أهم منظمة إغاثة لم تسمع عنها قط

آني سليمرود

محررة شؤون الشرق الأوسط

لم يسمع عنه سوى القليل من الناس، ولا يعرف طريقة عمله سوى عدد أقل، لكن هذا المركز الوليد يمكن أن يحدث ثورة في الطريقة التي تمنح بها المملكة العربية السعودية مئات الملايين من الدولارات في صورة مساعدات طارئة كل عام.

وفي عام 2014، كانت هذه الدولة الخليجية ثامن أكبر الجهات المانحة الإنسانية في العالم، حيث أنفقت أكثر من 736 مليون دولار. مع ذلك، كانت أنماط تمويلها تاريخياً غير قابلة للتنبؤ ويصعب توجيهها وغير متناغمة، كما يجادل البعض.

وقبل سبعة أسابيع، وبدون ضجة تذكر - مجرد تقارير قليلة في وسائل الإعلام المحلية - أعلنت الرياض عن إنشاء مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية (KSC)، المسمى باسم الملك الجديد.

وإذا نجح هذا المركز، فإنه سيعيد تشكيل الطريقة التي تستجيب بها البلاد للأزمات في جميع أنحاء العالم بشكل جذري، مما سيؤدي إلى تقديم المساعدات الإنسانية بوسائل أكثر تنسيقاً واستراتيجية. أما إذا فشل، فيمكن أن يصبح مجرد وحش بيروقراطي آخر أو يجعل المساعدات الإنسانية أكثر تسييساً من أي وقت مضى.

وقد ظهر المركز على الساحة في أكثر الأوقات صعوبة، فوظيفته الأولى إدارة صرف تبرع بقيمة ربع مليار دولار مخصص لليمن، حيث تشارك المملكة العربية السعودية بنشاط في الحرب الأهلية في البلاد. فهل يقوم المركز الجديد بمهمة تفوق طاقته؟

نهاية عهد "البقرة الحلوب"؟


لا تزال غالبية المعلومات المتوفرة عن عمليات المركز غير مؤكدة. وحتى الآن، لا تزال سلسلة القيادة الكاملة غير معروفة، وليس لديه حتى موقعاً على شبكة الإنترنت (على الرغم من وجود صفحة فيسبوك بدائية).

لكن حجم الطموح واضح وضوح الشمس. وقال مصدر في الأمم المتحدة أنه يتوقع أن يعمل المركز الجديد كنسخة خليجية من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) - وهي وكالة المساعدات الحكومية في الولايات المتحدة - وأنه سيؤسس العديد من الإدارات، بما في ذلك أذرعاً للرصد والتقييم والبحوث.

وأكد المتحدث باسم مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية رأفت الصباغ الأهداف العالمية للمركز: "نحن طموحون للغاية ... إن عمرنا لا يتجاوز شهراً ونصف، ولكننا في الوقت نفسه حريصون جداً على أن نتعلم من تجربة وزارة التنمية الدولية [في المملكة المتحدة] والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية".


لقد ولى العهد الذي كان فيه السعوديون يمنحون المال ثم يختفون

"إن عملنا ليس مخصصاً لدولة واحدة فقط. كلما كان هناك أناس بحاجة إلى المساعدة، لا سيما عند وقوع كوارث طبيعية، سوف نكون هناك،" كما أضاف.

والجدير بالذكر أن المملكة العربية السعودية معروفة بتبرعاتها السخية. ففي عام 2008، قدمت 500 مليون دولار دفعة واحدة إلى برنامج الأغذية العالمي، وفي العام الماضي تبرعت بمبلغ مماثل للاستجابة للأزمة في العراق. وعادة ما كانت هذه المساعدات مصحوبة بعدد قليل نسبياً من القيود.

ولكن من المرجح الآن أن تُوجه مثل هذه التبرعات من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، مما يثير القلق من أن المملكة العربية السعودية قد تقلص مشاركتها في نظام المساعدات الدولية الذي تقوده الأمم المتحدة.

وقد أصبحت المملكة تشعر بغضب متزايد من الأمم المتحدة في السنوات الأخيرة. ففي أواخر عام 2013، رفضت الحصول على مقعد في مجلس الأمن الدولي، وأدانت "الكيل بمكيالين" في سوريا والهدر في استخدام الموارد.

وفي ما بدا وكأنه انتقاد لاذع للأمم المتحدة، قال الصباغ أن المركز يهدف الى "تجنب البيروقراطية التي تعاني منها بعض المنظمات"، وسيكون "أكثر مرونة" من المنظمات الإنسانية الأخرى.

مع ذلك، فقد أكد أن المركز يريد أن يعمل مع الأمم المتحدة: "نحن حريصون جداً على بناء شراكة [مع الأمم المتحدة]. وفي الوقت نفسه لدينا الشبكات الخاصة بنا، ويمكن أن يكون عملنا من خلال الشراكة مع الأمم المتحدة مكملاً".

وأضاف الصباغ في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية يهدف إلى انهاء سمعة البلاد بأنها "بقرة حلوب" في العالم الإنساني.

وفي السياق نفسه، قال مصدر في الأمم المتحدة أن المملكة قد تسعى إلى اتخاذ نهج عملي أكثر في المشاريع التي تمولها، فتقوم بتوجيه مزيد من الإنفاق من خلال المنظمات المحلية السعودية، بدلاً من المنظمات الدولية والنداءات المنسقة التي تقودها الأمم المتحدة.

"لقد ولى العهد الذي كان فيه السعوديون يمنحون المال ثم يختفون،" كما أضاف المصدر.

تعميم المساعدات

وهناك مصدر آخر للقلق، وهو أن يصبح المركز الجديد مجرد هيئة أخرى تتنافس على النفوذ داخل البيروقراطية السعودية، التي دأبت منذ فترة طويلة على تقسيم مهمة توزيع المساعدات بين منظمات مختلفة.

فتاريخياً، كانت هناك عدة لجان نوعية تخضع لسلطة وزارة الداخلية وتركز على الأزمات الفردية؛ في حين كان الصندوق السعودي للتنمية، الذي يعمل تحت إشراف وزارة المالية، في كثير من الأحيان يتجه إلى تقديم المساعدات الإنسانية، كالاستجابة للأزمة السورية على سبيل المثال. كما نافست رابطة العالم الإسلامي وعدد من المنظمات الأصغر على النفوذ.


وفي هذا الصدد، قالت حبيبة حامد، خبيرة شؤون الحكم في منطقة الخليج، أن هيئات مختلفة كثيراً ما تتداخل وتتفاعل وتتعارض مع بعضها البعض، "وهناك فصل بين الأذرع المختلفة للحكومة والهيئات المختلفة. وهذا ينطبق على دول خليجية أخرى أيضاً، ولكن في السعودية، هناك نشاط أكبر بكثير. إنها لعبة متعددة الأوجه ... وفي كثير من الحالات، لا تعرف اليد اليمنى ما تقوم به اليد اليسرى".

وقال سلطان بركات، مدير الأبحاث في مركز بروكينغز الدوحة، أن هذا قد أدى إلى إهدار الموارد على نطاق واسع وغياب التنسيق أو الرصد السليم.

"لقد أدرك [السعوديون] على مدار السنوات القليلة الماضية أن الكثير من مساعداتهم التي أُعطيت بحسن نية لمساعدة سوريا ذهبت في نهاية المطاف إلى الجهات غير المناسبة. إنهم على دراية كبيرة بذلك،" كما أضاف.

وقال سعيد حرسي، رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الخليج، أنه واثق من أن إنشاء المركز سيؤدي إلى تحسين المساعدات: "كان التحدي في السابق يتمثل في أن الإغاثة في المملكة العربية السعودية تُقدم من قبل العديد من [المنظمات المختلفة]. سيظل هذا الوضع قائماً، ولكن الآن، مع وجود المركز، أصبحت لدينا جهة اتصال مركزية ومرجعية".

اليمن: حالة الاختبار الأولى

ولكن ثبت بالفعل أن أول اختبار للمركز في اليمن صعب للغاية، فقد بدأت المملكة العربية السعودية حملة قصف وحصار اقتصادي في شهر مارس الماضي في محاولة لإجبار المتمردين الحوثيين على التخلي عن السلطة وإعادة الحكومة الموجودة في المنفى إلى السلطة.

وفي شهر أبريل، عندما وجهت الأمم المتحدة نداءً لجمع 274 مليون دولار للاستجابة لأزمة اليمن، تعهدت الحكومة السعودية بتقديم المبلغ بالكامل في غضون 24 ساعة. وتوقعت المنظمات الإنسانية أن يتم تسليم الأموال مباشرة إلى الأمم المتحدة، كما فعلت المملكة العربية السعودية في العام الماضي عندما خصصت، على غير العادة، تبرعها بمبلغ 500 مليون دولار بأكمله لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في العراق لكي يتولى تنسيق صرفه.

ولكن في شهر مايو، أعلنت السعودية عن إنشاء المركز وقالت أن مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية سيتولى تنسيق التبرع المخصص لليمن.

وسارعت منظمة اليونيسف إلى الاستفادة من التبرع الجديد، فدشنت مشروعاً بتمويل من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية لمساعدة اللاجئين اليمنيين في جيبوتي، لكن وكالات الأمم المتحدة الأخرى ظلت لعدة أسابيع لا تعرف مقدار التمويل الذي ستحصل عليه، إن وُجد على الإطلاق.

وبعد مفاوضات بين المشرف العام على المركز عبد الله بن عبد العزيز الربيعة (وزير الصحة السعودي السابق) ورئيس العمل الإنساني بالأمم المتحدة ستيفن أوبراين، تم التوصل إلى اتفاق قبل أسبوعين؛ حيث تم منح غالبية التمويل إلى برنامج الأغذية العالمي، وحصلت وكالات الأمم المتحدة الأخرى على حصص أقل.

ولكن العديد من المنظمات غير الحكومية تشعر باستياء شديد من الشروط.

وقد كتبت المنظمات غير الحكومية الدولية الرائدة في اليمن رسالة مشتركة إلى منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة، منتقدة الاتفاق، وفقاً لأحد رؤساء المنظمات غير الحكومية الرئيسية التي وقعت عليها. ولا تزال العديد من المنظمات غير الحكومية حتى الآن غير مستعدة لقبول التمويل السعودي للاستجابة الإنسانية على أساس أن حملة القصف والحصار تسببا في الكثير من المعاناة.

وقال رئيس المنظمة غير الحكومية أن من بين الاعتراضات التي تضمنتها الرسالة أن الحكومة السعودية - المنحازة بشكل واضح إلى طرف واحد في النزاع - أصرت على إبلاغ الحكومة اليمنية في المنفى بجميع المشاريع المنفذة من خلال هذا التمويل، بما في ذلك الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون.

ويزعم كل من المتمردين الحوثيين، الذين يسيطرون الآن على العاصمة صنعاء، والرئيس المخلوع عبده ربه منصور هادي، الذي يقيم في المنفى في المملكة العربية السعودية، أنهما يتوليان رئاسة الحكومة. أما المجتمع الدولي، فإنه يدعم هادي بشكل حصري تقريباً باعتباره الحاكم الشرعي، ولكن وضعه معقد بسبب حقيقة أنه استقال رسمياً في شهر يناير قبل أن يتراجع عن الاستقالة.

وعلى هذا النحو، كما أفاد مدير المنظمة غير الحكومية، فإن إعطاء المعلومات إلى جانب واحد في الحرب الأهلية النشطة يمكن أن يعرض كل من المنظمات غير الحكومية والأشخاص الذين تدعمهم للخطر. وأضاف أنه يشعر بالقلق من أن يتم إهمال المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين بموجب الشروط المتفق عليها.

"إما أن تنجح الأمم المتحدة في جعل السعوديين يفهمون أننا لا يمكن أن ننسى مبادئنا الإنسانية، أو لا نأخذ شيئاً [من هذا المال]،" كما أشار.

وأكد المتحدث باسم أوكسفام عماد عون وجود الرسالة، لكنه رفض مناقشة محتواها أو الشروط المفروضة على تخصيص الأموال، مشيراً إلى أن "الخوف في هذه الحالة هو أن يُنظر إلينا على أننا منحازون [إلى أحد طرفي الصراع]. طالما أن [نداء الأمم المتحدة] ممول بنسبة 100 بالمائة من قبل المملكة العربية السعودية، فإننا لن نقبل أي تمويل منه".

ونفى كل من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والأمم المتحدة فرض أي شروط مجحفة على المساعدات.

وقال الصباغ: "نحن لا نميز بين اليمنيين. نحن حريصون على مساعدة جميع اليمنيين بغض النظر عن الطائفة أو الدين أو اللون".

نحو مساعدات أفضل؟

وخارج اليمن، ينظر البعض إلى المركز كجزء من تحول أوسع نحو سياسة خارجية سعودية أكثر حزماً. فمنذ تولي الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد المملكة في يناير الماضي، بعد وفاة أخيه غير الشقيق الملك عبد الله، انتهج مجموعة من السياسات الأكثر شدة ضد المنافس الإقليمي إيران. وفي حين كانت حملة القصف الموجهة ضد الحوثيين في اليمن، الذين يُزعم أنهم مدعومون من قبل إيران، هي المثال الأكثر وضوحاً، يعتبر الإعلان العلني عن إجراء السعودية محادثات مع اسرائيل حول كيفية إحباط مخططات إيران تحولاً كبيراً أيضاً.

وقال بركات من معهد بروكنجز الدوحة أن المركز يعتبر جزءاً من موقف أكثر صراحة: "إنه يعكس طريقة جديدة بالكامل لإدارة شؤونهم الخارجية، وهي أن يصبحوا أكثر حزماً، وأكثر انخراطاً بطريقتهم الخاصة، وربما ممارسة قدر أكبر من السيطرة". واتفقت حامد مع الرأي القائل بأن المركز "يحاول الإعلان عن بدء عصر جديد مع الملك الجديد".

من جانبه، أوضح الصباغ أنه على الرغم من أن المركز لا يخضع لسيطرة أي وزارة معينة، لكنه سيتمتع أيضاً بدرجة من الاستقلالية عن الملك. وأضاف: "إنه يخضع لسيطرة حكومية أقل من وزارة التنمية الدولية البريطانية. لدينا سياسة خاصة بنا؛ ولدينا استراتيجية خاصة بنا. نحن مستقلون عن أي تأثير سياسي".

وتجدر الإشارة إلى أنه في السنوات الأخيرة، قام جيران المملكة العربية السعودية بتحسين شفافية المساعدات الإنسانية وكفاءتها بطرق لم تتبعها أكبر دولة في منطقة الخليج. فقد أنشأت دولة الإمارات العربية المتحدة وزارة التنمية والتعاون الدولي في عام 2013، وبدأت في إصدار تقارير عامة سنوية عن إنفاقها.

وقال حرسي من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نعتقد أن إنشاء المركز يأتي في وقت مناسب للغاية، بالنظر إلى الأزمات الإنسانية في هذه المنطقة وعلى الصعيد العالمي، وبالنظر إلى أن المملكة العربية السعودية أصبحت من كبار ممولي [عمليات] الإغاثة الإنسانية".

لكن حامد حذرت من أنه على الرغم من هذا التحول، فإنها محبطة بسبب طريقة تأسيس المركز التي تبدو عشوائية وسريعة.

وأضافت أن "السعودية متأخرة كثيراً عن الكويت والإمارات العربية المتحدة من حيث تنسيق الطريقة التي تُدار بها مساعداتها"، مشيرة إلى افتقار المملكة تاريخياً إلى الشفافية بشأن المناطق التي تنفق فيها أموالها.

وقد واجهت المملكة العربية السعودية أيضاً انتقادات في بعض الأحيان بسبب عدم الوفاء بوعودها: ففي الشهر الماضي، كشف البنك الدولي أن المملكة العربية السعودية قد سلمت أقل من 10 بالمائة من مبلغ 500 مليون دولار الذي تعهدت بتقديمه للمساهمة في إعادة إعمار غزة.

ولكن في المقابل، قال الصباغ أن قيادة المركز تلتزم بأعلى معايير الشفافية والمساءلة.

jd-as/ha-ais/dvh"