هل تساهم الاتفاقية الجديدة في إحلال السلام في جمهورية أفريقيا الوسطى؟

هل تنجح جمهورية أفريقيا الوسطى أخيراً في طي عقود من عدم الاستقرار والصراع؟

وقعت الجماعات المتمردة والميليشيات اتفاقية سلام جديدة تهدف إلى وضع أعمال العنف المروعة التي ارتكبت في السنوات القليلة الماضية وراء ظهرها.

وكان مقاتلو السيليكا، وهم ائتلاف من مجموعات من المتمردين معظمهم من المسلمين من شمال الدولة، قد استولوا على السلطة في مارس 2013 في حملة أعقبتها عمليات قتل عشوائي واغتصاب ونهب.

وقد دفع وصول المتمردين إلى بانغي، إلى عودة ظهور الميليشيات المعروفة باسم مكافحة-البالاكا وأدّت إلى اشتباكات دامت أشهراً بين الجماعات المتنافسة.

انظر: من هم مكافحة البالاكا في جمهورية أفريقيا الوسطى؟

وأعلن زعيم السيليكا مايكل دجوتوديا عن حل التحالف في سبتمبر 2013. ولكن المقاتلين، الذين أصبحوا يعرفون باسم السيليكا السابقين، انتشروا في الريف، واستمروا في ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق ضد المدنيين.

وتنحى دجوتوديا في شهر يناير التالي لإفساح المجال أمام إدارة مدنية مؤقتة. وتم اختيار عمدة بانغي كاثرين سامبا-لبانزا كشخصية غير حزبية لإدارة شؤون البلد إلى أن يتم عقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في عام 2015.

إنه لأمر جيد أن يتفق السياسيون على التوقيع، ولكن الحقائق على أرض الواقع شيء آخر

وقد أودى العنف بحياة آلاف الأشخاص وما يزال مستمراً في بعض أجزاء من الدولة، مما يحول دون عودة قرابة 900,000 من المدنيين النازحين، داخل جمهورية أفريقيا الوسطى وخارجها، ويتسبب في كارثة إنسانية يتم تجاهلها إلى حد كبير.

وقد أشادت الولايات المتحدة باتفاق نزع السلاح، الذي أبرم خلال منتدى المصالحة الذي استمر لمدة أسبوع في بانغي، واصفة إياه بأنه "التزام بالسلام". ولكن اتفاقات مماثلة قد أخفقت بسرعة في الماضي ولن يكون التنفيذ مباشراً. وفي هذا التقرير نوضح هذه الأسباب:

ما هي الأطراف التي وقعت على الاتفاق وما هي السلطة التي تتمتع بها؟

من بين الجماعات المسلحة الـ 10 التي حضرت المنتدى، هناك مجموعة واحدة فقط لم توقع، وهي الجبهة الديمقراطية للشعب الأفريقي، بقيادة عبد الله مسكين، ولكن هذه قد تكون مجرد عقبة مؤقتة، ولا تعد معوقاً رئيسياً.

وتمثل المجموعات التسع الموقعة كافة الجماعات المسلحة الرئيسية في جمهورية أفريقيا الوسطى، بما في ذلك المجموعات ذات الأغلبية المسلمة التي تشكل تحالف متمردي السيليكا السابقين. ولعل الأهم من ذلك، هو أن منسق وزعيم مكافحة البالاكا، باتريس -إدوارد نجيسونا، قد وقع على هذا الاتفاق.

انظر: الجماعات المسلحة في جمهورية أفريقيا الوسطى

والجدير بالذكر أن معظم الموقعين هم قادة الأجنحة السياسية للمجموعات. وكانت هناك معارضة من أحد قادة المتمردين على الأقل.

وفي هذا الصدد، نقلت بعض وسائل الإعلام أن جوزيف زونديكو، القائد العسكري للتجمع الشعبي لتجديد أفريقيا الوسطى الذي ينتمي إلى متمردي السيليكا السابقين، قد قال عقب مراسم التوقيع: "إنه لأمر جيد أن يتفق السياسيون على التوقيع، ولكن الحقائق على أرض الواقع شيء آخر".

غير أن الزعيم السياسي للتجمع الشعبي لتجديد أفريقيا الوسطى دجينو أهابا، ابن أخ دجوتوديا الزعيم السابق للسيليكا، قد قلل من أهمية تصريحات زونديكو، حيث قال: "بالنسبة لموقف بعض الضباط، فتلك مشكلة سوف تحلها المجموعة. ومن ثم فإن (التجمع الشعبي لتجديد أفريقيا الوسطى) سيظل متمسكاً بعملية السلام".

وتجدر الإشارة إلى أن أهابا قد انضم إلى الحكومة الانتقالية بعد تنحي عمه دجوتوديا من منصبه، لذا فهو أقرب إلى مركز الثقل السياسي في جمهورية أفريقيا الوسطى من القادة الآخرين في مجموعة متمردي السيليكا السابقين.

ويوجد لدى الفصيلين الرئيسيين الآخرين للسيليكا، وهما الجبهة الشعبية لنهضة أفريقيا الوسطى بقيادة الجنرال نور الدين آدم والاتحاد من أجل السلام في جمهورية أفريقيا الوسطى بقيادة الجنرال علي داراسا، المزيد من المقاتلين الأجانب في صفوفهما.

وعلى الرغم من أنهما وقعا على الاتفاق، إلا أنهما قد يكونان أكثر صعوبة في الالتزام بالعملية. وهناك تقارير تفيد بأن أبيل بالينغلي، الموقع عن الجبهة الشعبية لنهضة أفريقيا الوسطى، كان على خلاف شديد مع منسق مكافحة البالاكا نجيسونا قبل بضعة أيام من حفل التوقيع، بينما كان لدى داراسا شكوك بشأن محادثات السلام مع الفصائل الأخرى في الماضي.

لكن من الأمور المشجعة هي أن نجيسونا، الموقع عن مكافحة البالاكا– التي تعتبر من بين القوى الأكثر تدميراً في جمهورية أفريقيا الوسطى خلال العام الماضي – يُعد المنسق الفعال الوحيد لعملياتها.

وقد وطد نجيسونا علاقات أوثق مع المجتمع الدولي في الأشهر الأخيرة. وقال مصدر دبلوماسي أن هناك حفنة فقط من كبار الشخصيات في مكافحة البالاكا يرفضون الاعتراف بقيادته، من بينهم شخص واحد فقط له عدد يُعتد به من الأتباع.

أما الموقعون الأربعة الآخرون فلديهم أتباع محليون أقل عدداً ولا يشكلون خطراً كبيراً على عملية السلام.

ما هي البنود التي تشملها الاتفاقية وتلك التي لا تشملها؟


يجب أن تنهي كافة المجموعات المسلحة الصراع وتتجمع في مواقع متفق عليها "خلال فترة زمنية معقولة" وقبل الانتخابات، المقرر عقدها في شهر يوليو والتي من المحتمل أن تتأخر.

إذا كانت مسلحة، فسوف تبقى في المواقع تحت مراقبة الحكومة وشركائها على أن تشارك في عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والإعادة إلى الوطن (DDRR).

أما إذا كانت غير مسلحة، فسيتم إعادتها إلى مجتمعاتها المحلية وادراجها في خطط التنمية التي تديرها بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى (مينوسكا) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وسيتم إلحاق أي أطفال في المبادرات الخاصة.

ويمكن للمقاتلين السابقين الذين يرغبون في الانضمام إلى الجيش، أو قسم آخر من قوات الأمن، القيام بذلك إذا اجتازوا الاختبارات المحددة التي تؤهلهم لذلك.

والبديل هو إعادة الإدماج في المجتمع، التي تنطوي على "حد أدنى من الدعم" والدمج في برامج تنمية المجتمع المحلي. وسيتم إعادة المقاتلين الأجانب إلى أوطانهم، إذا لم يكونوا قد ارتكبوا أية جرائم.

انظر: كيف هي الحياة بعد التوقف عن القتال في جمهورية أفريقيا الوسطى

وخلافاً لاتفاقات أخرى مماثلة، لا يذكر الاتفاق أي عفو، أو إطلاق لسراح أي سجين أو أي اعتراف برتب ضمن مجموعات المتمردين والميليشيات.

نقاط تحتاج إلى توضيح؟

لم يحدد الاتفاق نوع الأسلحة التي يجب أن يسلمها المقاتل ليكون مؤهلاً لهذه العملية. وفي هذا الصدد، قال دبلوماسي لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه يعتقد أنه يجب أن يكون سلاحاً نارياً، "لأن كل شخص يمتلك ساطوراً"، ولكنه يتوقع أن تعترض بعض الجماعات المسلحة. ومن المرجح أن تشمل الأسلحة النارية المؤهِلة للانضمام للجيش بنادق الصيد التقليدية التي تفضلها مكافحة البالاكا.

يذكر أن قدرة الجيش على الحاق المقاتلين السابقين غير مؤكدة وستعتمد على قانون جديد لم تتم صياغته بعد.

تقاسم السلطة؟

صرح سيباستيان وينيزوي، وهو قائد رفيع المستوى في مكافحة البالاكا، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن مجموعته تشعر بخيبة الأمل من عدم الاتفاق على تعديل وزاري للحكومة في المنتدى. وكانت الحوارات السابقة في جمهورية أفريقيا الوسطى قد قادت إلى عمليات تقاسم للسلطة.

وبالإضافة إلى عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والإعادة إلى الوطن، كانت النتيجة الرئيسية لمنتدى بانغي هي "الميثاق الجمهوري للسلام والمصالحة الوطنية وإعادة الإعمار". ويدعو هذا الميثاق إلى مراجعة الدستور وإنشاء محكمة جنائية خاصة لنظر الفظائع التي ارتكبتها السيليكا ومكافحة البالاكا على حد سواء.

ولا يُعرف بعد كيف سيتم تنفيذ هذه الأمور، لاسيما وأن هذا الاتفاق لا يقدم على ما يبدو أي تنازلات كبرى ترضي طموحات قادة مختلف الجماعات المسلحة.

وقد حذرت مجموعة الأزمات الدولية المشاركين قبل انعقاد المنتدى بأن لا يحذو حذو الحوارات الوطنية التي عقدت في جمهورية أفريقيا الوسطى في عامي 2003 و2008، التي قادت إلى صفقات لتقاسم السلطة قبل الانتخابات ولكنها سرعان ما انهارت.

هل يرغب المحاربون السابقون في التخلي عن سلاحهم؟


الجدير بالذكر أن المعارك بين الجماعات المسلحة قد تراجعت إلى حد كبير في الأشهر الأخيرة وانخفضت مستويات العنف، مما يسهل عودة المقاتلين إلى الحياة المدنية إذا رغبوا بذلك.

وقد اشتكى المقاتلون الذين التقت بهم شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بين شهري أكتوبر ويناير بانتظام من عدم وجود حصص الإعاشة، أو دعم من قادتهم، وقال كثير منهم أنهم يريدون الانضمام إلى الجيش أو الحصول على المزايا التي تقدمها حزمة التسريح.

وقال المقاتلون السابقون الذين لم يحصلوا على حزمة التسريح ولكنهم كانوا يعملون في المزارع أنهم يحصلون على مبالغ أكبر من تلك التي كانوا يتقاضونها عندما كانوا يحرسون حواجز الطرق.

ونسبة كبيرة من السيليكا السابقين هم مقاتلون أجانب من تشاد والسودان. وقد تكون لديهم دوافع أقل للانخراط في هذه العملية.

وربما يكون السبب الذي دفع زونديكو، القائد العسكري للتجمع الشعبي لتجديد أفريقيا الوسطى، للشكوى بصوت صوت أعلى من غيره من قادة المتمردين هو أن مجموعته تتكون أساساً من مقاتلين من أقصى شمال شرق البلاد الذين يسعون لاحتلال منطقة لا يشكلون فيها أغلبية عرقية. ومن ثم فإن هذا الاتفاق قد يجعل المجموعة ضعيفة أمام أمراء الحرب الآخرين.

عدد قوات حفظ السلام مقابل عدد المقاتلين

ترى مجموعة الأزمات الدولية أن وجود قوة مينوسكا لحفظ السلام، التي يبلغ قوامها 10,000 رجل، بالإضافة إلى وحدة فرنسية تقوم بحراسة المطار، لا يزال أمراً حاسماً للسلام في جمهورية أفريقيا الوسطى ولعملية نزع السلاح. ومن المقرر أن يتم تعزيز مينوسكا قريباً بمروحيات قتالية وطائرات بدون طيار، ما يعد مؤشراً على الاحتياجات الأمنية المستمرة.

ويُقدّر خبراء الأمم المتحدة أن عدد المقاتلين الأساسيين في المنطقة يصل إلى قرابة 3,500 مقاتل في صفوف كل من السيليكا السابقين ومكافحة البالاكا. غير أن أحد الدبلوماسيين قد قدر العدد الإجمالي للمقاتلين السابقين الذين قد يشكلون عنصر زعزعة خطير لعملية التسريح ما بين 7,000 و8,000 مقاتل.

ونظراً للغياب شبه التام لقوات الأمن الحكومية، فإن الحفاظ على الأمن في المناطق النائية من البلاد لا يزال مصدر قلق كبير.

وقد أحرزت قوات حفظ السلام الدولية بعض النجاحات الملحوظة خلال الأشهر الأخيرة، الأمر الذي من شأنه أن يساعد في عملية إحلال السلام. وتشمل هذه النجاحات على القاء القبض على رودريج نجيبونا، الذي يعرف أيضاً باسم "أنديلو" الذي يعد أحد قادة مكافحة البالاكا الأكثر قوة وخطورة، وهو منافس لنجيسونا.

إعادة الإدماج تتطلب توفير وظائف

يعتمد نجاح العملية على التمويل الفوري. وفي هذا الصدد، قال مصدر دبلوماسي أن الأموال المطلوبة لإعادة إدماج المقاتلين السابقين في القوات المسلحة متاحة، ولكن لا تزال هناك حاجة لجمع الأموال اللازمة لبقية عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والإعادة إلى الوطن، بما في ذلك إعادة إدماج أولئك الذين لن ينضموا إلى الجيش في المجتمع.

وفي ظل أن الهدف هو توجيه المساعدة المالية نحو المجتمعات بأكملها التي سيتم إعادة إدماج المقاتلين السابقين فيها وليس مجرد "مكافأة" المقاتلين كأفراد بمبالغ سخية، فيجب أن تغطي البرامج عدداً أكثر بكثير من 7,000 أو 8,000 مقاتل.

ما لم يتم إعادة إحياء الاقتصاد في هذا البلد فستذهب الجهود أدراج الرياح


ويقترح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مبادرة لتدريب الشباب المعرضين للمخاطر في بانغي على المهارات اللازمة وتأهيلهم للعمل ككهربائيين وسباكين وبنائين، بتكلفة تصل إلى 500 دولار للشخص الواحد، أو مبلغ 5 ملايين دولار لـ 10,000 شخص. وأفاد مقاول يعمل على خطة تدريبية تجريبية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأن هذه الميزانية لن تتيح للمتدربين سوى وقت قليل لاكتساب المهارات الحقيقية، وتقلل من شأن الصعوبات التي تكتنف تنفيذ التدريب في مجتمعات يقسمها الصراع. كما أن البرنامج سيقتصر على بانغي، على الرغم من أن هناك حاجة واضحة لتوسيع برامج توظيف الشباب إلى أبعد من العاصمة.

ومن المقرر أن تتقاسم مينوسكا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مسؤولية برامج إعادة الإدماج والتنمية المجتمعية التي تنص عليها الاتفاقية الخاصة بعملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والإعادة إلى الوطن. ويعتبر التنفيذ الناجح أمراً حيوياً لتجنب إخفاقات عمليات التسريح في الماضي.

ووفقاً لمكتب تنسيق المنظمات غير الحكومية الدولية في جمهورية أفريقيا الوسطى، لم يطلب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي دعمها حتى الآن. وقال متحدث باسم المكتب أنها، على أية حال، لا توافق على توجيه المساعدات إلى المقاتلين السابقين فقط. ولم يستجب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لطلب شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) حول تقديم توضيحات بشأن هذه النقطة حتى وقت نشر هذا التقرير.

وكان رئيس منظمة الأغذية والزراعة في جمهورية أفريقيا الوسطى، جان ألكسندر سكاجليا، قد قال في شهر نوفمبر الماضي أن هناك حاجة إلى التوصل إلى توافق في الآراء بين والمنظمات الإنسانية والمنظمات غير الحكومية فيما يتعلق بمسألة إلى أي مدى ينبغي أن يتم توجيه المساعدات للمقاتلين السابقين. ويبدو أنه لا يوجد توافق في الآراء حتى الآن.

ويُعد الفقر وانهيار الاقتصادات الريفية والحضرية في جمهورية أفريقيا الوسطى من بين الأسباب الأساسية للأزمات المتكررة في البلاد، وفقاً لمجموعة الأزمات الدولية وسكاجليا.

وقال سكاجليا لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "تؤكد لنا مينوسكا كل أسبوع أنه ما لم يتم إعادة إحياء الاقتصاد في هذا البلد فستذهب جهودها أدراج الرياح".

nl/am/ag-kab/dvh