لحالات النزوح التي طال أمدها: "بدأت الجهات التنموية تدرك ببطء أن عمليات النزوح الطويلة تؤثر سلباً على التنمية".

وأضافت: "لقد استيقظ الناس على حقيقة أنه إذا كنت ترغب في الحد من الفقر، فيجب أخذ النزوح في الاعتبار...القضية الرئيسية لأهداف التنمية المستدامة هي 'أن لا تترك أحداً يعاني'، ويجب أن يشمل هذا النازحين أيضاً".

التكامل

وتتفق راشيل سكوت، قائد فريق إدارة التعاون الإنمائي المعني بالصراع والهشاشة والقدرة على الصمود في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، على أن هناك حاجة لتبني "نهج أكثر تكاملية"، خاصة في حالات النزوح.

وقالت: "يلزم إجراء تغييرات في كلا الجانبين. يجب علينا أن نتبنى نظرة أكثر شمولية في استجابتنا. ينبغي أن لا تكتفي الجهات الإنسانية بتحليل الاحتياجات المادية الأساسية فقط"، ولكن ينبغي عليها أيضاً أن تأخذ عوامل الرفاهية مثل الاحتياجات الاقتصادية والتماسك الاجتماعي في الاعتبار.

في الوقت نفسه، ينبغي على الجهات الفاعلة في التنمية أن "تبحث السياسات الوطنية مثل الحق في العمل، وتخفيف العبء عن الاقتصاد، وإيجاد حلول طويلة الأجل للنزوح من خلال تغيير سياسات الحكومة، وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى تقليص مثل هذه الحالات".

وتجدر الإشارة إلى أن النقاش الدائر حول محددات عمل هذين القطاعين، والسبب في أنهما فشلا – في حالات كثيرة – في العمل بشكل أفضل معاً، ليس بالأمر الجديد.

وحول هذا الموضوع، قالت مانيشا توماس من منظمة تحالف الحلول: "المناقشة الخاصة بالتنمية/ المساعدات الإنسانية مطروحة منذ فترة أطول مما أستطيع أن أتذكرها".

"على الرغم من أن هناك اختلافاً بالتأكيد في الثقافات حول كيفية عمل الجهات الإنسانية والجهات التنموية، فإنني لا أشعر بأن هناك معارضة كبيرة للتعاون والعمل معاً، أعتقد أن الأمر يتعلق أكثر بكيفية إيجاد سبل لتطبيق هذا التعاون بشكل عملي".

العقبات

ولعل إحدى العقبات الرئيسية التي تقف أمام تعزيز التفكير والعمل الجماعي هي أن الجهات الإنسانية تتبنى أربعة مبادئ إنسانية، هي: الإنسانية والحياد والنزاهة والاستقلال.

من ناحية أخرى، تمويل التنمية محكوم باتفاقات، مثل إعلان باريس 2005، الذي ينص على أنه يجب تقديم المساعدة إلى الحكومات بغية تطوير القدرات والمساعدة في بناء المؤسسات.

وأوضحت ليديا بول، استشارية مستقلة في سياسات المعونة، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن هذا الأمر قد يكون في بعض الأحيان "صعب للغاية" بالنسبة للجهات الإنسانية، التي "قد تكون على علاقة غير جيدة مع الدولة" في حالات معينة، لاسيما الصراعات، ومن ثم تشعر بأن البرامج المشتركة لن تنجح.

"التمويل الإنساني هو أحد الموارد الثمينة جداً التي تمكنك من العمل بطريقة قائمة على المبادئ في بيئات تتسم بالمنافسة الشديدة، وبالتالي لا أعتقد أنه ينبغي إضعاف ذلك والانتشار بشكل كبير ومرهق عبر هذا النطاق المتزايد من البرامج الطموحة".

التمويل

ولعل حقيقة أن سبل التمويل – للأسباب المذكورة أعلاه، فضلاً عن المسائل الإدارية والبيروقراطية– قد ظلت منفصلة إلى حد كبير، هو ما يفسر الفجوة الثقافية بين القطاعين وموظفيهم.

ومن المعروف أن الحاجة هي أم الاختراع، ويمكن القول أيضاً بأن التمويل – أو بالأحرى نقصه – يمكن أن يقود في نهاية المطاف إلى تعزيز التقارب بين المجالين التنموي والإنساني.

وقد دفعت الصراعات الطويلة الأمد المتزامنة مثل تلك الدائرة في سوريا والعراق وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان، علاوة على الكوارث الطبيعية مثل الزلازل في نيبال، منظمات الإغاثة الطارئة إلى السعي بشدة للحصول على التمويل.

وقالت توماس أن "مناقشة التمويل هي بالتأكيد التي تقود هذا التحرك لإشراك الجهات التنموية في الاستجابة المعنية بالنزوح قبل ذلك بكثير، وأعتقد أنه أمر منطقي"، مشيرة إلى نموذج الاستثمار في تطوير نظم الإمداد بالمياه في دولة تستضيف اللاجئين بدلاً من الاستمرار في دفع الأموال لإصلاح المراحيض بشكل مؤقت.

ولكنها أضافت أنه "من المهم أن لا يتركز هذا التعاون حول توفير التمويل فقط ويجب أن لا نغفل أن الهدف النهائي من تعاون الجهات الإنسانية والإنمائية معاً هو جلب قوتهما الجماعية إلى طاولة المفاوضات بغية تقديم حلول أفضل للمحتاجين".

ويتفق سريسكاندراجه، الذي يتواجد هذا الأسبوع في أديس أبابا، لرئاسة فعالية حول تمويل المساعدات الإنسانية، على أن التمويل يمكن أن يؤدي إلى تعاون أفضل.

وفي هذا الصدد، قال: "التمويل هو وسيلة عظيمة لجمع الجانبين معاً... فكلا القطاعين يبحثان عن شركاء جدد وأنواع جديدة من التمويل، وهذه النماذج الجديدة لن تهتم بالقطاعات الرئيسية والفرعية. بل ستركز على إنجاز المهمة فقط".

وقال برتراند بادريه من البنك الدولي، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "يجب أن نتوقف عن الحديث عن معارضة بعضهما البعض، هذا ليس له أي معنى... نحن لسنا في حالة تنافس مع الوكالات الإنسانية، نحن هنا لكي نُكمل وندعم عملها. وعلى الرغم من أن كل قطاع يعمل في مجاله، ولكن ينبغي علينا أن نتواصل ونتوافق ونقبل بأنه بوسعنا التعاون معاً في الكثير من الأمور".

lr/bp/ag-kab/dvh