ستار السرية في سيناء

منذ أن حاول المسلحون التابعون لما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية الاستيلاء على مدينة الشيخ زويد في شمال سيناء في الأسبوع قبل الماضي، استحوذ هذا الموضوع على تغطية وسائل الإعلام المصرية، وانتشرت الكثير من الأسئلة من قبيل: ما هي الأخطاء التي ارتكبت؟" و"من أين يحصلون على الأسلحة؟" و"ما الذي يمكن القيام به لتخليص البلد من ويلات المسلحين الإسلاميين؟"

ولكن من يمعن النظر سيلاحظ أن ثمة أمراً يغيب عن هذه التغطية المكثفة للحدث، إنه الحديث عن معاناة الإنسان على أرض الواقع، إذ لا توجد أرقام موثوق بها حول عدد المدنيين القتلى والمشردين، وفي الوقت ذاته، محدودية المساعدات الإنسانية المتوفرة للمحتاجين، إن كانت موجودة أصلاً.

ويُعزى هذا الوضع إلى حد كبير إلى الحملة المنظمة الرامية إلى قمع الانتقادات وسحق المعارضة التي اشتدت منذ قيام قادة الجيش المصري، بدعم شعبي، بالإطاحة بالرئيس الإسلامي محمد مرسي في يوليو 2013.

وتجدر الإشارة إلى أن منطقة سيناء التي تقع في شمال شرق مصر، وتتسم بوعورة تضاريسها، تُعد منذ فترة طويلة مرتعاً لنشاط الإسلاميين. وقد كثّفت الحكومة من التواجد العسكري فيها مع تصاعد حدة الهجمات في السنوات الأخيرة. وفي الوقت الحالي، تحول التدابير الأمنية الصارمة دون وصول الصحفيين ومنظمات حقوق الإنسان إلى هذه المنطقة وتغطية الوضع على أرض الواقع.

ما الذي نعرفه

في يوم الأربعاء الموافق الأول من يوليو، شن مسلحون يتراوح عددهم ما بين 300 إلى 400 مسلح يتبعون مجموعة تطلق على نفسها اسم ولاية سيناء، هجوماً تم التخطيط له بدقة، على مدينة الشيخ زويد الساحلية في شمال سيناء.

وعند حوالي الساعة 06:30 صباحاً، احتل المهاجمون أسطح عدد من المنازل وبدؤوا المعركة بإطلاق النيران من المدافع الرشاشة والـ آر بي جي على مجمع الشرطة في المدينة، والثكنات العسكرية، والعديد من نقاط التفتيش الأمنية.

وعلى أرض الواقع، قامت عدة مجموعات بزرع عبوات ناسفة وألغام أرضية في محاولة لوقف التعزيزات القادمة من المدن الأخرى، بما في ذلك العريش، العاصمة الإقليمية لشمال سيناء في الغرب إلى مدينة رفح الحدودية في الشرق.

ويبلغ عدد سكان الشيخ زويد قرابة 60,000 شخص، وتُعد ثاني أكبر مدينة في شمال سيناء والمركز السكاني الرئيسي الوحيد المتبقي في الزاوية المضطربة من شبه الجزيرة، الواقعة على الحدود مع قطاع غزة وإسرائيل.

وتصلني أخبار سيئة بشكل منتظم من بعض المعارف في الشيخ زويد مع تكشف الهجمات.

قال لي أحد السكان عقب ساعة من بدء الهجوم: "الإرهابيون يسيطرون على الأرض. القوات الحكومية تقاتل من مواقعها والمدنيون محاصرون بين الجانبين".

وقال مقيم آخر أن القتال كان شديداً لدرجة أن أول سيارات الإسعاف لم تصل إلى المدينة سوى بعد غروب الشمس.

وقد تم قطع شبكات الهاتف المحمول، مما اضطر السكان للاعتماد على الخطوط الأرضية. وظل أصدقاء وأسر جميع من تركوا منازلهم، في قلق إلى أن أصبحت الحركة ممكنة في اليوم التالي.

واحتدمت المعركة خلال يوم الخميس (2 يوليو)، حيث قامت الطائرات الحكومية بقصف الضاحية الجنوبية للشيخ زويد حيث قيل أن المسلحين يختبئون هناك. واستمرت الانفجارات حتى مساء اليوم الجمعة (3 يوليو).

قمع الصحفيين

وصرحت الحكومة بأن الاشتباكات أسفرت عن مقتل 241 مسلحاً و21 جندياً. ولم يُعرف بعد عدد المدنيين الذين قتلوا أو جرحوا.

وفي مثل هذه الظروف، عادة ما تكون هناك حصيلة كاملة لعدد القتلى بما في ذلك المدنيون. ولكننا لا نعيش في ظروف عادية.

فمنذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مقاليد السلطة في عام 2013، أوقفت الحكومة المصرية التغطية الإعلامية للمنطقة، معلنة أنها منطقة عسكرية.

وقد تعرَّض أحمد أبو دراع، أحد أبرز الصحافيين في سيناء، لانتقادات قاسية، بسبب القول بأنه شاهد طائرات أباتشي مصرية في سبتمبر 2013 تقصف مسقط رأسه، قرية المقاطعة وقرية التومة المجاورة لها، وهما قريتان تقعان جنوب الشيخ زويد.

وكتب الصحفي الحائز على جائزة في 3 سبتمبر 2013: "لقد شاهدت تدمير ستة منازل مدنية وجزء من مسجد في قرية المقاطعة. وأصيب أربعة مواطنين، تم نقل أحدهم إلى مستشفى الشيخ زويد، ثم قام الجيش باحتجازه ونقله إلى المستشفى العسكري".

وبعد أقل من يومين على نشر شهادته هذه على الفيسبوك، تم اعتقال أبو دراع ونقله إلى سجن عسكري حيث مكث هناك لمدة شهر قبل أن يتم عرضه على المحكمة العسكرية بتهمة نشر أخبار كاذبة. وحُكم عليه بالسجن مع وقف التنفيذ لمدة ستة أشهر ثم أطلق سراحه.

كما تم اعتقال صحفي آخر في سيناء يُدعى محمد صبري، بسبب تصوير المنطقة الحدودية من رفح. وتمت إحالته إلى محاكمة عسكرية، حيث صدر ضده حكم بالسجن مع وقف التنفيذ.

ومنذ هذه الاعتقالات، لا يزال سيل الأخبار المتعلقة بسيناء، الذي ينشر بشكل يومي تقريباً في جميع وكالات الأخبار في مصر وعشرات وسائل الإعلام الدولية، يركز على الاضطرابات الأمنية، ويخفق حتى في الإشارة إلى الأزمة الإنسانية.

وفي أعقاب الهجوم الأخير، شددت الحكومة المصرية رقابتها على وسائل الإعلام، وأعلنت أنها تعتزم إقرار قانون الإرهاب الذي طال انتظاره.
ومن بين مواد هذا القانون، هناك مادة تنص على أن نشر أي معلومات تتناقض مع التصريحات الرسمية هي جريمة يعاقب عليها بالسجن لمدة عامين كحد أدنى.

ومن المتوقع أن يقود القانون، الذي يوسع بشكل جذري تعريف مفهوم الإرهاب، إلى تكثيف التعتيم الإعلامي الذي فُرض بالفعل على شمال سيناء، ويُعرّض الصحفيين لمخاطر أشد.

وتعليقاً على هذا، قال صحفي من العريش، يكتب في صحيفة مصرية، لكنه طلب عدم ذكر اسمه: "بما أن وزارة الصحة لم تعلن في بيان، فإن تأكيدي أن ثلاثة أشخاص قتلوا ودفنوا دون أي شهادات وفاة رسمية يعرضني للسجن".

ما هي حصيلة خسائر المدنيين إذن؟

نظراً لعدم قدرة وسائل الإعلام المصرية على الذهاب إلى هناك، نورد فيما يلي المعلومات التي يمكن تجميعها وربطها معاً حول الأثر الإنساني للهجمات التي وقعت في الشيخ زويد.

ومن المؤكد أن هناك عدداً من المدنيين قد قتلوا جراء هذه الاشتباكات. وحسبما قال رئيس مستشفى العريش، سامي أنور، فقد قتل أربعة أشخاص برصاصات طائشة وشظايا ناجمة عن القصف الكثيف الذي حدث في اليوم الأول من الهجوم، بما في ذلك طفلان تتراوح أعمارهما بين 9 و15، بينما أصيب 18 آخرين بجروح من بينهم خمسة أطفال. كما قتل ثلاثة أشخاص آخرين، وفقاً لمصادر عدة في المدينة. واغتيل أحدهم على يد مسلحين عندما اعترض طريقهم، في حين لقت امرأتان أخريان مصرعي]هما برصاصات طائشة. وقد قامت عدد من الأسر بدفن موتاها دون استخراج شهادات وفاة رسمية لأنه كان يتعين عليهم السفر مسافة 40 كيلومتراً للوصول إلى أقرب مستشفى مفتوحة.

وقال نشطاء وسكان في الشيخ زويد أن ستة مدنيين آخرين قتلوا في بلدة أبو طويلة، التي تعرضت للقصف الجوي الأعنف. إضافة إلى ذلك، قتل اثنان من العمال وجرح ثالث عندما انفجرت عبوة ناسفة وهم يحاولون إصلاح محطة الكهرباء التي طالها الدمار في البلدة. كما عثر على جثة ممزقة لعامل رابع في محطة الكهرباء بعد الإعلان عن فقدانه. ولم يُعرف بعد ملابسات مقتله.

علاوة على ذلك، استقبلت مستشفى العريش جثة امرأة عمرها 17 عاماً إضافة إلى 9 مصابين آخرين.

ومن المحتمل أن تكون هذه الوفيات أقل من العدد الإجمالي للخسائر في صفوف المدنيين جراء أعمال العنف التي أدت إلى نزوح أعداد كبيرة من المدنيين أيضاً.

وعندما عادت حالة من الاستقرار النسبي إلى المنطقة في صباح يوم الجمعة، بدأت عشرات الأسر عملية نزوح جماعية من الشيخ زويد والضواحي المحيطة بها. ومجدداً، لم تقدم الحكومة المصرية أي بيانات حول الأعداد ومن ثم يصعب قياس حجم عملية النزوح.

وقال أحد أهالي الشيخ زويد الذي يعيش في العريش أنه "على الرغم من خوف الناس من السفر على الطرق السريعة في ظل استمرار المواجهات بين الجيش والإرهابيين، فقد كانت نقاط التفتيش أكثر ازدحاماً يوم الجمعة، لاسيّما بالشاحنات المحملة بممتلكات المدنيين الفارين من ديارهم". وأشار إلى أن اثنين من أقاربه قد حزما أغراضها وغادرا يوم الجمعة.

وبعد الوصول إلى العريش، أدرك مئات من سكان الشيخ زويد أنه على الرغم من توقف الاشتباكات، إلا أنهم يواجهون الآن معركة مالية جديدة من أجل إعادة بناء حياتهم.

وقد ارتفعت تكلفة الانتقال من الشيخ زويد إلى العريش الآن بشكل هائل من ستة جنيهات (0.80 دولار) إلى 100 جنيه مصري (12.50 دولار) للشخص الواحد، في حين تضاعفت تكلفة استئجار شقة في المدينة.

وقد تسبب حظر التجول في الشيخ زويد إلى إصابة الحياة بالشلل في السنوات الأخيرة، حيث اضطرت العديد من الشركات إلى إغلاق مكاتبها، وتضخمت الأسعار بشكل يفوق قدرة معظم الناس.

وفي مثل هذه الظروف، عادة ما تتدخل الدولة لضبط الوضع. ولكن عندما قام الرئيس السيسي ورئيس الوزراء إبراهيم محلب بزيارة العريش يومي 4 يوليو و6 على التوالي، لم يبد أي منهما أبسط أشكال الدعم للنازحين. ولم يتم تقديم أي مخيمات أو حلول سكنية بديلة.

ونظراً لغياب الأخبار الرئيسية، لجأ الناس إلى وسائل التواصل الاجتماعي في محاولة سد الفجوة الناجمة عن غياب المساعدات المقدمة من قبل الحكومة.

وفي هذا الإطار، أطلق ناشطون مبادرة تحت اسم "النازحون أهلنا"، حيث شرعوا في إحصاء عدد الفقراء الذين تم إجلاؤهم وجمع الأموال والهبات لتلبية احتياجاتهم، فيما تطوع آخرون لاستقبال الأسر النازحة في منازلهم.

وعلى الرغم من هذه الجهود، لا تزال العديد من الأسر تنام في شوارع العريش بجوار أمتعتها، في حين اضطرت أسر أخرى للعودة إلى الشيخ زويد بعد فشلها في العثور على سكن.

وفي ظل عدم تواجد وسائل الإعلام في سيناء، من الصعب التأكد من الأعداد، وكذلك الظروف الدقيقة المحيطة بالأحداث التي وقعت بعد الهجوم الأخير. وكل ما يمكننا تخمينه هو أنها كانت صدامات وحشية، جرت في ظل ما قد يكون تجاهلاً وقحاً لأرواح المدنيين الأبرياء من قبل أحد أو كلا الجانبين.

مهند صبري هو كاتب مصري ومؤلف كتاب سيصدر قريباً عن الأوضاع الأمنية والسياسية في سيناء."