الحالة التي تكشف كيل الأردن بمكيالين في إجراءات الترحيل

ذهبت رحلة وائل السهلي في الاتجاه المعاكس بسرعة كبيرة. عاش هذا الفلسطيني البالغ من العمر 40 عاماً والقادم من سوريا بشكل غير قانوني في الأردن لثلاث سنوات بعد أن فر من الحرب الأهلية السورية وقرر بعد ذلك السفر مع ابنه منتصر البالغ من العمر تسع سنوات إلى أوروبا.

حجز رحلة جوية إلى السودان، حيث كان سينضم إلى آلاف الأشخاص الذين يقطعون الرحلة الغادرة كل عام عبر الصحراء على أمل الركوب على متن قارب متجه إلى أوروبا، ولكن عند وصوله إلى السودان، كانت هناك مشكلة في تأشيرة دخوله، فأرسلوه هو وابنه إلى الإمارات العربية المتحدة مرة أخرى، حيث أمضى أسبوعين عالقاً في مطار دبي. وفي مشاهد تعيد إلى الأذهان فيلم توم هانكس صالة المطار" (The Terminal)، كان الاثنان ينامان على المقاعد ويغتسلان في المراحيض العامة.

ولكن الأسوأ لم يكن قد حدث بعد. فقد قامت الحكومة الإماراتية بترحيله إلى الأردن، حيث احتجزه جهاز المخابرات لأكثر من أسبوع وقام باستجوابه بشكل يومي، وفي نهاية المطاف قرر إعادته إلى سوريا.

وكان السهلي في الأسبوع الماضي على بُعد ساعات فقط من ترحيله إلى الدولة التي مزقتها الحرب، حيث يقول أقاربه أنه كان سيعتقل من قبل الشرطة السرية الوحشية في سوريا. وكانت لديه أسباب تستدعي الخوف، ففي عام 2012، قضى شهراً في السجن لأنه قدم الرعاية الطبية للمصابين في مخيم اليرموك، وهو مخيم سكني للفلسطينيين يقع في ضواحي العاصمة السورية دمشق.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال شقيقه ثائر السهلي: "إنه أمر خطير جداً بالنسبة له لأنه مطلوب. إنه يريد البقاء مع أسرته في مكان آمن".

وبعد ضغوط دولية، بما في ذلك نداء من الأمم المتحدة، أُعطي السهلي مهلة مؤقتة للبقاء في الأردن لمدة أسبوع، ولكنه لا يزال يواجه الطرد يوم الخميس، إذا لم يتمكن من العثور على بلد آخر يقبله، وفقاً لثائر. وقد سلطت هذه القضية الضوء على سياسة الترحيل القسري التي يتبعها الأردن ضد الفلسطينيين القادمين من سوريا وإعادتهم إلى البلاد التي مزقتها الحرب.

وحتى شهر نوفمبر الماضي، كانت هناك مزاعم بأن الأردن يقوم بشكل روتيني بترحيل اللاجئين السوريين الذين يخالفون القانون مرة أخرى إلى سوريا. وشمل ذلك الأشخاص الذين تم ضبطهم يعملون بدون تصريح، على الرغم من أن الحصول على تصريح عمل يتطلب من اللاجئ إنهاء وضعه كطالب لجوء ودفع ما يصل إلى 300 دينار أردني (423 دولاراً) - وهي رسوم لا يستطيع تحملها إلا القليل من اللاجئين.

وساعد تقرير إدانة أصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش في الحد من هذه العملية، حيث يتم إرسال معظم السوريين الآن إلى مخيم الأزرق للاجئين في الأردن بدلاً من ترحيلهم. ولكن هذا لا ينطبق على الفلسطينيين، الذين لا يبدو أن عمليات ترحيلهم قد توقفت.

وقد منع الأردن دخول اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في سوريا منذ يناير 2013، على الرغم من أن هذه كانت بالفعل السياسة غير الرسمية المتبعة لعدة أشهر قبل الإعلان الرسمي عنها.

"يجب أن يظلوا في سوريا حتى نهاية الأزمة،" كما قال رئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور في حديث في ذلك الوقت مع صحيفة الحياة.

مع ذلك، تم تهريب الكثير من الأشخاص الفارين من الحرب الأهلية في سوريا عبر الحدود، وتم اعتقال الفلسطينيين الذين دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية وغالباً ما تم ترحيلهم إلى سوريا.

وأفادت مصادر مطلعة على هذه القضايا أنه قد تم ترحيل 42 فلسطينياً قادمين من سوريا قسراً على الأقل هذا العام، بالإضافة إلى 117 في عام 2014. وتقول جماعات حقوق الإنسان أن المبعدين معرضون بشدة لخطر الاعتقال والتعذيب.

وتشعر ليندا الكلش، مديرة مركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، بالقلق حول عملية احتجاز كل من الفلسطينيين والسوريين في الأردن.

"[عندما يتم القبض عليهم] لا يتم إجراء أي تحقيق في ما يمكن أن يكون قد حدث. سوف يعتقلون الناس إذا وجدوا أنهم لا يملكون الأوراق الصحيحة، ويتم إصدار قرار اعتقالهم تلقائياً من قبل مكتب المحافظ. ولم ينجح سوى طعن واحد فقط ضد الاعتقال واستغرق ذلك ثلاث سنوات،" كما أفادت.

والجدير بالذكر أن الأردن ليس طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951، ولكن مناصري هذه الاتفاقية يقولون أنها تنطبق على جميع الدول. ولكن الأردن صدق على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب الصادرة في عام 1984، والتي تحظر إعادة اللاجئين إذا كانوا يواجهون خطر التعرض للإيذاء.

وفضل الديوان الملكي، وهو الهيئة الإدارية التي تعمل كحلقة الوصل الرئيسية بين الملك عبد الله الثاني والحكومة الأردنية والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، التزام الصمت إزاء هذه المسألة. وأخبر أحد المسؤولين شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الديوان الملكي لا يعرف شيئاً عن شؤون المخابرات". ولم نتمكن من التحدث إلى أحد مسؤولي وزارة الداخلية.

ولا يُسمح للفلسطينيين القادمين من سوريا بتسجيل أسمائهم لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أجل تلقي المساعدات، ويقول كثيرون أنهم لا يستطيعون الاتصال بالمنظمات غير الحكومية الأخرى خوفاً من اكتشاف أمرهم وتجريدهم من جنسيتهم وترحيلهم. ولا تعمل منظمات إنسانية عديدة معهم أو تمثلهم، مما يجعلهم عرضة للاستغلال في سوق العمل غير الرسمي.

في المقابل، قامت بلدان أخرى في الشرق الأوسط، من بينها لبنان، فعلياً بحظر دخول الفلسطينيين القادمين من سوريا.

من جانبه، وصف نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومن رايتس ووتش، الأوضاع التي يواجهها الفلسطينيون القادمون من سوريا بأنها "كئيبة للغاية".

كما أن الظروف المعيشية في مخيم اليرموك فظيعة. فقد كان أكثر من 100,000 لاجئ يعيشون هناك قبل الحرب. ومنذ استيلاء ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية على جزء من هذه المنطقة السكنية الضخمة في شهر أبريل، فر الكثيرون من سكانها، ولكن لا يزال 18,000 شخص محاصرين بداخلها.

"في حين يتحدث الجميع عن اليرموك الذي يتعرض لتهديد تنظيم داعش، هناك أشخاص من اليرموك تقطعت بهم السبل في المطارات، أو أصبحوا عالقين في المناطق الحدودية، وغير قادرين على التحرك. كان هناك كثير من الاهتمام ولكن لم يترجم ذلك إلى مخاوف ملموسة على سكان اليرموك،" كما أشار نديم حوري.

وفي سياق متصل، قالت خير النساء ضالع، وهي باحثة ومستشارة في قضايا اللاجئين لدى منظمة العفو الدولية: "على الرغم من أن تدفق اللاجئين من سوريا وضع الأردن ودول أخرى في المنطقة تحت ضغط هائل، ولكن ليس هناك عذر للتخلي عن اللاجئين الفلسطينيين الذين ينشدون السلامة والأمن في الأردن".

وأضافت قائلة: "يجب على المجتمع الدولي أن يدعم الأردن في استضافة اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا. وينبغي عليه أيضاً زيادة عدد الأماكن المتاحة لإعادة توطين اللاجئين الضعفاء القادمين من سوريا، بما في ذلك اللاجئين الفلسطينيين".

ماذا سيحدث للسهلي الآن؟ تحمل زوجته جواز سفر أردني، ولكن ذلك لا يمنحه أو أبناءهما حق البقاء في الأردن دون تصريح إقامة. وقال شقيقه ثائر أنه حصل على مهلة حتى يوم الخميس لإيجاد دولة أوروبية تقبله، وإلا ستنفذ السلطات الأردنية تهديدها بإرساله إلى سوريا.

وأكد حوري أن "هذه القضية تثير القلق لأنه اضطر أولاً لقضاء كل هذا الوقت في المطار، عالقاً مع طفل يبلغ من العمر تسع سنوات، وحقيقة أن الأردنيين كادوا يرحلونه، والآن لا أحد يريد أن يقبله. هذا رجل لم يرتكب أي جريمة. لديه أسرة ويريد فقط أن يعيش في مكان يشعر فيه هو وأسرته بالأمان".

وتحاول جماعات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية جاهدة إيجاد دولة جديدة لأسرة السهلي لكي يستقر فيها. وقال ثائر أن ألمانيا عرضت عليه الحصول على تأشيرة دخول بالفعل، ولكن المسؤولين في السفارة الألمانية في عمّان قالوا أن لا معلومات لديهم حول هذا الموضوع.

وأضاف ثائر قائلاً: "إنها ليست مجرد حالة وائل وأسرته. إنها قضية كل الفلسطينيين القادمين من سوريا. إنهم ينشدون السلامة والأمن والسلام ومكان يعيشون فيه. وهم معرضون لخطر كبير في الوقت الحالي ... لا يوجد من يساعدنا ولا وجود يذكر لروح الكرم والسخاء".

bf/jd/ag-ais/dvh"