أزمة الهوية تفاقم مآسي الناجين من زلزال نيبال

قامت منتو غيل بكل ما يمكن أن تقوم به أي أم عندما ضرب الزلزال قرية ميلونغ في نيبال في 25 أبريل: انتشلت أطفالها إلى خارج المنزل بأسرع ما يمكن.

نجت غيل وأطفالها بأعجوبة بينما جرف الانهيار الأرضي الناجم عن الزلزال الذي بلغت قوته 7.8 ريختر الكثيرين من أهل قريتها التي توجد في مكان قصي تحت سفح تلة في منطقة روساوا شرقي نيبال. وهكذا دُفن العشرات من جيرانها في الوحل والأنقاض، من بين أكثر من 8,400 نيبالي لقوا مصرعهم في هذه الكارثة.

والآن وعقب مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على الكارثة، تسكن غيل في خيمة من القماش المشمع في مخيم للنازحين في مقاطعة نواكوت، التي تبعد نحو ثلاثة أيام سيراً على الأقدام من ميلونغ. ولم يتبق لدى غيل من حياتها السابقة سوى القليل إضافة إلى الملابس التي كانت ترتديها هي وأولادها وقت وقوع الزلزال، إذ كان من المستحيل إنقاذ أي شيء من تحت أنقاض منزلها.

وعن وضعها، قالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): إذا كان من شيء آخر أرغب في الحصول عليه فهو بطاقة هويتي الوطنية لأني أعرف مدى أهمية هذه الورقة...ولكن بيتي عبارة عن كومة كبيرة من الأنقاض، ولم أستطع أبداً العثور عليها وسط هذه الكومة".

هوية مفقودة

وتعد بطاقة الهوية في نيبال الوثيقة الرئيسية التي يعتمد عليها الشخص في الحصول على جميع حقوقه كمواطن. ومن دونها لا يمكن تسجيل المولود، أو تقديم طلب لتغيير العنوان، أو شراء أو بيع الممتلكات، أو الحصول على جواز سفر أو رخصة قيادة، أو أداء الامتحانات، أو فتح حساب مصرفي، أو الحصول على بطاقة للهاتف المحمول. وقد أفاد سوشما غوتام، وهو محام في منتدى المرأة والقانون والتنمية، وهي منظمة غير حكومية نيبالية تعمل في مجال حقوق المواطنة أن "[بطاقات] تحديد الهوية ضرورية في الحصول على الخدمات، فهي حقاً الوثيقة الأساسية اللازمة لاستخراج الوثائق الأخرى".

في كل مرة تذهب فيها غيل للحصول على حصتها الغذائية وإمدادات الإغاثة، يتم تذكيرها بافتقارها لما يثبت هويتها كمواطنة. وبالتالي تحتاج إلى من تبقى من أفراد القرية على قيد الحياة ليشهدوا أنها من ميلونغ ومن ثم تستحق المعونة. والأمر لا يقتصر على كونه مهيناً فقط، بل يثير مخاوفها مما سيحدث على المدى الطويل.

وفي المناطق الريفية في نيبال، يتم حفظ سجلات معظم الناس في مكاتب "لجنة تنمية القرية". وتعتمد وزارة الشؤون الاتحادية والتنمية المحلية على تلك الملفات الورقية في إصدار خطابات التحقق للناجين الذين فقدوا هوياتهم.

ولكن الزلزال دمر 99 مكتباً للجنة تنمية القرية تماماً وألحق أضراراً جزئية بـ 102 آخرين، وفقاً لوزارة الشؤون الاتحادية. وطال الضرر أيضاً مكاتب البلدية، الوحدة الإدارية الأساسية في نيبال التي تلي مكاتب لجان تنمية القرية.

وحول الأثار التي خلفها الزلزال، قالت غيل: "لا يوجد شيء في قريتي، فقد انهارت المنازل، ولم يخرج مبنى حكومي سالماً، ولن يحاول أحد البحث عن سجلاتنا هناك".

وفي مكتب مظلم ضيق في العاصمة كاتماندو، تنتظر سوشيلا باسنت لمقابلة سكرتيرة مكتب البلدية. ومنذ زلزال 25 أبريل، ذهبت باسنت قرابة ست مرات إلى مكتب البلدية.

وقد عاشت في منزل مستأجر لمدة 32 عاماً، لكنه انهار جراء الزلزال. وتروي باسنيت ما حدث لها قائلة: "فقدت كل شيء في دقائق معدودة"، بما في ذلك الإثبات البالغ الأهمية الذي يفيد بأنني كنت من المقيمين في المنطقة.

من أنت؟

ونظراً لمنعها من الحصول على المساعدات دون إظهار ما يثبت إقامتها في تلك المنطقة، تحاول باسنيت جاهدة الحصول على خطاب تحقق من مكتب البلدية. وأوضحت قائلة: "أحتاج إلى رسالة من هنا تفيد بأنني كنت من الذين يقيمون في هذا الحي، وأن منزلي قد دمر".


لكن الموظفين في مكتب البلدية أخبروها بأنهم لا يتمتعون بسلطة إصدار مثل تلك الرسالة، ولا تعرف باسنت إلى من تلجأ بعد ذلك.

وأصبح هذا التحدي الإداري أكثر إلحاحاً بعد أن وافقت الحكومة على منح كل فرد من ضحايا الزلزال 150 دولار لبناء ملاجئ مؤقتة قبل وصول الرياح الموسمية في الأسابيع القليلة القادمة. ومنذ الإعلان عن هذه المنحة، ارتفع عدد الأشخاص الذين يحاولون الحصول على وثائق التحقق، حسبما يقول المسؤولون.

وفي هذا الصدد، قال بورنا شاندرا بهاتاراي، سكرتير وزارة الشؤون الاتحادية والتنمية المحلية أن "التحقق من الناجين من الزلزال هو أحد الجوانب الأكثر تحدياً لأعمال الإغاثة، نظراً لأن أوراق العديد من الناجين مدفونة تحت الأنقاض".

وفي حين تعمل الوزارة على إصدار بطاقات هوية مؤقتة، تعمل المنظمات غير الحكومية في الوقت نفسه على مساعدة المواطنين خلال المتاهة الإدارية لتسهيل عملية التقدم للحصول على الأوراق الرسمية المفقودة.

يجوب بابو راجا شاكيا وفريقه من المركز القانوني للإغاثة في حالات الكوارث، التي أنشأتها كلية القانون في كاتماندو، جميع أنحاء المدينة لمساعدة الناس في ملء الاستمارات، والحصول على توصيات من مكاتب البلدية.

إعادة بناء السجلات الورقية

وقال شاكياً أن "إعادة بناء حياتهم من خلال الأوراق القانونية هي عملية شاقة لأننا نعتقد أن جميع السجلات الورقية قد اختفت مع وقوع الزلزال"...ولكن هناك دائماً نسخة هنا أو هناك، في المدرسة، أو في مكتب تنمية القرية، يمكن أن يعثر عليها الشخص ويبدأ في البناء من هناك".

ويعتقد غوتام من وزارة الشؤون الاتحادية والتنمية المحلية أن هذه العملية ليست سهلة بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في المناطق الريفية الذين يعتمدون على مكاتب تنمية القرية التي تتسم ببطء الإجراءات الورقية، ومن المستبعد جداً أن تكون تلك المكاتب قد قامت بتصوير الوثائق الأصلية واحتفظت بنسخ منها.

وأضاف غوتام قائلاً: "حتى قبل وقوع الزلزال، وبسبب عدم وجود ممثلين محليين، كانت مكاتب تنمية القرية تواجه صعوبات فعلية في توفير الخدمات الأساسية".

والجدير بالذكر أن نيبال لم تجر أي انتخابات محلية منذ 17 عاماً، والمسؤولون المحليون هم مجرد موظفين بيروقراطيين. وقد أوضح غوتام ذلك بقوله: "هؤلاء البيروقراطيون المعينون... لا يعرفون السكان المحليين ولا يخضعون للمساءلة".

وتشارك غيل خيمتها في المخيم في ونواكوت مع ريزنج جيالمو وأسرتها، الذين اضطروا لمغادرة ميلونغ أيضاً وفقدوا بالمثل كل شيء جرّاء الزلزال.

وقالت غيل: "بعد ظهر ذلك اليوم، لم أفقد بيتي وممتلكاتي ومجوهراتي فقط، بل فقدت هويتي أيضاً، ولا أعرف كيف سأحصل عليها مرة أخرى".

ma/oa/rh-kab/dvh"