المجر: محطة كئيبة في رحلة طالبي اللجوء

في الأشهر الأخيرة، أصبحت المجر بوابة الاتحاد الأوروبي بالنسبة لعشرات الآلاف من المهاجرين وطالبي اللجوء الذين سافروا بالفعل عبر تركيا واليونان والبلقان بحثاً عن الحماية الدولية وحياة أفضل، لكن السلطات المجرية تبذل قصارى جهدها لإغلاق هذا الطريق الذي أصبح مطروقاً على نحو متزايد.

مرر النواب المجريون يوم الإثنين الماضي تشريعات جديدة تمهد الطريق لسرعة ترحيل "المهاجرين لأسباب اقتصادية" وبناء سياج طوله 110 أميال على حدود المجر مع صربيا - التي تعتبر نقطة الدخول الرئيسية للمهاجرين غير الشرعيين وطالبي اللجوء.

وقد عدلت الحكومة أيضاً تشريعاً يصنف أي شخص يدخل البلاد عبر دول ثالثة "آمنة"، بما في ذلك صربيا، على أنهم "مهاجرون لأسباب اقتصادية" يمكن إعادتهم من حيث أتوا دون الحاجة لدراسة طلبات لجوئهم. ويشير النقاد إلى أن الأفغان والسوريين والعراقيين يشكلون الآن أكثر من ثلاثة أرباع الوافدين إلى المجر، وأن إعادتهم إلى بلد مثل صربيا، التي تفتقر إلى نظام لجوء، يشكل انتهاكاً لالتزامات المجر بموجب اتفاقية اللاجئين لعام 1951.

كما أكدت التعديلات التي أُدخلت على قانون اللجوء المجري وتم تمريررها يوم الإثنين أن طالبي اللجوء يمكن أن يُعتقلوا خلال العملية التي تم تسريعها، وفي الوقت نفسه، يمكن إنهاء إجراءات حتى الذين يقيمون في مراكز "مفتوحة" إذا غادروها لأكثر من 48 ساعة. ومن الممكن تعميم القوانين الجديدة بحلول منتصف أغسطس.

وفي هذا الإطار، قالت مارتا باردافي، الرئيس المشارك للجنة هلسنكي المجرية، في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن التشريعات الجديدة لا تحل مشكلة الاكتظاظ في مراكز اللجوء، وسوف تؤدي إلى الحد من الضمانات الممنوحة لطالبي اللجوء.

ويوضح تقرير يوثق معاملة اللاجئين والمهاجرين في مقدونيا وصربيا والمجر، وأصدرته منظمة العفو الدولية يوم الثلاثاء، أن أولئك الذين يطلبون اللجوء بعد عبور الحدود إلى المجر يتم احتجازهم بشكل روتيني "في ظروف مكتظة وأحياناً مهينة" حتى يتم تحديد هوياتهم وأخذ بصماتهم.

"وعلى الرغم من الإفراج عن غالبية طالبي اللجوء في وقت لاحق وإرسالهم إلى مراكز الاستقبال المفتوحة، فإن أولئك الذين يُحتمل هروبهم - في بعض الأحيان، ما يقرب من 40 بالمائة من الذكور غير المتزوجين - يمكن احتجازهم في مراكز احتجاز طالبي اللجوء،" كما أضاف التقرير.

وعلقت باردافي على ذلك قائلة أن النظام تعرض لضغوط تفوق طاقته لدرجة أن بعض المرافق تعمل بأكثر من ضعف قدرتها. وأضافت أن "النظام غير قادر على مراعاة نقاط الضعف الفردية، والاحتياجات الخاصة وما إلى ذلك. نحن نسمع قصصاً عن الأشقاء الكبار أو الأسر الذين انفصلوا عن بعضهم، أو النساء غير المتزوجات اللاتي يتعرضن لجميع أنواع التحرش".

مأزق بيروقراطي

حسين* طالب لجوء يبلغ من العمر 28 عاماً، وقد أمضى الأشهر السبعة الأخيرة في المجر في انتظار صدور قرار بشأن وضعه. وحسين واحد من حوالي 2,000 طالب لجوء يقيمون في قاعدة قديمة للجيش السوفيتي على حافة مدينة ديبريسن في شرق المجر. يحتوي هذا المرفق على مخيم كبير مفتوح ومركز احتجاز وتقل سعتهما الرسمية معاً عن 1,000 شخص. ديبريسن هي واحدة من 10 منشآت مماثلة في المجر، وكلها تُدار من قبل مكتب الهجرة المجرية (OIN) بتمويل كبير من الاتحاد الأوروبي.

ويقول حسين أنه غادر وطنه بعد تلقيه تهديداً بالسجن بسبب نشاطه السياسي. وقد عبر الحدود إلى المجر من صربيا في شهر ديسمبر الماضي، وألقت الشرطة القبض عليه في سيغد، بالقرب من الحدود.

وفي قسم الشرطة وُضع في زنزانة يبلغ طولها ثلاثة أمتار وعرضها أربعة أمتار مع العديد من المهاجرين الآخرين. "لا أريد حتى أن أتذكر تلك البطانيات - التي أُعيد استخدامها مراراً وتكراراً - وتلك الرائحة، والنوم على الأرض بطبيعة الحال. ثم جاءوا لأخذ أمتعتنا الشخصية، وكانوا يقولون مازحين أنهم سيقومون بإجراء "تفتيش شرجي" بالقفازات. كان ضباط الشرطة يلقون قطعاً من الخبز على المسلمين، الذين كانوا يُعاملون كالحيوانات،" كما أخبر شبكة الأنباء الإنسانية.

وبعد بضعة أسابيع، تم نقله الى ديبريسن، وظل هناك، في القسم "المفتوح"، منذ ذلك الحين. وخلال ذلك الوقت أُجريت معه ثلاث مقابلات لجوء. بعد المقابلة الأولى، اضطر للانتظار لمدة ستة أشهر لإجراء المقابلة الثانية، ولا يزال يعيش في مأزق بيروقراطي يسعى التشريع الجديد إلى إزالته.

ويحق لطالبي اللجوء في المجر الحصول على مساعدة قانونية مجانية، ولكن نادراً ما تتم إتاحة المحامين الذين تمولهم الدولة، وفقاً لباردافي، وقد حضر محامي حسين مقابلته الأولى فقط. وفي الوقت نفسه، اعترف الأشخاص الذين أجروا معه المقابلات بأنهم لا يعرفون سوى القليل عن بلاده.

* ليس اسمه الحقيقي


الحكومة تستجيب للتدفق

ووفقاً لبيان الحكومة، جاء أكثر من 73,000 "مهاجر غير شرعي" إلى المجر حتى الآن هذا العام. وبحلول نهاية يونيو، كان 61,000 منهم قد تقدموا بطلبات لجوء. وكانت الغالبية العظمى من الوافدين الجدد في بداية العام من كوسوفو، ثم تلاهم تدفق أعداد كبيرة من السوريين والأفغان. وفرضت الموجة الثالثة من الوافدين الجدد، التي تتضمن العديد من المهاجرين الأفارقة، مزيداً من الضغوط على المرافق المتهالكة والمزدحمة بالفعل، مثل ديبريسن حيث وقعت أعمال شغب يوم الإثنين الماضي بعد أن داس سجين تركي بقدمه على نسخة من القرآن. وأفاد حسين أن العديد من الوافدين الجدد ينامون في العراء تحت ظلال الأشجار أو في خيام.

وتجدر الإشارة إلى أن تعديلات الإثنين الماضي كانت هي الأحدث في سلسلة من ردود الفعل المثيرة للجدل من قبل حكومة المجر الشعبوية القومية بعد ارتفاع عدد المهاجرين الوافدين. وقالت المجر في الشهر الماضي أنها لن تقبل طالبي اللجوء الذين تعيدهم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الأخرى بموجب لائحة دبلن، التي تتطلب النظر في الطلبات في أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تم تسجيلهم بها. وقد تراجعت عن هذا القرار في اليوم التالي.

وقد حاول حزب فيدس الحاكم تأجيج المشاعر المعادية للمهاجرين من خلال حملة إعلانية على المستوى الوطني تضم شعارات مثل: "إذا أتيت إلى المجر، لا تأخذ وظائف المجريين". ونددت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بهذه الحملة متهمة إياها بالتحريض على كراهية الأجانب، ويقول منتقدو الحكومة أن حزب فيدس يحاول صرف الانتباه عن مزاعم الفساد.

ويبدو أن للحملة كانت نتائج متباينة، فقد أعلنت ميغسول سيغد، وهي منظمة غير حكومية توزع المواد الغذائية والملابس على طالبي اللجوء، عن تلقيها بعض العروض للتطوع من حوالي 17,000 مواطن مجري في يوم واحد فقط خلال الأسبوع الماضي، في حين وجد استطلاع للرأي أجرته القناة التلفزيونية RTL أن 55 بالمائة من المشاركين في المجر على استعداد لمساعدة المهاجرين الذين بحاجة إلى المساعدة.

مع ذلك، اضطر موقع فيسبوك يوم الإثنين الماضي إلى حذف صفحة مجموعة مشجعي كرة القدم المجرية اليمينية المتطرفة، ألتراس ليبري، بعد تلقيه عدداً كبيراً من الشكاوى بشأن مشاركة تشير إلى أن بعض أعضاء الرابطة أعطوا اللاجئين طعاماً وشراباً يحتوي على أدوية مسهلة في محطات السكك الحديدية وفي جزيرة مارغريت بمدينة بودابست. وكانت هناك أيضاً حوادث تشمل ترويع المهاجرين والنشطاء الذين يساعدونهم من قبل أعضاء جيش الخارجين على القانون (Betyáreseg) القومي المتطرف.

"عدد هائل من الناس"

وتوجد معظم المرافق المخصصة لسكن واحتجاز المهاجرين وطالبي اللجوء في مواقع نائية. ويقع أحدها خارج بيتشكه، وهي بلدة صغيرة تبعد نحو 25 ميلاً عن العاصمة بودابست. وعلى الرغم من أنه ظاهرياً "مركز مفتوح"، أوضح شقيقان من الصومال، يبلغ عمراهما 19 و29 سنة، التقت بهما شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بالقرب من بوابات المخيم، أنه "إذا رأتنا الشرطة نتحدث إليكم، يمكن أن نُوضع قيد الاحتجاز لمدة ثلاثة أشهر".

جلس الأخ الأكبر القرفصاء على رصيف خارج السوبر ماركت، وشمر كُمي قميصه لإظهار ندوب عميقة على ساعديه. وأضح أن "أحد أعضاء حركة الشباب فعل هذا بي"، مشيراً إلى أنه كان ذو لحية طويلة. كما أنه يشعر بالقلق أكثر من أخيه بصورة ملحوظة لأن لديه زوجة وطفلين في المخيم. ويقول الشقيقان أنهما لم يكونا ينويان البقاء في المجر، ولكن بعد أخذ بصماتهما هناك، اضطرا للبقاء حتى يتم البت في طلبات اللجوء الخاصة بهم أو المخاطرة بإعادتهم بموجب لائحة دبلن.

ووفقاً لتقرير منظمة العفو الدولية، يخاطر غالبية طالبي اللجوء بالانتقال إلى بلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى حيث تكون لديهم فرصة أفضل للعثور على عمل والاندماج في المجتمع.

وأخبرت أم صومالية لثلاثة أطفال شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنها شقت طريقها إلى أوروبا عبر المجر من وطنها عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها وأثناء الحمل بطفلها الأول. وبعد الحصول على الإقامة المؤقتة في سويسرا، أُعيدت الى المجر بموجب لائحة دبلن.

وقال طالب لجوء أوكراني يدعى فلاديسلاف أن بيتشكه بها "عدد هائل من الناس" لكنها أفضل من منشأة مغلقة تسمى نييرباتور، حيث أمضى ثلاثة أشهر: "نييرباتور هي غوانتانامو المجر. كانوا يقيدوننا بالسلاسل ويكبلون أيادينا بالأصفاد، ويعطوننا أطعمة منتهية الصلاحية".

وأضاف أن عملية طلب اللجوء بطيئة. "في الشهرين الأولين، يعيش الجميع بدون مال. وبعد ذلك، إذا كانت مقابلتك إيجابية، يمكنك الحصول على 30,000 فورنت (104 دولارات) شهرياً،" كما يقول، مضيفاً أن هذا المال عادة ما يُستخدم لتكملة الطعام المكون من رغيفي خبز ووعاء حساء الذي يحصل عليه المقيمون في وجبتي الإفطار والغداء. "ولا نحصل على أي شيء في المساء، وأستطيع أن أخبركم الآن أنه لا توجد مياه متاحة في الوقت الحالي،" كما أفاد.

وحسين متشائم بشأن فرصه في الحصول على وضع لاجئ في المجر في نهاية المطاف. فمن أصل ما يقرب 43,000 طلب لجوء تلقتها البلاد في عام 2014، تم منح 508 فقط حق اللجوء على الرغم من أن ثلث المتقدمين جاءوا من سوريا وأفغانستان.

dn/ks-ais/dvh