معضلة القرى الفلسطينية في الضفة الغربية

آني سليمرود

محررة شؤون الشرق الأوسط

تتكون قرية خربة سوسيا من مجموعة صغيرة من الملاجئ التي تحمي السكان من القيظ في تلال الخليل الجنوبية. ولكن هذه القرية التي بالكاد تحصل على ما يكفي من كهرباء لتشغيل مروحة أصبحت الآن بؤرة توتر رئيسية بين الإسرائيليين الفلسطينيين.

ففي الأسابيع الأخيرة، استضافت القرية تدفقاً متواصلاً من الزوار - حتى أنهم أقاموا مركز تضامن" صغير يوزع نشرات بعنوان "انقذوا سوسيا" باللغتين العربية والعبرية. ويزورها نشطاء من مختلف الجماعات - بما في ذلك يساريون إسرائيليون - لتقديم الدعم لسوسيا التي ستصبح أحدث قرية فلسطينية يتم تدميرها من قبل إسرائيل بعد صدور حكم محكمة يقضي بذلك. ويتساءل السكان مثل ناصر نواجا، المتحدث غير الرسمي باسم القرية، إذا كانت الجرافات ستصل ومتى.

"أعتقد أن الدولة تريد أن تهدم منازلنا،" كما أفاد.

سوسيا الثانية

ويعكس موقف سكان القرية البالغ عددهم 350 شخصاً المعضلة التي تواجه العديد من الفلسطينيين في هذا الجزء من الضفة الغربية، إذ يحتاج القرويون إلى تصريح بناء تصدق عليه الدولة لتجنب تدمير منازلهم، ولكن، بالنسبة للفلسطينيين على الأقل، يعتبر الحصول على هذه التصاريح ضرباً من المستحيل.

وقد ذكرت المجموعة الإسرائيلية بمكوم )مخططون من أجل حقوق الإنسان)، أنه خلال الفترة من عام 2002 إلى عام 2012، تمت الموافقة على 210 طلباً فقط من أصل 3,565 طلباً فلسطينياً للحصول على تصاريح بناء. وبما أن نسبة النجاح منخفضة للغاية، فإن الكثيرين يشعرون بالإحباط، كما أن أعداد الطلبات تتناقص. ولا تتوفر إحصائيات حول البناء الفلسطيني بصورة غير قانونية.

وعلى النقيض، تفيد تقارير حركة السلام الآن أنه في نفس الفترة، تم بناء أكثر من 17,000 وحدة سكنية في المستوطنات اليهودية، سواء بتصاريح أو بدون تصاريح.


وقد قدمت سوسيا طلبات للحصول على تصاريح متعددة للبناء وللاعتراف بها من قبل الإدارة المدنية الإسرائيلية على حد سواء. ولكن تلك الطلبات قوبلت بالرفض، مما يجعلها من بين ما يقرب من 90 بالمائة من القرى الفلسطينية في تلك المنطقة التي لا تملك إذناً رسمياً من الحكومة بالوجود على وجه الأرض.

"ليس من السهل العيش في خيمة، دون حماية من الحرارة أو البرودة. نريد أن نبني ونعيش حياة طبيعية،" كما أوضح نواجا.

وبالتالي قام سكان القرية بالبناء بدون تصاريح. لم تكن أبنية فخمة وإنما مطابخ صغيرة ملحقة بالخيام شبه المنفصلة، وأرضيات من الأسمنت - ولكنها خطوات لجعل الحياة في تلك الظروف الجوية القاسية أكثر احتمالاً. غير أن هذا البناء أصبح المبرر الآن لتدمير القرية.

وعلى بعد بضع مئات من الأمتار، توجد سوسيا ثانية محتلة من قبل المستوطنين اليهود، الذين تم منحهم جميع التراخيص اللازمة.

والتناقض بين الجهتين صارخ، فسوسيا اليهودية مكونة من صفوف مرتبة من المنازل ذات السقوف الحمراء، بينما سوسيا الفلسطينية تتكون من البيوت الجماعية المغطاة بالقماش المشمع البالي.

أزمة ممتدة على مدار عقدين من الزمن


ويعود النظام المزدوج إلى تاريخ احتلال إسرائيل للضفة الغربية في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967، ولكن تم تعديله من خلال اتفاقات أوسلو الثانية في عام 1995، والتي كان من المفترض أن تؤدي إلى سلام دائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وقد قسم الاتفاق الضفة الغربية إلى ثلاثة أجزاء - (أ) و (ب) و (ج). وتخضع المنطقة (أ)، بما في ذلك رام الله وبيت لحم وغيرها من المدن الفلسطينية الرئيسية، لسيطرة السلطة الفلسطينية ويُحظر على المدنيين الإسرائيليين دخولها. وتخضع المنطقة (ب) للحكم الفلسطيني، ولكن إسرائيل تحتفظ بالسيطرة الأمنية عليها. وتخضع المنطقة (ج)، حيث تقع سوسيا، للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، ويديرها فرع من الجيش الإسرائيلي يسمى الإدارة المدنية في يهودا والسامرة، وهي جزء من مكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق الفلسطينية (COGAT).


وكان من المفترض أن تكون هذه التقسيمات مؤقتة، وأن يتم منح جزء من المنطقة (ج) - التي تشكل الآن 60 بالمائة من مساحة الضفة الغربية - للفلسطينيين في نهاية المطاف، ولكن خطة السلام انهارت، وحالة سوسيا المزدوجة تبرز القوانين المنفصلة التي تحكم اليهود والفلسطينيين الذين يعيشون في المنطقة (ج).

ويعتبر هذا الجزء من الضفة الغربية موطناً لما بين 150,000 و300,000 فلسطيني، وهو ذو أهمية خاصة لليمينيين الإسرائيليين، لأنه يضم جميع المستوطنات الإسرائيلية التي يسكنها 355,000 نسمة، ولكنها تعتبر غير قانونية من قبل الأمم المتحدة.

وبموجب القانون الإسرائيلي المطبق في المنطقة (ج)، يجب أن تتوافق المساكن الإسرائيلية والفلسطينية على حد سواء مع الخطط المصدق عليها. وتخضع تلك المنطقة لقانون التخطيط الأردني لعام 1966، ولكن اعتباراً من عام 1971، أصدر الجيش الإسرائيلي سلسلة من الأوامر التي ألغت المشاركة المحلية للفلسطينيين في التخطيط، وشكل "لجان التخطيط الخاصة" لخدمة المستوطنين، وبالتالي أنشأ بشكل فعال نظامين - أحدهما للفلسطينيين والآخر للإسرائيليين.

وبالنسبة للفلسطينيين، هذا يعني أنه من الصعب للغاية الحصول على تصريح بناء، وبالتالي فإنهم يتصلون بشبكات الكهرباء أو الماء دون الحصول على تصريح، وغالباً بطريقة عشوائية. وأكدت منظمة العفو الدولية في الآونة الأخيرة أن نظام التخطيط المزدوج "قد أدى إلى عقود من انتهاكات حقوق الإنسان".

وقد اقترح نفتالي بينيت، زعيم الحزب اليميني البيت اليهودي، أن تقوم إسرائيل بضم المنطقة (ج)، التي يقدر أن عدد الفلسطينيين المقيمين بها بـ 50,000 شخص فقط. وسيتبع ذلك أن تضم إسرائيل المنطقة بأسرها وتجبر الفلسطينيين على قبول الجنسية الإسرائيلية والحكم الإسرائيلي أو مغادرة البلاد.

على الحافة

قد تكون النتيجة بالنسبة لقرية سوسيا هي الدمار، ولن تكون هذه هي المرة الأولى. فقد تم طرد القرويين في ثمانينيات القرن الماضي - من الكهوف التي كانوا يعيشون فيها حينذاك - لإفساح المجال أمام التنقيب عن الآثار في موقع تاريخي يهودي قديم. وفي الكهف الذي ولد به نواجا، يشاهد الزوار مقطع فيديو عن التاريخ اليهودي لتلك المنطقة.

ومنذ ذلك الحين، تم نقلهم وشاهدوا منازلهم تُدمر عدة مرات - وتم إصدار نحو 70 أمر هدم بحقهم.


حتى هدم المباني التي تعتبر غير قانونية يستند إلى معايير مزدوجة لأن عدد المنازل الفلسطينية المدمرة يصل إلى ضعف عدد المنازل اليهودية

وبمساعدة عدة منظمات غير ربحية، بما في ذلك مجموعة إسرائيلية تسمى حاخامات من أجل حقوق الإنسان، قدمت القرية خطة رئيسية إلى سلطة الإدارة المدنية، على أمل البناء على الأراضي التي يمتلكونها، ولكن طلبهم قوبل بالرفض، والقضية الآن قيد الاستئناف في المحكمة العليا. وحتى صدور حكم الاستئناف، عادة ما يصدر أمر قضائي مؤقت بوقف عملية الهدم. ولكن في أواخر أبريل، لم يصدر القاضي - وهو أحد المستوطنين - أي أمر من هذا القبيل.

وتجدر الإشارة إلى أنه حتى هدم المباني التي تعتبر غير قانونية يستند إلى معايير مزدوجة. فوفقاً للأرقام الحكومية التي حصل عليها الباحث والناشط درور اتكس بموجب قانون حرية المعلومات، أصدرت الدولة تاريخياً14,782 أمر هدم لمبان فلسطينية و7,091 أمر هدم لمبان يهودية.

كما أن السلطات تهدم المباني الفلسطينية التي تعتبر غير قانونية بأكثر من ضعف معدل هدم المباني اليهودية ذات الوضع القانوني المماثل، مثل البؤر الاستيطانية –إذ يتم هدم 14.2 بالمائة من المباني الفلسطينية التي صدرت لها أوامر هدم، مقابل 6.5 بالمائة فقط من المباني اليهودية.

وقد رفض مكتب تنسيق الأنشطة الحكومية إجراء مقابلة كاملة، ولكنه قدم لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بياناً قال فيه: "إن الحالة الراهنة تشير إلى مجموعة من المنازل غير القانونية، بجانب موقع سوسيا الأثري، والتي توسعت على مر السنين ... على الرغم من أوامر وقف البناء التي تم تسليمها إلى المباني في ذلك الموقع. ويمثل هذا انتهاكاً واضحاً للأوامر المؤقتة التي صدرت خلال الجلسات التي عُقدت حول هذه القضية في المحكمة العليا".

من جانبه، قال نواجا أن "قصة سوسيا هي قصة المنطقة (ج)". وهو يعتقد أنها قصة تم تجاهلها إلى حد كبير. "إن العالم يتحدث عن حقوق الإنسان، ولكنه لا يتحدث أبداً عن حقنا في مجرد العيش هنا".

وقد لجأت منظمات غير حكومية عديدة إلى المحكمة العليا للطعن في نظام تخطيط المنطقة (ج) نفسه. ولا تزال تلك القضايا محل دراسة، ولكن دون أمل كبير في تغيير الوضع.

والجدير بالذكر أن القرويين في سوسيا ينامون داخل مركز التضامن ليلاً خشية قدوم الجيش. وقد زرعوا حدائق زهور وأعشاب متواضعة، مما يدل على أنهم مستعدون لنضال طويل الأجل.

يشعر نواجا بالإحباط ولكنه لن يتراجع. وخلال المعركة القانونية، اقترحت الدولة على القرويين الانتقال إلى مكان على حدود المنطقة (أ)، لكن القرويين في سوسيا لا يرغبون في ترك أراضيهم، وسوف يستمرون في الكفاح.

وقال نواجا وهو يهز رأسه: "لست أدري. يوجد هنا قانونان، أحدهما للمستوطنين والآخر للفلسطينيين، ولكننا جميعاً نعيش في نفس المكان".

as/jd-ag-ais/dvh"