قصة نجاة صبيين من الروهينجا بأعجوبة

كان مونغ زاو لين يتسوق في السوق عندما اقترب منه رجل مجهول وقدم له اقتراحاً مقنعاً: عرض عليه أن يأخذه من مخيم النازحين الذي يقيم فيه على الساحل الغربي لميانمار إلى ماليزيا، حيث يمكنه العثور على عمل.

ومثل الآلاف غيره من أقلية الروهينجا العرقية، رحب مونغ زاو لين وصديقه، مونغ تين شوي، بهذه الفرصة للهروب من البؤس السائد في مخيم ساي ثا مار جيي، والظروف المشابهة للفصل العنصري التي يعيشون تحت وطأتها في ولاية راخين.

وقال مونغ تين شوي: أبلغنا المتاجرون بالبشر أنه لن يكون لدينا ما يدعو للقلق. وقالوا أنه بمجرد أن نصل إلى ماليزيا، سيؤمنون لنا وضع اللجوء، وسنتمكن من العمل في أحد المصانع".

وتجدر الإشارة إلى أن الروهينجا هي أقلية عرقية تعتنق الدين الإسلامي في بلد ذي أغلبية بوذية، ولا يزال ما يقرب من 140,000 روهينجي يعيشون في مخيمات، بعد أن نزحوا جراء العنف الطائفي في عام 2012 الذي أدى إلى مقتل أكثر من 200 شخص.

انظر: الروهينجا في ميانمار... ما دلالة هذا الاسم؟

ويعيش معظم الباقين من ما يقرب من مليون شخص من عرقية الروهينجا في أماكن أخرى في ولاية راخين، حيث فُرضت قيود شديدة على تحركاتهم ولا يحصلون إلا على قدر قليل من الرعاية الصحية أو التعليم.

وتصف حكومة ميانمار والعديد من مواطنيها الروهينجا بأنهم "بنغاليون"، مما يعني أنهم مهاجرون غير شرعيين من دولة بنجلاديش المجاورة، على الرغم من أنهم عاشوا في ميانمار لعدة أجيال، والغالبية العظمى منهم ليست لديه جنسية.

وعلى الرغم من أن الروهينجا يفرون من ميانمار منذ سنوات عديدة، فقد اكتسبت هذه القضية أهمية في الآونة الأخيرة بعد الاكتشاف المروع لأكثر من 100 مقبرة على جانبي الحدود بين ماليزيا وتايلاند.

انظر: الفصل القسري: الحياة داخل مخيمات الروهينجا والبوذيين في ميانمار

ومن المعتقد أن الجثث المستخرجة من تلك المقابر تخص ضحايا المتاجرين بالبشر الذين يقومون بإغراء الروهينجا والبنغاليين بالسفر على متن قوارب ويعدون بتوصيلهم إلى ماليزيا أو إندونيسيا، ولكنهم يحتجزونهم كرهائن في مخيمات بالغابات من أجل ابتزاز أسرهم لدفع المزيد من المال.

وقد تسببت الحملة الأمنية على المخيمات في أزمة في عرض البحر، حيث رفض مهربو البشر الرسو على الشواطئ، وفي كثير من الحالات تخلوا عن القوارب وتركوا ضحاياهم ينجرفون على غير هدى ولم يكن لديهم سوى كميات قليلة من الطعام والماء.

وبعد إبعاد القوارب عن مياههما الإقليمية في البداية، وافقت ماليزيا وإندونيسيا على قبول اللاجئين شريطة أن يتم توطينهم في أماكن أخرى في غضون عام. وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، لا يزال أكثر من2,500 شخص على متن قوارب تنجرف على غير هدى في بحر أندامان وخليج البنغال.

انظر: ما الأسباب الكامنة وراء أزمة المهاجرين في جنوب شرق آسيا؟

من جانبها، أعلنت ميانمار يوم الجمعة أن قواتها البحرية عثرت على قارب يحمل 727 "بنغالياً" - وهو تعبير ينطبق على كل من الروهينجا ورعايا بنجلاديش - وستقطره إلى قاعدة بحرية حيث سيتم التحقق من جنسيات من كانوا على متنه. كما عثرت ميانمار على قارب آخر قبل ذلك بأسبوع وقالت أنه كان يحمل 200 شخص من بنجلاديش.

الهروب بأعجوبة


نجا مونغ زاو لين، البالغ من العمر 15 عاماً، ومونغ تين شوي، البالغ من العمر 17 عاماً، بأعجوبة من مصير الآخرين الذين تقطعت بهم السبل في عرض البحر أو زُج بهم في سجون في الغابات.

ونظراً لتعطل شبكاتهم، لجأ المتاجرون بالبشر لاحتجاز ضحاياهم محلياً مقابل فدية، وطلبوا من أسرهم 200 دولار تقريباً لإطلاق سراح ذويهم الذين يُحتجزون عادة في قوارب كبيرة متمركزة بالقرب من الشاطئ.

رحل الولدان في قارب صغير من شاطئ بالقرب من سيتوي، عاصمة الولاية، إلى قرية تبعد بضع ساعات باتجاه الشرق، بالقرب من بلدة بوكتاو. وعندما وصلا، أدركا أنهما وقعا ضحية احتيال.

وقال مونغ تين شوي: "رأينا الأطفال الآخرين الذين تم اختطافهم من قبل المهربين عندما وصلنا إلى بوكتاو".

وبحلول ذلك الوقت، كانت أنباء عن محنة الصبيين قد وصلت إلى مخيم ساي ثا مار جيي، وسافر أبواهما إلى بوكتاو للتفاوض مع المهربين. وبعد دفع مبلغ 130,000 كيات (حوالي 120 دولاراً) لكل منهما، تم الإفراج عنهما.

وقال كياو هلا، وهو رجل أعمال من عرقية الروهينجا، أنه تمكن من شراء حرية 49 آخرين من الضحايا كانوا محتجزين في القوارب التي يسيطر عليها رجل من الروهينجا قال أنه يعرفه، لأنه كان قد استأجر منه منزلاً قبل ست سنوات.

كما أخبر آخرون في ساي ثا مار جيي شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن أفراداً من الروهينجا يديرون شبكات التهريب والاتجار بالبشر.


لحسن الحظ، دفع كياو هلا نقوداً لإطلاق سراحنا. لقد ظننت أنني سأموت

وقال أحد الأشخاص الذين تم إنقاذهم ويدعى محمد حسين أنه قضى ست أسابيع في عرض البحر مع 29 روهينجي آخر ونحو 350 شخصاً من بنجلاديش. كانوا يحصلون على كمية قليلة من الأرز وقطعتين من الفلفل الحار مرتين في اليوم، إلى جانب كوبين صغيرين من الماء المالح.

"لم يكن هذا كافياً،" كما أفاد محمد حسين البالغ من العمر 20 عاماً، مشيراً إلى أن خاطفيهم كانوا يعتدون عليهم بالضرب كلما ظهرت سفينة تابعة لبحرية ميانمار لثنيهم عن محاولة الهرب أو طلب المساعدة.

وفي 15 مايو، وصل قارب صغير لإنقاذه هو والأفراد الآخرين من عرقية الروهينجا.

وقال محمد حسين: "لحسن الحظ، دفع كياو هلا نقوداً لإطلاق سراحنا. لقد ظننت أنني سأموت،" لكنه لا يعرف ماذا حدث للبنغاليين الذين كانوا على متن القارب.


الاستجابة الإقليمية

وقد التقى أعضاء رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) مع ممثلين عن الأمم المتحدة وغيرها من الوكالات يوم الجمعة في العاصمة التايلاندية بانكوك لمناقشة هذه الأزمة. وقرر المشاركون، من بين تدابير أخرى، تكثيف مهام البحث والإنقاذ لنجدة الأشخاص الذين لا يزالون في عرض البحر، وإنشاء فريق عمل مشترك بين الدول الأكثر تضرراً بغرض مكافحة "العصابات الإجرامية المنظمة العابرة للحدود"، كما أكدوا في بيان لهم.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قال زاو هتاي، وهو مسؤول رفيع المستوى في مكتب الرئيس ثين سين: "نحن نسعى لتدمير شبكات الاتجار بالبشر بالتعاون مع الدول المجاورة والمجتمع الدولي".

وتعهد المشاركون أيضاً بمعالجة الأسباب الجذرية للأزمة، وركزوا على التنمية الاقتصادية في المجتمعات المتضررة "وتعزيز الاحترام الكامل لحقوق الإنسان وحصول الناس على الحقوق والخدمات الأساسية، مثل السكن والتعليم والرعاية الصحية".

وفي السياق نفسه، قال فيل روبرتسون، نائب مدير منظمة هيومن رايتس ووتش في قارة آسيا، أن الحكومات حققت تقدماً جيداً فيما يتعلق بالشواغل الإنسانية العاجلة ومساعدة للاجئين.

لكنه قال أنها أخفقت في معالجة الأسباب الجذرية للهجرة من ولاية راخين في ميانمار، لأنها فشلت في ادراج "إشارة محددة إلى الحق في التنقل، وسبل العيش، والجنسية" التي من شأنها أن تسمح لمجتمع الروهينجا بالاستفادة من الفرص الاقتصادية.

وأكد قائلاً: "في حقيقة الأمر، تشبه التنمية في ولاية راخين، بدون ضمانات صريحة للحقوق، الضوضاء التي يحدثها التصفيق بيد واحدة، أي لا شيء على الإطلاق".

ab/jf/ag-ais/dvh

"