ما الأسباب الكامنة وراء أزمة المهاجرين في جنوب شرق آسيا؟

كريستي سيغفريد

محررة شؤون الهجرة

تحمل محنة آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء من ميانمار وبنجلاديش، الذين تُركوا ينجرفون على غير هدى دون طعام أو ماء لأسبوع تقريباً، جميع السمات المميزة لأزمة إنسانية شاملة. ولكن على الرغم من التصريحات المعبرة عن القلق التي أصدرتها الحكومات والمنظمات الإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان، لا توجد دلائل تذكر على اتباع خطة منسقة لحل هذه المشكلة. وقد رُصدت قوارب قبالة سواحل إندونيسيا وتايلاند وماليزيا، ومن الواضح أن عصابات تهريب البشر التي تعمل عبر الحدود البحرية والبرية قد هجرتها وأن القوى الإقليمية تجاهلتها.

من هم ركاب القوارب؟

غالبيتهم من المسلمين المنتمين إلى عرقية الروهينجا التي توصف بأنها واحدة من أكثر الأقليات المضطهدة في العالم.

يعيش حوالي 800,000 روهينجي في ولاية راخين التي تقع في غرب ميانمار، بما في ذلك حوالي 140,000 في مخيمات أقامتها الحكومة بغرض الفصل العرقي بين البوذيين من عرقية راخين والروهينجا بعد عدة جولات من العنف الطائفي.

وتجدر الإشارة إلى أن حكومة ميانمار قد حرمت الروهينجا من الجنسية، وقيدت حريتهم في التنقل وفرص حصولهم على التعليم، وحقهم في التصويت بدعوى أنهم ليسوا جماعة عرقية حقيقية، بل مجرد مهاجرين من بنجلاديش. وبحسب تقارير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، غادر 25,000 مهاجر خليج البنغال على متن قوارب المهربين في الشهور الثلاثة الأولى من عام 2015.


انظر: الروهينجا في ميانمار... ما دلالة هذا الاسم؟

إلى أين يحاولون الذهاب؟

يأمل معظمهم في الوصول إلى ماليزيا، البلد المسلم الذي يحتاج إلى بعض العمالة غير الماهرة، وحيث يوجد العديد من أقاربهم بالفعل. ولكن ماليزيا ليست من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين، ولذلك فإن طلب اللجوء ليس خياراً. وأفضل ما يمكن أن يأمل فيه المهاجرون غير الشرعيين هو العثور على عمل غير رسمي وتجنب اكتشاف أمرهم واعتقالهم من قبل الشرطة.


كيف تعمل عصابات التهريب؟

تنطلق القوارب من كل من ميانمار وبنجلاديش - حيث يعيش حوالي 200,000 شخص من عرقية الروهينجا في مخيمات اللاجئين. وعادة ما يُعرض على الركاب سعر منخفض لا يتجاوز بضع مئات من الدولارات، أو حتى السفر مجاناً على أساس اتفاق على دفع تكاليف الرحلة من دخلهم في ماليزيا. في واقع الأمر، عادة ما يُجبرون هم أو عائلاتهم على دفع مبالغ أكبر بكثير مقابل إطلاق سراحهم من مخيمات المهربين قرب الحدود التايلاندية مع ماليزيا أو من القوارب نفسها، كما يحدث الآن على نحو متزايد.

وتشير تقديرات المفوضية إلى وفاة 300 مهاجر في عرض البحر في الربع الأول من عام 2015، في حين لقي عدد غير معروف حتفهم في المخيمات. وقد اكتشفت السلطات التايلاندية مؤخراً مقبرة جماعية تحتوي على 30 جثة على الأقل في أحد تلك المعسكرات المهجورة.

وتوحي مقابلات المفوضية مع الناجين إلى أن شبكات الاتجار متنوعة إقليمياً ومتعددة الثقافات - حيث يشترك فيها أشخاص من بنجلاديش وتايلاند وميانمار، بما في ذلك الروهينجا.

ماذا أشعل الأزمة الحالية؟

من المفارقات الساخرة، يبدو أنها الإجراءات التي تتخذها تايلاند لتطبيق اجراءات صارمة عقب اكتشاف المقابر الجماعية. وقد تواجه تايلاند عقوبات إذا لم تحسن ترتيبها المنخفض في تقرير الاتجار بالبشر السنوي التي تعده وزارة الخارجية الأمريكية. وبعد تنفيذ بعض الاعتقالات التي حظيت بتغطية إعلامية كبيرة، وتضمنت العديد من المسؤولين التايلانديين، تخلى المهربون عن قواربهم في عرض البحر، وعلى متنها بضاعتهم البشرية، بدلاً من المخاطرة بمحاولة الوصول إلى الشاطئ.

وفي الأيام القليلة الماضية، قالت السلطات في تايلاند وماليزيا وإندونيسيا أنها لن تسمح للقوارب بالرسو على شواطئها وأبعدت عدة قوارب تحمل مهاجرين.

وقد اكتشف صحفيون موقع قارب يحمل على متنه 350 مهاجراً، معظمهم من الروهينجا، كان قد انجرف على مقربة من السواحل التايلاندية يوم الخميس. وقد أسقطت البحرية التايلاندية في وقت لاحق بعض المواد الغذائية من طائراتها بجانب القارب وقامت بإصلاح المحرك حتى يتمكنوا من مواصلة الرحلة إلى ماليزيا زاعمة أن الركاب رفضوا عرضاً بالنزول إلى الشاطئ لأسباب إنسانية.

كما أحضر صيادون إندونيسيون ما يقرب من 800 مهاجر إلى الشاطئ يوم الجمعة بعد أن شاهدوا قاربهم يغرق قبالة الساحل الشرقي لإقليم آتشيه.

ماذا يقول قادة المنطقة؟

في الأسبوع الماضي، قال رئيس وزراء تايلاند برايوت تشان أوتشا أن حكومته تفتقر إلى الموارد اللازمة لاستيعاب المزيد من المهاجرين، ولكنه أخبر الصحفيين يوم الخميس أنه أمر باجراء تقييم لجزيرتين غير مأهولتين قبالة الساحل الغربي لإقليم رانونغ يمكن استخدامهما لاحتجاز الروهينجا الذين تقطعت بهم السبل بشكل مؤقت. كما دعت تايلاند إلى عقد اجتماع إقليمي في 29 مايو لإيجاد حل لهذه الأزمة.

وفي بيان صدر يوم الجمعة، قال رئيس الوزراء الماليزي نجيب عبد الرزاق، أنه "قلق للغاية بشأن محنة المهاجرين في منطقتنا".

في الوقت نفسه، التزم قادة الحكومة في ميانمار الصمت إلى حد كبير إزاء هذه القضية، وذكروا فقط أنهم من المرجح أن يقاطعوا الاجتماع الإقليمي المقترح.

وفي تصريح لوكالة فرانس برس، قال مدير مكتب الرئاسة زاو هتاي: "نحن لا نقبل، إذا كانت [تايلاند] توجه لنا الدعوة فقط لتخفيف الضغوط التي تواجهها".

ويمكن أن تقود رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) جهود التوصل إلى حل إقليمي، ولكن المعروف عن هذا التجمع أنه يخشى التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، وقد أثبت أنه غير راغب أو غير قادر على ممارسة الضغط على حكومة ميانمار لإصلاح سياساتها تجاه الروهينجا، التي تعتبر السبب الأساسي للهجرة.

الجدير بالذكر أنه لا توجد رغبة كبيرة داخل ميانمار لنصرة حقوق الروهينجا، لاسيما خلال عام الانتخابات الحاسمة التي شهدت صعود القوميين البوذيين. وحتى داعية حقوق الإنسان الشهيرة أون سان سو تشي التزمت الصمت بشأن هذه القضية.

وكانت هناك أيضاً اقتراحات بأن على استراليا أن تبرهن قيادتها الإقليمية، لكن السياسة الأسترالية الخاصة بإعادة القوارب التي تحمل طالبي اللجوء إلى حدود إندونيسيا ورفض توطينهم، حتى أولئك الذين ينجحون في الوصول، يعني أنها فقدت إلى حد كبير مصداقيتها بشأن هذه المسألة.

كيف كانت الاستجابة الإنسانية؟


تقدم كل من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة مساعدات إنسانية إلى عدة آلاف من المهاجرين وطالبي اللجوء الذين نجحوا في الوصول إلى شاطئ إقليم آتشيه في إندونيسيا وجزيرة لنكاوي في ماليزيا في الأيام القليلة الماضية.

وقال المدير العام المنظمة الدولية للهجرة وليام ليسي سوينغ: "إنني أناشد الحكومات، وجميع الذين يمكنهم تقديم المساعدة، للعثور على هذه القوارب، والسماح للمهاجرين بالنزول إلى الشواطئ والحصول على العلاج الطبي. سوف نساعدكم في حل مشاكل الإقامة على المدى الطويل، وننقل البعض إلى ديارهم، وغيرها من الخيارات، ولكن باسم الإنسانية، اسمحوا لهؤلاء المهاجرين بالنزول إلى شواطئكم".

وأشارت المفوضية إلى أن بلدان المنطقة لديها واجب أخلاقي والتزام قانوني بإنقاذ الناس الذين يعانون من محنة في عرض البحر، بموجب القانون البحري الدولي.

ks/rh-ais/dvh