وكالات الإغاثة تتدفق على نيبال - ولكن ماذا بعد ذلك؟

بعد وقوع كارثة بحجم زلزال نيبال الذي بلغت شدته 7.8 درجة على مقياس ريختر، يمكن لتدفق وكالات الإغاثة لتقديم الاستجابة أن يتحوّل بسهولة إلى حالة من الفوضى العارمة.

ففي أعقاب الزلزال الذي أودى بحياة 220,000 شخص هايتي في عام 2010، أثبت تدفق المئات من وكالات الإغاثة ومنظمات المجتمع المدني - التي كان كثير منها يفتقر للمعرفة المسبقة بالبلاد - أنه من المستحيل التمكن من التنسيق الكامل وفي بعض الحالات تسببت تلك المشاركة بالضرر للاستجابة، وذلك وفقاً لتقييم قامت به وزارة التنمية الدولية البريطانية (DFID).

فهل تعلمت وكالات الإغاثة من أخطاء الماضي؟ وهل سيشكل وجودها في نيبال دعماً للجهود أم عائقاً أمام الاستجابة الطارئة؟

في هذا الإطار، قال راميشوور دانجال رئيس قسم إدارة الكوارث في وزارة الشؤون الداخلية، لوكالة الأنباء الألمانية (DPA): "لا نريد لنيبال أن تكون مكبّاً للمساعدات وموظفي الإغاثة. فمن الصعب للغاية إدارة الحشود في مثل هذه الحالة المزرية. لا يجب على المجتمع الدولي أن يرمي إلينا المواد غير الضرورية لنا بحجة الدعم والمساعدة".

وبعبارات أكثر دبلوماسية، قال دانجال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نحن نبذل قصارى جهدنا لكننا نشعر بنوع من الشلل نظراً للأنواع المختلفة من المسؤوليات التي ألقيت على عاتقنا... نحن بحاجة حقاً إلى المواد الإغاثية أكثر من العاملين. فعندما يكون هناك الكثير من الأشخاص، من الصعب القيام بتنسيق الجهود".

وعلى الرغم من ذلك، يعاني مطار كاتماندو الدولي الصغير من حالة ازدحام بسبب فرق الإغاثة وإمداداتهم والتي تتراوح من كبار المنظمات العاملة في جميع النواحي الإغاثية مثل أوكسفام ومنظمة وورلد فيجن إلى المنظمات المتخصصة الأصغر مثل ووتر إيد (WaterAid) وشيلتر بوكس (ShelterBox) وحتى جهود الأفراد من أصحاب النوايا الحسنة مثل أليسون مارستون التي ستصل إلى كاتماندو في وقت لاحق من هذا الأسبوع حاملة معها مبلغاً متواضعاً جمعته من تبرعات الأفراد والشخصيات المحلية التي تعرفها بعد أن عاشت هناك لسنوات عديدة ولكن ليس لديها أي فكرة واضحة عن كيفية المساهمة في تلك الاستجابة.

وتحدّثت أليسون لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قائلة: "كان الناس يسعون للتبرع لجهة لا تتبع لواحدة من المنظمات الكبيرة، لذا بدأت جهودي لجمع التبرعات بشكل غير مدروس ولم أقم باستخدام استراتيجية واضحة ولكن الأمر تطور حتى وصل إلى ما وصلنا إليه الآن. ولكنني أعرف نيبال بشكل جيد للغاية، وأستطيع تحديد المواضع التي تحتاج للمساعدة على أرض الواقع، والهدف كله من هذا هو التعاون مع المنظمات الشعبية الصغيرة الأخرى.

"لا أتصور القيام بالكثير من التنسيق مع المنظمات الكبيرة. وأعتقد أنه يمكنني أن أحدث أثراً إيجابياً في المناطق التي لا تتواجد فيها تلك المنظمات".

من جهته، أشار كريس بلاكهام مدير البرامج في منظمة ساماريتان بورس (Samaritan’s Purse)، وهي وكالة إغاثة دولية مقرها بريطانيا كانت قد أرسلت فريقاً إلى نيبال، أن "أي جهد بسيط يساعد"، خاصة في المراحل الأولى عندما تكون الاحتياجات كبيرة جداً، شرط أن يتم تنسيق المساعدات بشكل جيد.


أما بالنسبة لكثيرين آخرين، فإن نهج مارستون المستقلّ مثير للجدل.

"طرق لا تساعد المتأثرين بزلزال نيبال: التبرع للجمعيات الخيرية الجديدة التي ظهرت فجأة (وهدفها في كثير من الأحيان الاحتيال)، وجمع الأشياء لإرسالها إلى هناك، ومحاولة الذهاب بنفسك إلى هناك" هي تغريدة غرّدتها طالبة العلوم السياسية لورا سياي كجزء من الاحتجاج المتزايد عبر وسائل التواصل الاجتماعي ضد التبرع غير الحكيم ولو كان بنيّة حسنة. 


هل تم إحراز تقدم؟

وإذا ما وضعنا مسألة المتطوعين الأفراد جانباً، يقول المحللون أن التنسيق الواسع النطاق في قطاع المساعدات الطارئة قد قطع شوطاً طويلاً.

وقال بلاكهام لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "هناك دائماً خطر حدوث وضع مثل هايتي، ولكن المجتمع الإنساني قد أصبح أفضل كثيراً فيما يتعلق بالتنسيق مقارنة بذلك الوقت؛ فقد تعلمنا الكثير من هايتي".

وتابع قائلاً: "عندما تأتي المنظمات ولا تقوم بالتنسيق، عندها يمكن أن يشكّل ذلك عائقاً في وجه الجهود. ولكن من خلال تجربتي فإن هذا يحدث بمستوى أقل هذه الأيام. لقد كانت هايتي نقطة تحول كبيرة".

بدوره، يتفق توم بالاكودييل، رئيس منطقة جنوب آسيا في منظمة ووتر إيد، على أن جودة التنسيق قد تحسنت في السنوات الأخيرة. ولكن "هناك بالطبع حاجة للتحسين المستمر لأنه حتى مع كل هذه التجربة، اتّسم الأسبوع الأول بالفوضى،" كما أفاد.

دور الحكومة

في الأسبوع الأول عقب وقوع كارثة واسعة النطاق الذي يتسم عادة بالفوضى، تكون الأولوية لتقييم الاحتياجات الأكثر إلحاحاً ثم تنسيق الاستجابة التي تتجنب ازدواجية الجهود. وفي الحالات المثالية، يجب أن تؤدي الحكومة المحلية هذا الدور، ولكن بمجرد أن يتم طلب المساعدة الدولية بشكل رسمي، كما فعلت حكومة نيبال يوم الأحد، تصبح إدارة تدفق وكالات الإغاثة ومراقبة عمل وموقع كل وكالة مهمة شاقة للغاية.

ففي يوم الثلاثاء، ذكرت التقارير أن الحكومة النيبالية طلبت من وكالات الإغاثة وقف إرسال فرق البحث والإنقاذ مشيرة إلى أجيشها يمكنه التعامل مع الوضع. وقال دانجال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الأولوية الآن، تتمثّل في إزالة الأنقاض وجثث القتلى وتوفير القماش المشمع والبطانيات والفرش، وخدمات الصرف الصحي لأولئك الذين ينامون في العراء.

بدوره، قال بول نوكس كلارك، رئيس قسم الأبحاث والاتصالات في شبكة التعلم الإيجابي للمساءلة والأداء في مجال العمل الإنساني (ALNAP)، وهي مؤسسة فكرية تركز على أداء الوكالات الإنسانية: "مع اعتماد الكثير من جهود الاستجابة على المؤسسات الوطنية مثل الجيش والمستشفيات، يجب أن تكون الحكومة مسؤولة عن تلك الجهود. مع ذلك فإن نظام اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات [الآلية الرئيسية لتنسيق المساعدات الإنسانية الدولية التي تقودها الأمم المتحدة] قد تم تصميمه كما لو أن الحكومة ليست موجودة".

ففي عام 2005، أنشأت الأمم المتحدة نظام المجموعات في العمل الإنساني لضمان قيام الوكالات التي لديها خبرة في مجالات معينة مثل الصحة والمأوى والمياه والصرف الصحي بتنسيق جهودها في أعقاب حدوث حالة طوارئ. وفي حين لا تسير الأمور دائماً بشكل سلس مع الهياكل الحكومية القائمة، ويتطلب الأمر عقد لقاءات عديدة في وقت ضيق وحرج، يمكن اعتبار النظام عموماً "الحل الأقل سوءاً،" كما أفاد نوكس كلارك.

وأضاف قائلاً: "إنه أمر مزعج أن تذهب إلى كل هذه الاجتماعات، ولكن عقدها هو أفضل من عدم القيام بذلك. وعموماً، فإنها تساعد على تحديد وخفض مستوى الازدواجية وتمنع حدوث الثغرات في برنامج الاستجابة،" مضيفاً أن "التنسيق المثالي "يمكن أن يكون مستحيلاً تقريباً في أعقاب الفوضى التي سببها الزلزال في نيبال.

إشراك المنظمات غير الحكومية المحلية

ويتمثل أحد الدروس المستقاة من استجابة هايتي في أهمية التنسيق في وقت مبكر، عندما يجري تقييم الاحتياجات. ففي هايتي أشار تقييم وزارة التنمية الدولية في البريطانية (DFID) أن "معظم الوكالات قد أجرت تقييماً مستقلاً لاحتياجاتها الخاصة، ولكن كل منها اتّبع معاييراً ومنهجيات وأهدافاً مختلفة مما حدّ من جدوى النتائج".

وافتقدت تلك التقييمات إلى حد كبير إلى وجهة النظر الهامة للحكومة ومنظمات المجتمع المدني في هايتي بخصوص السياق الاجتماعي والاقتصادي في البلاد. وقال نوكس كلارك أنه في هذه الأيام هناك مزيد من الإدراك لضرورة إشراك المنظمات غير الحكومية المحلية، ولكن الطريق طويل أمامنا لمعرفة كيفية القيام بذلك.

وأضاف قائلاً: "تحتاج هذه العلاقات مع المنظمات غير الحكومية الوطنية للبناء على مدى فترة طويلة [قبل الكارثة]، ومن الصعب للغاية إشراكهم في الجهود بخلاف ذلك".

وتعتمد منظمة ساماريتان بورس على علاقاتها الراسخة مع شركائها المحليين والكنائس في نيبال لتقييم الاحتياجات بسرعة وإنشاء طرق الإمداد للمواد الإغاثية. وقال بلاكهام بخصوص ذلك: "هذه العلاقات المحلية ضرورية للغاية. فمن دونها سنواجه صعوبات جمة من أجل إدخال المواد ضمن النظام الجمركي ومعرفة المواقع التي سنذهب إليها وتنظيم الخدمات اللوجستية".

أما شيلتر بوكس، التي توفر الملاجئ الطارئة للأسر التي فقدت منازلها نتيجة للكوارث، فتعتمد على أندية الروتاري الدولية المحلية لدعم فرق الموظفين والمتطوعين لديها. وقررت وكالة ووتر إيد التنموية الاستجابة للزلزال لأنها نفذت مسبقاً مشاريعاً طويلة الامد في سبع من المقاطعات الـ 11 الأكثر تضرراً. كما أنها متخصصة في توفير المياه الصالحة للشرب والصرف الصحي والنظافة الشخصية - وهي ثلاثة من الأولويات الأكثر إلحاحاً في أعقاب الزلزال.

وقال بالاكودييل: "عندما تحدث كوارث مثل هذه في المناطق التي نعمل فيها، لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي ونقول أننا لن نقوم بذلك".

صعوبة تمرير التمويل

ويمكن لضخ التمويل أيضاً من خلال آلية تنسيق كعملية النداء الموحد التابعة للأمم المتحدة، والتحالف الإنساني الكندي أو لجنة الكوارث الطارئة البريطانية، والتي أطلقت نداءً مشتركاً لصالح 13 جمعية خيرية بريطانية، أن يساعد في دعم العمل المنسق على أرض الواقع.

ولكن كل أصناف المنظمات من منظمة الإغاثة اليهودية العالمية وحتى صندوق رعاية الأمة قد أطلقت النداءات الخاصة بها للحصول على التمويل لإغاثة ضحايا الزلزال.


في مثل هذه الظروف، ينتشر خبر الكوارث الطبيعية بشكل واسع، لذا تحصل المنظمات المشاركة في الاستجابة على التمويل ... وهذا يؤدي إلى مشاركة الكثير من المنظمات

وقال نوكس كلارك: "من الصعب جداً قول ‘لا لن نجمع تبرعات لهذه الكارثة‘ عندما تكون هناك تغطية واسعة جداً لها. ففي مثل هذه الظروف، ينتشر خبر الكوارث الطبيعية بشكل واسع، لذا تحصل المنظمات المشاركة في الاستجابة على التمويل ... وهذا يؤدي إلى مشاركة الكثير من المنظمات. ثم تجد بعض حالات الطوارئ المزمنة مثل سيناريوهات اللاجئين المستمرة منذ زمن طويلة بالكاد تحظى باهتمام أي منظمة".

هل عدد وكالات الإغاثة أكثر من اللازم؟


وأضاف قائلاً: "يمكن أن يكون لديك عدد قليل جداً من [وكالات الإغاثة]، ولكن بكل تأكيد يمكن أن يكون لديك عدد زائد جداً منها حين تتزاحم تلك المنظمات مع بعضها البعض. والأمر متروك للحكومة لتنظيم ذلك،" من خلال تحديد الأولويات، وبالتالي الحاجة إلى خدمات محددة من وكالات الإغاثة. ولكن العديد من الوكالات تشكك مسبقاً بقدرة الحكومة النيبالية على القيام بذلك.

وختم بالاكودييل من ووتر إيد حديثه قائلاً: "عندما تفتقر الحكومة المحلية للقيادة، يتوجب على مجتمع الإغاثة الدولية تولي المسؤولية. ففي نيبال، توجد وزارة للمياه والصرف الصحي، ولكن الاستجابة في بنجلاديش أو الهند تكون أكثر تنظيماً لأنهم استجابوا لعدد أكبر بكثير من الكوارث".

ks/ha-aha/dvh

"