كل شيء يتعلق بالمال

لويز ريدفرز

Freelance journalist and regular IRIN contributor

هناك شكاوى كثيرة تتعلق بالنظام الإنساني، ولكن معظمها يتعلق بالمال في نهاية المطاف.

وقد أفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وهو هيئة الأمم المتحدة المعنية بتنسيق المساعدات الطارئة، بأن نسبة تمويل متطلبات الاستجابة الإنسانية لهذا العام، والتي تبلغ 19.44 مليار دولار، كانت أقل من 20 بالمائة، مما يخلق نقصاً في السيولة النقدية على الخطوط الأمامية ويؤدي إلى خفض الإنفاق في جميع المجالات.

وحيث أن النزاعات التي طال أمدها في سوريا والعراق وجنوب السودان تدفع باتجاه مستويات قياسية من النزوح، ومع ظهور أزمات المهاجرين في أوروبا وجنوب شرق آسيا، وحدوث سلسلة من الكوارث الطبيعية، كان آخرها زلزال نيبال، فقد أصبح الطلب أكبر من أي وقت مضى.

ونتيجة لذلك، فإن ارتفاع تكلفة الاستجابة لهذه الاحتياجات المتزايدة - وكيفية سد فجوة التمويل هذه - يهيمن على النقاش في قطاع المساعدات، ومن المرجح أن يصبح واحداً من الموضوعات الرئيسية في القمة العالمية للعمل الإنساني (WHS) المقرر عقدها العام المقبل.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال مايك نويس، رئيس الاستجابة الإنسانية في منظمة أكشن ايد (ActionAid): "هناك عدد متزايد من الأزمات المزمنة المتزامنة وقد أصبحت المطالب غير مستدامة. ولن تحقق القمة العالمية للعمل الإنساني النجاح ما لم يكن التمويل جزءاً أساسياً من جدول الأعمال".

في شهر مايو، شكل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لجنة رفيعة المستوى من أجل التوصل إلى حلول لنظام تمويل إنساني أكثر فعالية من حيث التوقيت وأكثر قابلية للتنبؤ به، واقتراح السبل التي تكفل توزيع الموارد بشكل أكثر فعالية. وقد اجتمع أعضاؤها التسعة لأول مرة في أواخر يونيو، ومن المقرر أن يقدموا تقريراً قبل انعقاد القمة العالمية للعمل الإنساني في شهر مايو المقبل.

تقرير تفاعلي: الاقتصاد الإنساني

زيادة الوعاء

ويتمثل أحد التحديات الرئيسية في كيفية "زيادة وعاء التمويل" وتوجيه المزيد من المال للاستجابة الإنسانية.

"من الواضح أن قاعدة المانحين يجب أن تتوسع، ونحن بحاجة إلى جعل القطاع الخاص شريكاً أكثر قابلية للتنبؤ في كل من التمويل والاستجابة،" كما أشار ستيفن أوبراين، رئيس مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية الجديد في مؤتمر نظمته الأمم المتحدة مؤخراً حول تمويل المساعدات الإنسانية.

وتجدر الإشارة إلى أن دول الخليج الغنية بالنفط، مثل الإمارات العربية المتحدة والكويت والمملكة العربية السعودية، التي زاد إنفاقها زيادة مطردة وقدمت تبرعات كبيرة للأمم المتحدة في العراق واليمن في الأونة الأخيرة، مطالبة الآن بتقديم المزيد من الأموال.

اقرأ أيضاً: تنامي دور دول الخليج في مجال المعونة

ورحب بارنابي ويليتس كينغ، الباحث في معهد التنمية الخارجية (ODI) في المملكة المتحدة، وهي مؤسسة بحثية، بتشكيل لجنة الأمم المتحدة حول التمويل الإنساني "في الوقت المناسب"، وخاصة تنوعها، حيث تضم أعضاءً من القطاع الخاص وما يسمى جنوب الكرة الأرضية.

ولكنه حذر من أنها "مشاكل تمت دراستها لسنوات عديدة، ولا توجد إجابات سهلة".

"ما يقلقني أيضاً هو أننا نعلق آمالاً أكثر مما ينبغي على سد فجوة التمويل من جهات مانحة مثل دول الخليج. إنهم يوقعون شيكات بمبالغ كبيرة بالفعل، لكنهم لا يفعلون ذلك دائماً بطريقة يمكن التنبؤ بها،" كما أخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، مشيراً أيضاً إلى أن القطاع الخاص ليس بالضرورة دواء لكل داء، كما كان يتم تصويره.

وأضاف أن "هناك بعض الفرص، من وجهة نظر العاملين الذين يريدون منح المال والدعم لأزمات مثل نيبال، لكن هل سنرى شركات تبدأ في تقديم تبرعات مالية كبيرة للأمم المتحدة؟ لست متأكداً من ذلك".


تغير الضوابط

وبالإضافة إلى إيجاد طرق لزيادة وعاء التمويل، تكمن في قلب النقاش أيضاً الدعوة إلى تغيير طريقة إنفاق أموال المساعدات والجهات التي تنفقها.

ويرى العديد من الناس أن الوقت قد حان لكي تخفف الجهات المانحة الكبرى "الشمالية"، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، من قبضتها على النظام الإنساني وتنقل المزيد من المال والسلطة مباشرة إلى المنظمات المحلية والوطنية.

ووفقاً لتقرير المساعدة الإنسانية العالمية لعام 2015، الذي نشرته منظمة مبادرات التنمية، التي تتخذ من بريطانيا مقراً لها، في شهر يونيو، حصلت المنظمات غير الحكومية الوطنية والمحلية على 0.2 بالمائة فقط من التمويل، أي نصف التمويل الذي حصلت عليه في عام 2012، والذي بلغت نسبته 0.4 بالمائة.

ويقول خبراء السياسة أن إعطاء هذا القدر الضئيل من المال مباشرة إلى المنظمات المحلية - التي تقف على خط المواجهة في الاستجابة للكوارث - لا يحد من تطوير قدراتها فحسب، ولكنه يؤكد أيضاً على الموقف الأبوي - أو حتى الاستعماري - من قبل الجهات المانحة في الشمال والغرب حيال الجهات الفاعلة الإنسانية في الجنوب.

وهو ما يعني أن جهات التمويل لا تزال تملي طريقة إيصال المساعدات، وليس أولئك الموجودون على أرض الواقع ويعملون بالفعل مع الناس الذين في أمس الحاجة إلى المساعدة.

اقرأ أيضاً: المنظمات غير الحكومية: سد الفجوة بين الشمال والجنوب

واشتكت ديغان علي، المديرة التنفيذية لمنظمة حلول التنمية الأفريقية (Adeso) ومقرها نيروبي، التي تقود دعوات لاقامة شبكة من المنظمات غير الحكومية الجنوبية للمساعدة في إدارة تمويل المنظمات المحلية، من أن "الأزمات والاحتياجات تكون على المستوى المحلي في المناطق المحلية. مع ذلك، فإن التمويل يأتي من الحكومات الأجنبية إلى المنظمات الأجنبية في كثير من الأحيان".

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت آن ستريت، رئيسة قسم السياسات الإنسانية في الوكالة الكاثوليكية للتنمية (CAFOD)، وهي إحدى المنظمات الإنسانية الكاثوليكية الرائدة في المملكة المتحدة، أن نموذج التمويل الإنساني "يحتاج إلى تغيير".

وأضافت أن "الجهات المانحة والأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية بحاجة إلى إجراء بعض الأحاديث الجريئة والبدء في دعم الخيارات المختلفة واختبار نماذج مختلفة".

والجدير بالذكر أن مبادرة التمويل الإنساني في المستقبل (FHF)، المدعومة جزئياً من قبل الوكالة الكاثوليكية للتنمية، هي إحدى الداعين لتغيير كبير في النظام الإنساني.

"يجب أن تصبح إزالة الحواجز وتمكين الجهات الفاعلة المحلية والوطنية من الوصول إلى المصادر الدولية للتمويل الإنساني أولوية عاجلة،" كما أفادت في تقرير بعنوان "النظر فيما وراء الأزمة"، الذي نُشر في شهر مايو الماضي.

واستناداً إلى البحوث التي تم جمعها من سلسلة "حوارات بين القطاعات" في لندن وداكار وعمّان وبانكوك، أشار التقرير المكون من 52 صفحة إلى أن "المؤسسة الإنسانية الدولية منفصلة عن واقع العالم الذي تعمل فيه، وأبعد ما تكون عن القدرة على مواجهة تحديات المستقبل. لقد طال انتظار التحول الجوهري في نموذج عمل الإنساني".

"كان تقرير مبادرة التمويل الإنساني في المستقبل يتعلق بزرع البذور، والآن نحن بحاجة فقط إلى أن نرويها والتأكد من أنها تنمو،" كما قالت ستريت.

ويكمن التحدي بالطبع في كيفية تحقيق ذلك.

التمويل المجمع

وأحد الخيارات هو التمويل المجمع، حيث يقدم المانحون الأموال إلى صندوق مركزي، ثم يتم تخصيصها على أساس الحاجة على أرض الواقع، بدلاً من الالتزام بجدول أعمال محدد خاص بالجهات المانحة.

وتستخدم عدة حالات طوارئ قُطرية الآن التمويل المجمع لتسريع صرف الأموال للوكالات العاملة على الأرض.

وصندوق ستارت الذي دشنته شبكة ستارت، وهي مجموعة من المنظمات غير الحكومية الدولية مقرها المملكة المتحدة، في عام 2014 هو نوع من الصناديق المجمعة، حيث يركز على إرسال الأموال إلى المنظمات التي تعمل في حالات الطوارئ النامية، والتي في كثير من الحالات لم تحصل على اهتمام وسائل الإعلام ولم تلفت أنظار المانحين حتى الآن.

"لقد أرسلنا الأموال إلى البلدان المتضررة من الإيبولا في شهر يونيو من العام الماضي، واستُخدم هذا المال في رفع التوعية وشراء لوازم النظافة التي أنقذت حياة الكثيرين. لم ننتظر وسائل الإعلام لخلق قصة، بل رأينا حاجة واستخدمنا السلطة المفوضة إلينا،" كما أوضح شون لاوري مدير شبكة ستارت.

واعترض لاوري على الدعوات لتوجيه المزيد من الأموال مباشرة إلى جهات الإغاثة المحلية، بدلاً من إنفاقها عن طريق المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة.

وأضاف قائلاً: "لا نعتقد أن تغيير الشريك المنفذ سيغير السلوك المنهجي. إن القضية الرئيسية ليست من الذي يقوم بالعمل، بل ما الذي يحتاج إليه السكان".

ومن المفهوم أيضاً أن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية يعمل على إصلاح نهجه في إدارة التمويل الإنساني، في الوقت الذي توجد فيه دعوات متزايدة من جميع قطاعات صناعة العمل الإنساني لتشجيع المزيد من البرامج المباشرة التي تقوم على توزيع النقود (بدلاً من الدعم العيني) في الاستجابة للأزمات.

ولكن لا يزال تحديد أفضل السبل لقياس هذه الأساليب المباشرة وإدارتها يمثل مشكلة.

ويكشف بحث جديد صادر عن مبادرة الحماية من المحلية إلى العالمية (L2GP)، بالتعاون مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، أن الجهات المانحة والوكالات الكبرى تكافح لتعقب أموال المساعدات أثناء انتقالها في سلسلة التوريد.

انظر تحليلنا للبيانات: الاقتصاد الإنساني

وهناك مخاوف من أن انعدام المساءلة، المتصور أو خلاف ذلك، يمكن أن يفرض قيوداً على السعي لنقل المزيد من السيطرة والنقود إلى المنظمات المحلية.

"بالنظر إلى أننا جميعاً نتحدث عن أهمية الاستجابات المحلية، من المدهش أننا لا نستطيع تحديد حجم المال الذي يُنفق محلياً،" كما أضاف نيلس كارستنسن، المؤلف المشارك لبحوث مبادرة الحماية من المحلية إلى العالمية.

إنمائي أم إنساني؟

وهناك سؤال آخر يدور حوله جدل لا نهائي عندما يناقش الناس تمويل المساعدات، وهو: أين تنتهي الجهود الإنسانية ويبدأ العمل الإنمائي؟

وفي هذا الصدد، قالت جميلة محمود، رئيسة أمانة القمة العالمية للعمل الإنساني، في مقال بصحيفة الجارديان: "ترتبط الأزمات الإنسانية ارتباطاً وثيقاً بعوامل أخرى بما في ذلك الضعف والفقر وعدم المساواة والهشاشة السياسية والبيئية".

وأضافت أن "الحقيقة البسيطة هي أنه لا يمكن التصدي لهذه الأزمات الممتدة والمتكررة من خلال العمل الإنساني وحده. يجب أن نستفيد من نقاط القوة في الجهات المتعددة ومصادر التمويل المتعددة للحد من الضعف والاعتماد على المساعدات الإنسانية، وزيادة قدرة الناس على الصمود في مواجهة الأزمة".

ويوافقها الرأي نويس من منظمة أكشن ايد، قائلاً: "على مدى السنوات القليلة الماضية، يمكن القول أننا، العاملون في المجال الإنساني، قد انتقلنا من الحالة التي يكون فيها العمل الإنساني متعلقاً فقط بالاستجابة لحالات الطوارئ، إلى ما هو عليه الآن: يتعلق بالاستجابة لحالات الطوارئ والتأهب لها والتعافي منها والصمود في مواجهتها. لقد زادت شهيتنا، لكن وعاء التمويل لم يشهد زيادة مماثلة".

وفي حين قال نويس أنه يعتقد أن هناك رأي يدعم المزيد من الاستثمار من قبل الجهات الفاعلة في مجال التنمية، فقد شكك أيضاً في "الفجوة" بين الاستجابة الإنسانية والإنمائية.

"يعمل الكثيرون منا في الجزء المسؤول عن التسليم في المنظمات المتعددة الولايات. وفي كثير من الأحيان، يأتي وعاء التمويل الخاص بالجهات المانحة من نفس الحكومات، ولكنه ينفصل عنها إلى حد ما في منتصف الطريق، ثم يعاود الانظمام إليها من جديد،" كما أفاد.

وفي حين توجد عدة نهج مختلفة، فإن الواضح هو أن الكثير من الاهتمام والزخم يحيط بإصلاح النظام الإنساني.

من جانبها، قالت ستريت: "هذه لحظة مهمة للغاية بالنسبة للتمويل الإنساني. هناك أشياء كثيرة على المحك".

وأضافت قائلة: "نأمل في هذه المرة، في غضون عامين، أن نبدأ في رؤية بعض التغييرات الحقيقية، مما سيتيح للعمل الإنساني أن يكون في وضع أفضل للعمل بسرعة أكبر، ويصبح أكثر استجابة وأكثر ملاءمة عندما وأينما تكون هناك حاجة إليه، ويقوم بتقديمه الأقدر على ذلك، وليس الأقدر على الحصول على التمويل".

lr/ag-ais/dvh