هل يحالف الحظ الجولة الثالثة من المحادثات السورية؟

وصف المشاركون هذه المحادثات بأنها تجري "بعيداً عن الأضواء"، وفي الواقع، ربما يكون هناك كثير من الناس الذين لم يلحظوا أن جولة ثالثة من المفاوضات بشأن النزاع السوري تعقد في جنيف هذا الشهر.

وتُعد هذه الجولة أحدث جهد يبذل في مسعى لتهدئة وتيرة الحرب التي دخلت عامها الخامس، وأودت حتى الآن بحياة ما لا يقل عن 220,000 شخص، ودفعت أكثر من 9 ملايين شخص للنزوح من ديارهم، وشهدت صعود جماعة إرهابية جديدة، يطلق عليها اسم "الدولة الإسلامية".

وفي هذا السياق، نسعى في هذا المقال إلى تسليط الضوء على التقدم المحرز حتى الآن والتحديات الراهنة.

ما الذي تم إنجازه حتى الآن من أجل إحلال السلام؟


بداية تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها اعتبروا أن "الربيع العربي" في سوريا وتعامل قوات الرئيس السوري بشار الأسد معه، إشارة واضحة على ضرورة تغيير النظام: وكانت العبارة التي يرددها كبار مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية في كل مناسبة هي أنه "يتعين على الرئيس الأسد أن يرحل".

على الجانب الآخر، لم تتفق روسيا، الحليف التقليدي الأكثر دعماً لنظام الأسد، على هذا الرأي، قائلة أن الشعب السوري يجب أن يكون صاحب القرار في تشكيل حكومة جديدة. وقد سادت حالة من الجمود التام في مجلس الأمن الدولي، على الرغم من صدور سلسلة من التقارير المرعبة من قبل لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، والتي وثّقت وجود أدلة كثيرة على حدوث انتهاكات خطيرة للغاية، بما في ذلك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

جنيف (1)

وكان الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان هو أول من تولى منصب المبعوث الدولي الخاص لسوريا، وهو المنصب الذي طالما شكّل تحدياً لمن يشغله. وفي نهاية يونيو 2012، جمع أنان كبار الدبلوماسيين في العالم في جنيف في محاولة للتوسط من أجل التوصل إلى اتفاق سلام، أو على الأقل وقف إطلاق النار، والتوصل إلى شكل من أشكال الاتفاق بشأن حلحلة الوضع المتأزم في سوريا.

وكان هناك أمل في أن يساهم الجو الأكثر هدوءً الذي توفره جنيف في التوصل إلى تفاهم بين أولئك الذين لم يتفقوا وسط الأجواء المتوترة في مجلس الأمن في نيويورك. وقد تمت دعوة الأطراف الإقليمية الرئيسية أيضاً، وكان من بينها العراق وتركيا وجامعة الدول العربية. بيد أنه لم يكن هناك وجود، أو على الأقل ليس بصفة رسمية، لأي ممثلين للحكومة السورية أو للمعارضة.

وتمخض عن جنيف (1) بيان يوضح خطة من ست نقاط، تشمل الدعوة لوضع حد فوري للعنف، ومجموعة من المبادئ والإرشادات لبدء عملية انتقال سياسي. وكان الهدف النهائي هو تشكيل حكومة "تلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري".

وجاءت لغة البيان غامضة عمداً فيما يتعلق بموضوع الدور المستقبلي للأسد في أي حكومة انتقالية، تاركة الولايات المتحدة تواصل الإشارة إلى أن الأسد لن يلعب أي دور، ولروسيا القول بأنه قد يلعب دوراً إذا رغب الشعب السوري بذلك.

وعلى الرغم من أن البند الأول في الخطة التي تتكون من ست نقاط قد دعا إلى وضع حد للعنف، فقد شهد صيف عام 2012 تصاعداً في أعمال العنف وليس تراجعاً، مع وجود مزيد من الأدلة عن وقوع انتهاكات أشد فظاعة لحقوق الإنسان.

وفي شهر يوليو، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الصراع في سوريا قد أصبح واسع الانتشار إلى درجة أصبح معها يشكل حرباً أهلية. وعقب ذلك ببضعة أسابيع، استقال كوفي أنان. ولا شك أن استقالة أحد صانعي السلام الأكثر خبرة في العالم تشير إلى أن مشكلة سوريا أضحت تستعصي على الحل.

ثم ماذا حدث؟

استمرت رحى الحرب. وفي مارس 2013، وصل عدد اللاجئين إلى مليون شخص وتواصل في الارتفاع ليبلغ قبيل شهر سبتمبر مليوني شخص. ومع تصاعد العنف وتفاقم النزوح، وعدم تنفيذ أي من النقاط الست التي وردت في بيان جنيف، بدت عملية السلام ميتة، ولم تكن هناك أي خيارات دبلوماسية جديدة مطروحة.

ثم في أغسطس عام 2013، تسبب هجوم بأسلحة كيميائية، يُعتقد أنه غاز السارين، في مقتل أكثر من ألف شخص في ضاحية الغوطة بدمشق.

وقد دفعت الصور المروعة للمعاناة واستخدام أسلحة محظورة في انتهاك واضح لقواعد الحرب، إلى وضع التدخل العسكري مرة أخرى على جدول الأعمال.

وقد أراد كلا من الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون التدخل، ولكن تم إحباط مساعيهما على الصعيد المحلي في كل من بريطانيا والولايات المتحدة. وإدراكاً منهم لما يراه كثيرون أنه خطأ خطير في العراق قبل عقد مضى، رفض أعضاء البرلمان البريطاني مقترح كاميرون. وبدأ الكونجرس في واشنطن مناقشة التدخل العسكري، لكن تم تأجيل التصويت إلى أجل غير مسمى.

ماذا عن جنيف (2)؟

في ظل غياب الخيار العسكري من على الطاولة، تحولت الأفكار مرة أخرى إلى الدبلوماسية، وكانت هذه المرة بقيادة مبعوث الأمم المتحدة الجديد، الدبلوماسي الجزائري المخضرم الأخضر الابراهيمي. ونظراً لأنه تولى بالفعل مهاماً أممية صعبة في أفغانستان والعراق، فإن الابراهيمي يحظى بقبول واسع النطاق وباحترام وتقدير لحكمته وصبره. وقيل أنه إذا كان هناك من شخص يستطيع أن يجمع الأطراف المتحاربة إلى مائدة الحوار، فهو هذا الرجل.

سعى الإبراهيمي لأشهر عدة إلى عقد مفاوضات وأراد أن يجمع، ليس فقط القوى الكبرى الدولية والإقليمية على طاولة المفاوضات، بل أيضاً أولئك الذين يقاتلون على الأرض فعلاً. وعلى الرغم من أنها خطة جيدة من الناحية النظرية، إلا أن السنوات الطويلة من الصراع في سوريا قسّمت المعارضة إلى العديد من الجماعات المسلحة، وكان بعضها يقاتل البعض الآخر، إلى جانب قتالهم ضد قوات الحكومة السورية. ومن ثم أصبح تقرير من الذي سيذهب إلى جنيف (2)، ومن الذي سيمثل شرعية المعارضة، عملاً دبلوماسياً صعباً للغاية في حد ذاته.

وأخيراً، في يناير 2014، تم إعداد قائمة بالضيوف وبدؤوا في الوصول. وكذلك الحال بالنسبة للمئات من الصحفيين. وتحولت الأيام الأولى من جنيف (2) إلى سيرك لوسائل الإعلام المتوترة، مع صدور تقارير وتقارير مضادة في الوقت الذي كانت تخرج فيه الأطراف المختلفة من غرف التفاوض في محاولة لنقل الرسائل الخاصة بها من خلال الصحافة. وفي الواقع، لم يكن يحدث الكثير داخل غرف التفاوض تلك. ورغم كل الجعجعة حول اللقاءات المباشرة بين الأطراف المتنازعة، فقد جلست الأطراف المتحاربة، كما اتضح، حول طاولة على شكل حرف U بطريقة تعني أن بإمكانهم تجنب النظر في أعين بعضهم. وتم توجيه جميع كلماتهم من خلال الإبراهيمي، ومن ثم لم يتحدثوا في الواقع مطلقاً إلى بعضهم البعض.

وكانت هناك خلافات حول ما ينبغي مناقشته، حيث حاول ممثلو الحكومة السورية إعطاء أولوية إلى موضوع "مكافحة الإرهاب"، بينما حاول دبلوماسيو الأمم المتحدة التمسك بالنقاط الست التي وردت في بيان جنيف.

وبحلول هذا الوقت، كانت المعارضة منقسمة وكانت هناك خلافات داخلية على من الذين ستدرج اسماؤهم في أي حكومة انتقالية مقبلة.

وفي غضون أسابيع، ورغم عقد جولة أخرى بتغطية إعلامية أقل في فبراير عام 2014، كانت جنيف (2) قد طوى صفحته دونما نجاح كسابقته. وفي نهاية مايو من ذلك العام، استقال الإبراهيمي أيضاً. واستمرت طاحونة الحرب.

ظهور دي ميستورا

وفي يوليو 2014، تم تعيين ستيفان دي ميستورا، وهو دبلوماسي خدم لفترة طويلة في الأمم المتحدة، مبعوثاً خاصاً جديداً للأزمة في سوريا. وبدأ الرجل وظيفته الجديدة بحذر شديد، إذ نادراً ما يتحدث إلى الصحافة، مع تقديم إشارات ضئيلة حول خطط إنجاز مهمته.

وجاءت أول خطوة كبيرة له في أواخر عام 2014 عندما أعلن عن خطط لفرض ما أسماه "مناطق مجمدة" مما يعني وقف إطلاق النار في بعض المناطق وبشكل مؤقت. وكانت الفكرة تقضي بإفساح المجال لإدخال المساعدات الإنسانية على أمل أن ينمو السلام بشكل طبيعي من الداخل. وفي حين لاقت الخطة ترحيباً حذراً من خارج سوريا، إلا أنها لم تحظ بقبول لا من الحكومة في دمشق ولا من مقاتلي المعارضة، وهكذا أُجهضت قبل أن تُولد.

وفي وقت لاحق تعرض دي ميستورا لانتقادات على الرغم من اختلاف وجهات النظر حول أدائه، إذ يرى البعض أنه قد حاول التحدث إلى مجموعات مختلفة أكثر مما ينبغي، ويقول آخرون أنه يعطي الحكومة السورية اهتماماً أكثر مما ينبغي.

أين نحن الآن؟

عقب ثلاثة أشهر تلاشت خطة المناطق المجمدة، وأخيراً يجري الآن عقد محادثات جديدة. وحرصاً منه على تجنب الفشل المدوي لجنيف (2)، يبدو أن دي ميستورا يتبع نهجاً "هادئاً". وقد وصف أحد مسؤولي الأمم المتحدة هذه المحادثات الأخيرة بأنها تجري "بعيداً عن الأضواء، وبعيداً عن الأنظار، ومن دون أن تلفت الانتباه"، وهذا يعد تحولاً كبيراً عن جنون وسائل الإعلام التي رافقت عقد جنيف (2).

وتوصف المحادثات، التي من المتوقع أن تستمر حتى نهاية يونيو، بأنها "مشاورات منفصلة" مع أكبر عدد ممكن من الأطراف المعنية. وتصر الأمم المتحدة على أنه ينبغي أن لا يُطلق عليها اسم "محادثات سلام". ولكنها محادثات فردية ترمي إلى محاولة تحديد المواقف التفاوضية المحتملة. كما تتردد الأمم المتحدة أيضاً في تسميتها "جنيف (3)"، في رغبة واضحة منها لتفادي مقارنتها بالإخفاق الذي مُني به كل من كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي.

وحاول دي ميستورا جاهداً أن يكون شاملاً، عبر دعوة أكبر عدد ممكن من الأطراف الفاعلة الرئيسية في سوريا، من المجموعات النسائية إلى جماعات حقوق الإنسان وجماعات المعارضة وممثلي الحكومة بكل تأكيد.

وستحضر القوى الإقليمية والدولية مثل تركيا ولبنان والأردن ومصر والمملكة العربية السعودية وإيران، المثيرة للجدل، أيضاً. وتجدر الإشارة إلى أن طهران كانت قد حُذفت من قائمة الضيوف في جنيف (2)، أما الآن وفي ظل الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني، فيبدو أن هناك مرونة في المواقف تجاهها.

ولكن لن يشارك فصيلان، وهما يشكلان جزءاً كبيراً من الفصائل المقاتلة الرئيسية في سوريا – المجموعة التي تطلق على نفسها اسم تنظيم "الدولة الإسلامية" وجبهة النصرة –في محادثات جنيف.

وأي شخص شارك في عمليات تفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق سلام يعلم أنه، في مرحلة ما، يجب إشراك حتى أولئك الذين ارتكبوا أبشع الفظائع، في وضع حد للقتال.

ما هي فرص النجاح؟

الصراحة ليست جيدة دائماً. وقد اعترف السيد دي ميستورا نفسه بهذا الأمر. مع ذلك، قال مؤخراً: "علينا أن نحاول... لا يمكن أن نتخلى عن الشعب السوري".

وربما يكون هذا النهج البطيء والهادئ أكثر فاعلية من المحاولات السابقة الأكثر بروزاً وجذباً للأضواء. ويعتقد بعض الذين يحضرون المحادثات الجارية أن هناك شعوراً جديداً بالإلحاح. وفي هذا الصدد، قال دبلوماسي غربي: "هناك شعور بأن نافذة الفرصة قد تغلق". ويرى البعض أن الشعور بالإلحاح قد يشجع الخصوم التقليديين في مجلس الأمن، الولايات المتحدة وروسيا، على أن يعملوا معاً بشكل وثيق عندما يتعلق الأمر بسوريا.

ولكن المشكلة هي أن تحقيق السلام في إحدى المناطق في سوريا قد لا يعني بالضرورة تحقيقه في منطقة أخرى. فقد أضحى الصراع الآن مجزأ لدرجة أن أطرافه تتقاتل، كما أشار أحد الدبلوماسيين، ليس على مستوى الدولة، ولكن على مستوى المدن والقرى بل والطرق.

كل هذا يحدث، في الوقت الذي تتوالى فيه فصول هذه الكارثة الإنسانية. ولكن الخبرة المستقاة من التاريخ الحديث تظهر أن الحروب وخاصة الحروب الأهلية، غالباً ما تنتهي على طاولة التفاوض وليس في ساحة التعارك، وأن المتحاربين الأكثر تشدداً سيرهقون في نهاية المطاف من القتال.

ولكن المسألة الملحة بالنسبة للناس العاديين في سوريا هي "متى؟". وما الذي سيتبقى من بلدهم حين تضع الحرب أوزارها وتخمد أصوات المدافع؟

if/lr/am-kab/dvh