قراءة في أفكار بن لادن حول المساعدات الإنسانية

أفرجت الحكومة الأميركية الأربعاء الماضي عن دفعة من الوثائق التي رُفعت عنها السرية وتكشف عن بعض الأفكار غير المعروفة لأسامة بن لادن، بما في ذلك تلك المتعلقة بتغير المناخ والمساعدات الإنسانية.

وقد قوبلت آراؤه حول العمل الإنساني بدرجة لا بأس بها من السخرية، إذ أن قليلين ينتظرون المشورة بشأن الرحمة من الرجل الذي دبر هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي أسفرت عن مقتل أكثر من 3,000 شخص في نيويورك.

ولكن بالنسبة للمنظمات الإنسانية التي تسعى إلى تقديم المساعدات للمحتاجين في المناطق التي يسيطر عليها ناشطون إسلاميون، ثمة دروس يمكن تعلمها.

1- حتى الإسلاميون المتشددون يعترفون بأهمية المساعدات الإنسانية


النزعة الإنسانية جزء لا يتجزأ من القوانين والتعاليم الإسلامية، إذ يعد إخراج الصدقات سنوياً واجباً دينياً، كما يعطي القرآن المحتاجين الحق في الحصول على المساعدات.

وتعكس كتابات بن لادن هذا الفهم، إذ تشير وثيقة غير مؤرخة، ربما صيغت عقب فيضانات باكستان عام 2010، إلى أن الزعيم السابق لتنظيم "القاعدة" لم يكن معادياً للمساعدات الإنسانية، بل إنه في الواقع، شدد على أهميتها. وفي حين أنه اعتبر أن الاعتقاد "العلماني" بإمكانية منع الكوارث ما هو إلا عجرفة (لأنه يعتقد بأن الكوارث هي مشيئة الله)، فقد وصف جهود الإغاثة بأنها غير كافية، وقال أن المساعدات الإنسانية "ستظل مهمة دائماً" وأن هناك حاجة للارتقاء بجودتها وأسلوب تقديمها وتوقيتها.

ويرى بن لادن أن المنظمات الإنسانية دعمت بوضوح جانباً واحداً من الصراع على الرغم من التزاماتها بالحياد. وفي بعض الحالات، قد يتفق القانون الدولي الإنساني معه.

بالنسبة إلى بن لادن، تساند المنظمات الإنسانية بكل وضوح أحد طرفي الصراع دون الآخر - ”فالمجاهدون هم أيضاً ضحايا ولديهم أسر مريضة وجرحى" – وفي هذه الحالة، يتفق القانون الدولي الإنساني معه

وتجدر الإشارة إلى أن بعض علماء المسلمين يدركون أهمية حق الفقراء في الحصول على المساعدة بموجب القانون الإسلامي وأن ذلك يفرض على المقاتلين المسلمين في حالات الصراع تقديم المساعدات الإنسانية بأنفسهم أو السماح للآخرين بالقيام بذلك، ربما من خلال إفساح المجال لتقديم المساعدات الدولية. كما تسمح التعاليم الإسلامية التي تتحدث عن توفير ممر آمن أو ما يعرف باسم "الأمان" لعمال الإغاثة بالتفاوض على تعهدات أمنية في الأراضي التي تسيطر عليها جماعات إسلامية.

ودعا بن لادن إلى إنشاء منظمة إغاثة تتجاوز المساعدة المؤقتة إلى التعامل مع "التداعيات المتكررة والمتنوعة والهائلة الناجمة عن تغير المناخ"، وهو ما تسميه المنظمات الإنسانية بناء "القدرة على الصمود". ولكن على الرغم من أنه لم يقل ذلك صراحة، فإن النغمة السائدة في كافة أجزاء النص الذي كتبه توحي بأن هذه المنظمة قد لا تكون بالضرورة من المسلمين فقط، بل ينبغي أن تفي بمعايير أخرى لتكون شرعية من وجهة نظره.

2- حتى المساعدات المقدمة بواسطة مسلمين ليست محصنة


إدراكاً منها لضرورة الحصول على الشرعية المحلية والقبول، استأجرت العديد من المنظمات الإنسانية العاملة في المناطق التي يتواجد فيها ناشطون إسلاميون موظفين مسلمين يتحدثون لغة أهل البلد ويفهمون الثقافة والديناميات المحلية. ولكن وثائق بن لادن توحي بأنه حتى الموظفين المسلمين يمكن أن يُعاملوا بازدراء وشك.

واستشهد بإحدى الجمعيات الخيرية التي يقع مقرها في لندن "وتسمي نفسها 'إسلامية'" حيث تعمل موظفاتها في باكستان جنباً إلى جنب مع الرجال ويلبسن سراويل ضيقة ويضعن مكياجاً كاملاً واضطرت وفقاً لمعايير الأمم المتحدة إلى توزيع مساعدات إنسانية على غير المسلمين.

وخلص بن لادن إلى أنه "لا يمكن أن تكون مبادئ منظمة الإغاثة تلك إسلامية ولا يمكن أن تكون الخدمات التي تقدمها جيدة للمسلمين".

وهذا يشكل تحدياً للافتراضات المتعلقة بالمنظمات غير الحكومية التي لديها سبل وصول أفضل إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الإسلاميين المسلحين، وفقاً لأشلي جاكسون، الباحثة في معهد التنمية الخارجية.

وقالت جاكسون، التي قامت بالعديد من الدراسات حول المشاركة الإنسانية مع المتشددين الإسلاميين، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "ثمة رأي مشترك يقول أن المنظمات الإسلامية أكثر قبولاً ... لكننا لا نرى في الواقع، الكثير من الأدلة حول صحة هذا الأمر في الصومال أو في أفغانستان، بل القليل وليس الكثير. وربما تخضع تلك المنظمات في الواقع إلى المزيد من التدقيق أو التوقعات المختلفة، وهو ما يتطابق مع تعليقات [بن لادن]".

3- هناك تصور بأن المنظمات الإنسانية متحيزة

يعزا جزء من إحباط بن لادن مع الجمعية الخيرية البريطانية التي لم يكشف عن اسمها، إلى انحيازها إلى المعايير والمبادئ التي اعتبرها متحيزة. وادعى أن المنظمات غير الحكومية تعمل بشكل وثيق للغاية مع الأمم المتحدة إلى درجة تجعلها تفشل في الالتزام بهدفها المعلن المتمثل في الحياد.

وروى بن لادن أنه طلب من الجمعية الخيرية تقديم مساعدات للجرحى من المقاتلين الإسلاميين أو المجاهدين في إقليم وزيرستان في باكستان. لكنه أُبلغ من قبل أحد كبار الموظفين في تلك الجمعية بأن ذلك "شبه مستحيل، لأنهم يخضعون للمراقبة من قبل وكالات الاستخبارات والحكومات، وأنهم من دون اعتراف هذه الجهات بهم وتيسير عملهم، لن يستطيعوا القيام بأي شيء".

وبالنسبة إلى بن لادن، كان هذا دعماً واضحاً لأحد طرفي الصراع دون الآخر - ”فالمجاهدون هم أيضاً ضحايا ولديهم أسر مريضة وجرحى" – وفي هذه الحالة، يتفق القانون الدولي الإنساني معه.

وتعليقاً على هذا، قال جون بات، وهو عالم إسلامي ومنظم مجموعة إيصال المساعدات الإنسانية إلى أفغانستان، وهي اتحاد يضم حوالي 30 منظمة إنسانية دولية: "هذا حق راسخ في القانون الدولي الإنساني – بمجرد أن يُجرح شخص أو يصبح سجيناً، فإنه لم يعد مقاتلاً ويستحق المساعدة الإنسانية". وأضاف: "نحن بحاجة إلى البقاء على الحياد في جميع الأوقات. بمجرد أن يُجرح أي شخص تسقط صفته ]المعادية[. ولا يعود ينتمي إلى أي حزب بل مجرد جريح حرب ويجب التعامل معه على أساس هذه الصفة".

وتتوافق تعليقات بن لادن مع بعض الانتقادات التي سمعها جون بات من جماعات مسلحة أخرى. فقد أرسلت حركة طالبان، على سبيل المثال، خطاباً مفتوحاً إلى الأمم المتحدة في 2012 قالت فيه أن موظفي الحكومة الأفغانية – الذين تعمل معهم الأمم المتحدة عن كثب – لا يمكن اعتبارهم مدنيين أبرياء، بل مشاركين في الصراع.

وقال بات أن وجود تصور بأن المنظمات غير الحكومية تأخذ جانب أحد طرفي الصراع تعوق قدرتها على الوصول إلى مئات الآلاف من الأفغان المحتاجين. وأحد الأمثلة البسيطة على ذلك الاحتجاجات التي شهدتها المستشفيات في إقليم هيلمند في أفغانستان منذ عدة سنوات إثر مزاعم حول قيامها بعلاج مقاتلين تابعين لحركة طالبان.

4- إنها مسألة مصطلحات

في تقييم صريح للمنظمات غير الحكومية الدولية، اتهمها بن لادن بمخاطبة "الخارج".

"العبارات المستخدمة – مثل الدراسات الميدانية... والمشروعات التنموية، والأمن الغذائي وإنشاء شبكات الأنابيب- هي في مجملها تعابير غربية المنشأ، وتنطوي على تفاهمات محددة أو خاصة".

وهذا نقد مشترك للمنظمات غير الحكومية التقليدية: أو كما تقول جاكسون المصطلحات "التخصصية" التي يستخدمها كل قطاع تجعلها تبدو وكأنها واردات غربية. ولكن الأمر في بعض الحالات لا يعدو كونه استخدام المصطلحات الصحيحة.

وقال جون بات، الذي طور منهاجاً للمبادئ الإنسانية يتم تدريسه للمتخرجين من المدارس الإسلامية أو المدارس الدينية في أفغانستان، أن الهدف من هذا المنهج هو أن يشرح للطلاب أن العديد من المبادئ الأساسية للعمل الإنساني موجود في الإسلام بالفعل.

"هذا هو الشيء الرئيسي الذي نقوم به: صياغة المصطلحات الإسلامية التي يتقبلها الناس ويتفهمونها. لذا بدلاً من أن نقول 'نحن مستقلون'، نقول ليست لدينا أي دوافع أخرى عندما نقدم المساعدات الإنسانية... المصطلحات الغربية تُنفّر الناس منها... فعلى سبيل المثال، الإنسانية مصطلح غربي، الناس يتقبلون كلمة "الخيرية" أكثر...".

"وبالتالي، أنت لا تتحدث فقط باللغة التي يتحدث بها الناس، بل المفهوم نفسه".

وتبذل المنظمات الإنسانية جهوداً متنامية لوضع حججها للوصول إلى المدنيين وحمايتهم في سياق إسلامي، حيث تستخدم في بعض الأحيان شخصيات دينية كنقاط اتصال مع الجماعات الإسلامية المسلحة. ولكن التطور في هذا الاتجاه كان بطيئاً لأن البعض يرى أن اللجوء إلى مبررات دينية قد يكون منحدراً خطيراً –يشير على نحو ما إلى أن المبادئ العالمية للقانون الدولي الإنساني غير كافية.

5- قد يكون المسلحون متطرفين، لكنهم ليسوا بالضرورة غير عقلانيين

على الرغم من أن مواقف بن لادن قد لا تكون شعبية، إلا أنها تعكس عملية تبرير دقيقة جداً، بما يتسق والتعاليم الإسلامية. ذلك أن مصداقية موقف الزعيم المسلم حول أي قضية تحدد من قبل المجتمع الإسلامي أو الأمة استناداً إلى الحجج المقدمة لتبرير الحل. حتى داخل المجموعات الجهادية، تجري مناقشات ساخنة ومستفيضة حول السلوك المقبول في الحرب.

من ناحية أخرى، يبدو تفسير بن لادن غير منسجم مع عموم التيار الإسلامي عندما يلمح، على سبيل المثال، إلى أنه لا ينبغي أن يحصل غير المسلمين على المساعدات الإنسانية. ولكن تفسيراته الدينية قد تبدو معتدلة مقارنة بالمواقف التي يتبناها ما يعرف باسم تنظيم "الدولة الإسلامية"، الذي قام الأسبوع الماضي، على سبيل المثال، بطرد منظمات غير حكومية دولية من المناطق التي يسيطر عليها، وفقاً لتقارير غير مؤكدة.

وهذا يصب في صالح المنظمات الإنسانية لأنه يفتح مجالاً للتفاوض. وبناء على ذلك، تستثمر المنظمات الإنسانية جهوداً متزايدة في فهم الشريعة الإسلامية، بما في ذلك زيادة الخبرة الدينية لموظفيها، لكي تكون قادرة على التأثير في عملية صنع القرار للمسلحين.

لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، يرجى الاطلاع على سلسلة مقالات من أربعة أجزاء تقدمها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) حول نقاط التقاطع بين القانون الإسلامي، والجهاديين، والأعراف المتبعة في مجال العمل الإنساني.

jd-ha-kab/dvh