شبكات تهريب المهاجرين تستفيد من الفوضى في ليبيا

كان معظم الـ 1,750 مهاجراً الذين لقو حتفهم غرقاً في البحر الأبيض المتوسط هذا العام من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين استقلوا قوارب المهربين وانطلقوا من ليبيا. وعلى الرغم من أننا لن نعرف أبداً جميع قصصهم الفردية، إلا أنه من الممكن تقفي أثر خطواتهم عبر صحارى السودان وتشاد والنيجر وصولاً إلى الحدود الليبية الجنوبية التي يسهل اختراقها، إلى الشمال حتى مدنها الساحلية وشواطئها التي انطلقت منها القوارب.

يتم تنسيق كل مرحلة من تلك الرحلة من قبل المهربين الذين ازدهر عملهم في خضم الصراع والاضطراب الذي يعصف بليبيا منذ الإطاحة بالدكتاتور معمر القذافي عام 2011.

بدت الدهشة على وجه الشاب الكاميروني ستيفان، البالغ من العمر 28 عاماً، عندما سئُل كيف دخل إلى ليبيا من النيجر: "كيف عبرنا الحدود؟ لقد كنا أربعة أفارقة. طلب منا [المهربون] القفز في صندوق سيارة بيك آب وسافرنا من مادما (نقطة حدودية في النيجر) إلى ليبيا دون أن يطلب منا أي مسؤول رؤية بطاقات الهوية الخاصة بنا. هذا كل ما في الأمر".

وتخضع الحدود الجنوبية لليبيا إلى حد كبير لسيطرة مجموعة عرقية تعرف باسم التبو تعيش في شمال تشاد وشمال شرق النيجر، فضلاً عن جنوب ليبيا. ويحصل حرس الحدود من التبو على مبلغ عن كل قافلة يسمحون لها بالعبور من قوافل المهاجرين.

ويعد المسار عبر النيجر الطريق الرئيسي المستخدم من قبل سكان غرب أفريقيا، على الرغم من أن العديد من أبناء مالي يدخلون عن طريق الجزائر، حيث يسيطر الطوارق، وهي مجموعة عرقية أخرى، على عمليات التهريب.

ويصل المبلغ الذي عادة ما يدفع للمهربين للانتقال من غرب أفريقيا إلى ليبيا عبر النيجر حوالي 1,600 دولار، إضافة إلى 400 دولار أخرى يتم دفعها إلى مجموعة التبو على الحدود، وفقاً لعدد من المهاجرين الذين تحدثوا إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

الادخار للمرحلة القادمة

وبعد العبور، يتم ترك المهاجرين خارج بلدات منطقة فزان جنوب غرب ليبيا. وعن تفاصيل هذه الرحلات، قال ستفيان: "لا تتوقف السيارات أبداً في وسط المدينة وإنما على بعد عشرة كيلومترات منها. وعلينا السير مشياً على الأقدام إلى المدن عبر الصحراء من دون ماء أو طعام في معظم الحالات".

وعقب الوصول إلى البلدات، يجد المسافرون المنهكون والمشوشون غرفاً مشتركة للإيجار ويقضون أيامهم على الدواوير والطرق الرئيسية في محاولة للحصول على وظائف مؤقتة. وعادة ما يستأجرهم الليبيون للقيام بأعمال متدنية الأجر مثل جمع القمامة والطهي.

ويقضي غالبية المهاجرين بضعة أسابيع أو أشهر في سبها، عاصمة فزان، أو غيرها من المدن في المنطقة، بغية ادخار مال كاف لمواصلة الرحلة إلى المدن الساحلية الشمالية الغربية في طرابلس أو مصراتة. وعادة ما يتم تنظيم عملية الانتقال إلى الشمال بواسطة القبائل العربية المحلية، خاصة قبيلة أولاد سليمان.

ويؤكد ستيفان أنه لن يقوم بمثل هذه الرحلة، واصفاً إياها "بالحماقة". وأوضح قائلاً: "إذا ذهبوا إلى الشمال، فسوف يستقلون القارب (إلى أوروبا) وسوف يموتون في البحر...بالنسبة لي، أريد فقط أن كسب ما يكفي من المال لكي أستطيع العودة إلى وطني الكاميرون. وسبها هي أفضل مكان لذلك. وعلى الرغم من أن فرص العمل فيها قد تكون أقل من طرابلس، لكن الليبيين في الجنوب يتعاملون بشكل أفضل مع ذوي البشرة السمراء".

ولدى المهاجرين في دوار شارع الجرابة في وسط مدينة طرابلس، الكثير من القصص حول سوء المعاملة التي يتعرضون لها من قبل أصحاب العمل.

وقال بيتر، وهو مواطن من غانا يعيش في العاصمة منذ أكثر من عام: "لقد تم التعاقد معي أنا ورجل آخر لنقل البلاط إلى فيلا يمتلكها رجل ليبي ثري في جنوب المدينة... وافق الرجل أن يدفع لكل منا 50 ديناراً (حوالي 36 دولاراً). لكن في النهاية لم نحصل سوى على نصفها فقط".

أما بالنسبة للمهاجرات، فظروف العمل أكثر خطورة، حيث يشتغلن في العادة بالأعمال المنزلية، ويمكثن في منازل أرباب عملهن.

أُحضرت ارينا، وهي كاميرونية تبلغ من العمر 25 عاماً، إلى مركز للشرطة عندما قررت الأسرة التي كانت تعمل لديها التخلص منها. وقد تحدثت إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) من غرفتها في مركز لاحتجاز المهاجرات في صرمان، على بعد 70 كيلومتراً غربي طرابلس، حيث لا تزال محتجزة منذ خمسة أشهر. وقالت أن رائحة كريهة تفوح من الغرفة هي مزيج من رائحة الأغذية القديمة والبول والبطانيات القذرة. وتوسلت قائلة: "لا يمكنني تحملها بعد الآن، أريد الخروج. أريد العودة إلى وطني".

من جهته، اعترف الملازم أول خالد التومي، مدير مركز احتجاز المهاجرين الذكور في مدينة الزاوية، التي تقع على بعد 17 كيلومتراً من العاصمة طرابلس، أن الظروف غير صحية وأن المحتجزين يعانون. وألقى باللوم على الحكومة في طرابلس، قائلاً: "إذا سارت الأمور بهذه الطريقة، فسوف أفرج عن جميع المهاجرين".

من ناحية أخرى، يدخر المهاجرون الذين يتمكنون من تفادي الاعتقال الأجور التي يحصلون عليها لتجميع حوالي 2,000 دولار اللازمة لاستكمال المرحلة الأخيرة من رحلتهم، وهي استقلال قارب إلى أوروبا.

بانتظار هدوء البحر

وعلى الرغم من أن شواطئ الخُمس والقربولي وصبراتة، التي تقع على الساحل الشمالي الغربي، تعد أماكن شهيرة لانطلاق قوارب المهربين، لكن زوارة، حيث تسيطر على تجارة التهريب الأقلية الأمازيغية المهمشة منذ فترة طويلة، هي الأكثر استخداماً.

وعندما يكون الطقس هادئاً وتهب الرياح من الجنوب، يقطع مهربو المهاجرين الشباب 120 كيلومتراً من زوارة إلى طرابلس لجمع "شحناتهم".

وتعليقاً على هذا، قال مسؤول أمازيغي من زوارة لم يرغب في الكشف عن اسمه: "حتى لا يتم اكتشافهم، ينتظر ]المهربون[ حتى اللحظة الأخيرة لإحضار المهاجرين في سيارات أجرة أو حافلات صغيرة. يتصل المهربون برجالهم في طرابلس لجمع المهاجرين، في آخر ثلاثة أيام قبل انطلاق القارب".

بعدما ينتشل حرس السواحل الإيطالية المهاجرين، يتركون القارب في العادة. وبعد مرور بضع ساعات، يرجع المهربون في زوارق سريعة ويأخذون القارب

وأضاف: "يرى هؤلاء الشبان أنها وسيلة سهلة لجمع المال ... فهم يجلبون قوارب خشبية من مصر أو تونس حيث يتم بناؤها هناك. وتبلغ تكلف القارب من 11,000 إلى 15,000 دولار، ويمكن استخدامه مرة أخرى. فبعدما ينتشل حرس السواحل الإيطالية المهاجرين، يتركون القارب في العادة. وبعد مرور بضع ساعات، يرجع المهربون في زوارق سريعة ويأخذون القارب".


والجدير بالذكر أن زعماء الاتحاد الأوروبي ناقشوا في قمة طارئة عقدت يوم الخميس في بروكسل حول الهجرة، خططاً لمصادرة قوارب المهربين وتدميرها. وترغب إيطاليا، التي تتحمل العبء الأكبر للمهاجرين باتخاذ خطوات أكثر صرامة وتضغط لشن عملية عسكرية للقضاء على شبكات التهريب.

ولكن تجارة تهريب البشر في ليبيا تفتقر إلى هيكل تنظيمي هرمي، له زعيم واحد على غرار المافيا، بحيث يمكن استهدافه. فلكل مهرب شبكته الخاصة، بدءاً من الحدود الجنوبية وصولاً إلى الشواطئ في الشمال. وعندما يستكمل المهاجرون إحدى مراحل الرحلة، يتم إعطاؤهم أرقام هواتف الشركاء في الشبكة الذين يستطيعون مساعدتهم في المرحلة التالية.

وهكذا، تستفيد المجموعات المسلحة عبر شمال أفريقيا ومنطقة الساحل من تجارة تهريب المهاجرين التي تزداد ربحاً، ولكن لا تشارك "فجر ليبيا"، تحالف الميليشيات الذي يسيطر على معظم المدن الساحلية الغربية، ولا تنظيم "الدولة الإسلامية"، القوة الرئيسية الأخرى في المنطقة، في هذه التجارة لأنهما غير قادرين على السيطرة على هذه السلسلة الكاملة من الجنوب إلى الشمال.

ضرورة الحصول على دعم الاتحاد الأوروبي

من جانبه، أعرب جمال زوبية، المتحدث باسم المجموعة التي تسيطر على طرابلس، المنافسة للحكومة المعترف بها دولياً في ليبيا، عن استعداده للعمل مع الدول الأوروبية لمعالجة أزمة الهجرة إذا كان الأوروبيون مستعدون فعلاً للمساعدة.

وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): " يريد الاتحاد الأوروبي أن يجلس على أريكة ويشاهد الليبيين وهم يعملون على تأمين أوروبا من فيضان الهجرة غير القانونية ...يجب أن يجلسوا معنا ويضعوا استراتيجية لنتصدى لها معاً. نحن لا نستطيع القيام بذلك بمفردنا".

صبحي بشر هو مدير عمليات قوة مساندة القوات البحرية، ومقرها طرابلس، وهي عبارة عن وحدة تتكون من 95 رجلاً تهدف إلى مساعدة خفر السواحل الليبي على تأمين شواطئ الدولة بين الزاوية والخمس. ولم تستطع القوة التي يرأسها بشر القيام بدوريات منذ 18 يناير نظراً لتعطل أكبر زوارقها، الذي يبلغ طوله نحو 10 أمتار.

ولكي تستطيع الوحدة وقف ما يسميه بشر "رحلات الموت"، فإنها تحتاج إلى ثلاثة زوارق دورية على الأقل، فضلاً عن قطع غيار لإصلاحها حال عطبها.

"لقد طلبت من الحكومة ذلك ولكنها لا تأخذ هذه المسألة على محمل الجد، لذا نحتاج إلى مساعدة من المجتمع الدولي".

mg/ks/ag-kab/dvh"