هل تدفع مأساة المهاجرين الأخيرة الاتحاد الأوروبي للتحرك؟

في صبيحة يوم السبت، نشرت ذي صن"، الصحيفة ذات التوجهات اليمينية التي تحظى بشعبية في بريطانيا، مقالاً بقلم أحد أكثر كتابها استفزازاً تحت عنوان: "قوارب إنقاذ؟ أود أن استخدم سفناً حربية لوقف المهاجرين". وذهب كاتب العمود إلى أبعد من ذلك فشبه المهاجرين بأنهم مثل "طاعون من البشر المتوحشين" الذين حولوا البلدات البريطانية إلى "قروح متقيحة". 

وعقب ساعات من نشر المقال، بدأت أخبار المأساة الأخيرة في البحر الأبيض المتوسط في الظهور، حيث قضى ما لا يقل عن 800 مهاجر، بمن فيهم العديد من الأطفال، حتفهم إثر غرق قاربهم الخشبي المتهالك قبالة الساحل الليبي.

ويأمل المرء أن يكون الكاتب، بل والمحرر الذي نشر المقالة، قد شعر بشيء من الخزي على الأقل. ولكن لهجة المقال، وحقيقة أنه أثار قدراً كبيراً من ردود الفعل المؤيدة من جانب القراء، يوضح بجلاء المأزق الذي يواجه الاتحاد الأوروبي الآن بشأن الهجرة.

ورغم التحسر والأسف الذي أبداه الرأي العام على المأساة التي وقعت نهاية الأسبوع الماضي، إلا أن السياسيين الأوروبيين يتعاطون مع القضية بقدر كبير من الخوف. ذلك أنها مثيرة للجدل على نحو كبير في جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والشيء المسلم به في أوساط السياسيين هو أن الظهور بمظهر "اللين" بشأن الهجرة، طريق مضمون لخسارة أصوات الناخبين.

والجدير بالذكر أن الحكومة البريطانية رفضت نهاية العام الماضي، ربما آخذة في اعتبارها الانتخابات العامة المزمع إجراؤها الشهر القادم، دعم استمرار "عملية بحرنا"، وهي جهود البحث والإنقاذ التي تقوم بها إيطاليا في منطقة البحر الأبيض المتوسط، متعللة بأن ذلك يعد "عامل جذب" يشجع المزيد من المهاجرين للقدوم إلى أوروبا.

تقليص جهود الإنقاذ رغم نمو أعداد المهاجرين

وعلى الرغم من التحذيرات المتكررة من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، لم يتدخل الاتحاد الأوروبي لتوفير التمويل لمواصلة "عملية بحرنا".

بدلاً من ذلك، أطلق "عملية تريتون"، وهي جهد أقل بكثير يتم بقيادة الوكالة المعنية بمراقبة الحدود في الاتحاد الأوروبي، التي تعرف باسم "فرونتكس"، مع التركيز على القيام بدوريات في مياه الاتحاد الأوروبي بدلاً من البحث والإنقاذ.

واليوم، تحققت التحذيرات بشكل مأساوي: فقد ساعدت الاضطرابات التي تعصف بكثير من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في زيادة أعداد الوفيات في البحر الأبيض المتوسط لتصل إلى 1,800 شخص، وهو رقم يفوق مثيله في مثل هذه الفترة من العام الفائت بنحو 30 مرة.

ى أن نتجاوز في غضون أسابيع من هذا العام إجمالي عدد المهاجرين الذين لقوا حتفهم غرقاً في البحر الأبيض المتوسط في عام 2014 الذي وصل إلى 3,279 مهاجراً

وفي هذا الصدد، قال جويل ميلمان، من المنظمة الدولية للهجرة للصحافيين في جنيف هذا الأسبوع: "نخشى أن نتجاوز في غضون أسابيع من هذا العام إجمالي عدد المهاجرين الذين لقوا حتفهم غرقاً في البحر الأبيض المتوسط في عام 2014 الذي وصل إلى 3,279 مهاجراً.... فربما يصل العدد إلى أكثر من 30,000 قبل نهاية هذا العام".


إذن ما هي الإجراءات التي ينوي الاتحاد الأوروبي القيام بها للحيلولة دون تحقق مثل هذه التوقعات؟

في اجتماع طارئ عقد الاثنين، وضع وزراء الخارجية والداخلية في الاتحاد الأوروبي خطة عمل من 10 نقاط، من المقرر أن يتم وضع اللمسات الأخيرة عليها في قمة زعماء الاتحاد التي ستعقد اليوم.

ومن بين المقترحات الأكثر وضوحاً تضييق الخناق على المهربين عن طريق مصادرة قواربهم وتدميرها، وتعزيز التحقيقات على نطاق أوروبا.

وتشمل المقترحات الأخرى توسيع منطقة عمليات "تريتون"، وضمان أخذ بصمات جميع المهاجرين، ولكن لا يوجد حتى الآن اقتراح بتوسيع مهمة البحث والإنقاذ.

وفروا للاجئين بديلاً قانونياً

من جانبه، يدعو فولكر تورك، رئيس المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للحماية الدولية، إلى بذل المزيد من الجهود. ويقول أنه يود أن يرى التزامات لتوفير المزيد من القنوات القانونية للأشخاص اليائسين الذين يُقدِمون على رحلات محفوفة بالمخاطر عبر ما يعد الآن المساحة الأكثر خطورة من المياه في العالم.

وتجدر الإشارة إلى أنه كان من بين الناجين من حطام السفن التي غرقت الأسبوع الماضي، صبياً سنغالياً يبلغ 16 عاماً، يأمل في العثور على فرصة عمل تمكنه من إرسال أموال إلى أشقائه الأصغر سناً في السنغال، وسيدة سورية مع طفلها، تأمل في الحصول على اللجوء في أوروبا. بالنسبة لهؤلاء، كان السبيل الوحيد لتحقيق تلك الأحلام هو وضع ثقتهم وأموالهم في أيدي مهرب عديم الضمير.


وتقدر المفوضية أن ما يصل إلى 40 بالمائة من أولئك الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط هذا العام هم من طالبي اللجوء الفارين من الصراع والاضطهاد في سوريا والعراق وإريتريا وأماكن أخرى.

وفي هذا السياق، يرى تورك أن تدمير القوارب التي يأمل المهاجرون في السفر عليها، لن يعالج الأسباب الجذرية لفرارهم. وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "هناك أزمة إقليمية على أعتاب أوروبا...(في) سوريا وليبيا. لقد عدت للتو من العراق. وهذه الأزمة لا تنحسر".

ويرغب تورك أن يرى التزاماً راسخاً من أوروبا بقبول إعادة توطين عدد أكبر من اللاجئين. ففي عام 2014، قبلت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي 7,525 مهاجراً فقط، على الرغم من أن ألمانيا منحت اللجوء الإنساني لـ 10,000 آخرين من سوريا.

وأضاف قائلاً: "لقد طلبنا إعادة توطين حوالي 130,000 لاجئ على الأقل، وهم الفئات الأكثر ضعفاً بينهم ... ولكننا نعلم أن هذا لن يكون كافياً. هناك حاجة ماسة إلى الالتزام بإعادة توطين عدد أكبر".

وفي الوقت الذي يسمح فيه الاتحاد الأوروبي لمواطنيه بالتجوال بحرية عبر الدول الأعضاء الـ 28، بما في ذلك عبور الحدود والبحث عن عمل حيثما شاؤوا، فقد وضع عقبة لا يمكن لأي شخص آخر التغلب عليها.

بالإضافة إلى إعادة التوطين، تدعو الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات إلى إتاحة مزيد من السبل القانونية، مثل إصدار التأشيرات الإنسانية لطالبي اللجوء وتأشيرات عمل مؤقتة للمهاجرين لأسباب اقتصادية.

ولكن خطة العمل التي يتبناها الاتحاد الأوروبي لا تتضمن إلا التزامات غامضة بشأن هذه المسائل. فيما يتعلق بإعادة التوطين، تقترح "مشروع تجريبي تطوعي"، من دون أي ذكر لأرقام محددة. وفيما يخص البدائل القانونية للهجرة غير النظامية، تكتفي فقط بـ "بحث خيارات لإنشاء آلية لإعادة التوطين في حالات طوارئ".

هل يوجد خلاف أوروبي؟


خلال تقديم خطتهم يوم الاثنين، بدا وزراء الاتحاد الأوروبي متفقين. وقالت فيديريكا موغيريني، منسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، أنه تم التوصل أخيراً إلى اتفاق على ضرورية أن تتحرك أوروبا بشكل جماعي.

ولكن خلف هذا الاستعراض العلني للوحدة، من الواضح أن لدى كل دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أفكاراً مختلفة جداً حول كيفية التعامل مع الأزمة في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

فقد أعلنت تيريزا ماي، وزيرة الداخلية البريطانية بشكل جلي أنها تفضل التركيز على تضييق الخناق على المهربين.

وعلى نحو أقل علانية، يُعتقد أن وزارة الداخلية تفضل السياسة التي تنتهجها الحكومة الأسترالية وهي اعتراض قوارب المهاجرين وردها إلى حيث أتت. وقد جلبت هذه السياسة انتقادات حادة من قبل الأمم المتحدة، حيث قال أحد مسؤولي المنظمة أن اقتراحاً من هذا القبيل "يصيبنا بالإحباط".

على الجانب الآخر، تريد ألمانيا، التي تلقت حتى الآن أكبر عدد من طلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي، أن ترى المزيد من تقاسم الأعباء، بحيث يتم توزيع طالبي اللجوء بطريقة أكثر عدلاً بين الدول الأعضاء. ولكن من الصعب تخيل أن تقبل بريطانيا، التي يتزايد تشككها إزاء منطقة اليورو، بطالبي اللجوء الذين سعوا أولاً إلى الحصول على الحماية في ألمانيا، كجزء من اتفاق لتقاسم الأعباء.

وتعتقد إيطاليا واليونان، اللتان تواجهان صعوبات في التعامل مع المآسي اليومية على شواطئهما، أنه ينبغي أن يشمل الاتفاق المشترك تقديم المزيد من الدعم المالي للبلدان التي تقع على خط مواجهة أزمة الهجرة. ولكن التداعيات السياسية المحلية في حال مطالبة ألمانيا، مرة أخرى، بتحويل أموال إلى بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي تواجه ضائقة مالية في الجنوب، يجعل هذا الأمر غير مرجح.

وفي نهاية المطاف، قد تثبت المصالح الوطنية أنها أقوى من الرغبة الجماعية في إنقاذ الأرواح في البحر الأبيض المتوسط. ونتيجة لذلك، ربما لا يجلب اجتماع اليوم أي التزامات ثابتة، لاسيما بشأن إعادة التوطين.

وفي ديسمبر الماضي، حذر زيد بن رعد الحسين، المفوض الجديد للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاتحاد الأوروبي من أن سياسته بشأن الهجرة قد تحول أوروبا إلى "كراهية الأجانب" وإلى "مجتمع مُسيّج" يتجنب مواطنوه النظر إلى بقع الدم على الدرب".

وإذا لم يستطع الاتحاد الأوروبي التوحد من منطلق السخاء والإنسانية، فربما يصبح ما حذر منه زيد حقيقة واقعة.

if/ks/ag-ais/dvh

"