المنظمات الإنسانية تفقد ملايين الدولارات بسبب تقلب أسعار العملات

قد تكلف تقلبات العملة هذا العام المنظمات الإنسانية مئات الملايين من الدولارات على شكل إيرادات مفقودة، مما يهدد المساعدات المقدمة إلى ملايين المحتاجين في جميع أنحاء العالم.

فقد أدى الانخفاض في قيمة اليورو مقابل الدولار والارتفاع الحاد في الفرنك السويسري إلى نقص في تمويل برنامج الأغذية العالمي واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وعدد آخر من الوكالات.

وفي وقت تواجه فيه مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالفعل صعوبات بسبب عدم كفاية التمويل في ظل اندلاع عدد متزايد من الأزمات حول العالم، سوف تضطر المنظمة الآن إلى تقليص ميزانيتها العالمية لعام 2015 بنحو 190 مليون دولار، حسبما أفادت.

وفي هذا الصدد، قالت آريان روميري المتحدثة باسم المفوضية: "العجز [في التمويل] أكبر مما كنا نتوقع، وهذا يؤثر على كل من الأنشطة ذات الأولوية المزمع القيام بها فعلاً، وعلى حالات الطوارئ الجديدة المحتملة التي قد تقع أيضاً".

وقد بدأت المفوضية فعلاً في تنفيذ التخفيضات – التي تمثل 7 بالمائة من ميزانيتها التشغيلية المتوقعة هذا العام التي تصل إلى 3.5 مليار دولار. وفي هذا الصدد، قال جورج اوكوث-أوبو، المفوض السامي المساعد للعمليات خلال مؤتمر للمنظمات غير الحكومية عقد في جنيف في وقت سابق من هذا الشهر أن المفوضية تطلب الآن من بعض المنظمات غير الحكومية الشريكة التوقف عن تعيين موظفين للمشاريع التي تم الاتفاق عليها مسبقاً.




وتجدر الإشارة إلى أن قيمة اليورو تتناقص منذ الصيف الماضي نتيجة لمجموعة من القضايا السياسية والسياسات الاقتصادية، لكن قيمة اليورو انخفضت 12 بالمائة مقابل الدولار الأمريكي منذ شهر يناير. ومن بين أكبر 20 جهة مانحة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، هناك سبع جهات تدفع باليورو بما في ذلك الاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من أن اليورو وعملات أخرى مربوطة باليورو تشكل معاً قرابة 30 بالمائة من المساهمات المعتادة للمفوضية، إلا أن انخفاض قيمة الين الياباني، فضلاً عن الدولار الكندي والاسترالي، يؤثر أيضاً على قيمة المساهمات المتوقعة، حسبما قالت روميري.



كما أن المنظمات غير الحكومية الموجودة في مدينة جنيف السويسرية، التي تعد مركزاً عالمياً للمنظمات الإنسانية، كانت أيضاً عُرضة للتقلبات في قيمة الفرنك السويسري، الذي ارتفع بنسبة 30 بالمائة مقابل الدولار بين عشية وضحاها في شهر يناير بعد أن رفع البنك الوطني السويسري سعر الصرف الثابت، ما قاد إلى ارتفاع قيمة العملة بنسبة 1.20 مقابل اليورو ليتساوى معه. وقال جيمي ماكدونالد، منسق الشؤون المالية والإدارة في مشروع تقييم القدرات ACAPS، وهي منظمة متخصصة في بحث وتقييم الاحتياجات الإنسانية ومقرها جنيف: "بين عشية وضحاها، ربما ارتفعت [تكاليفنا في جنيف] بنحو 15 بالمائة أو نحو ذلك ... لقد كان مصدر قلق كبير لنا".

ودفعت الخسائر التي تقدر بحوالي 300,000 دولار مشروع ACAPS إلى خفض عمليات الانتشار الميداني وتقليص الأنشطة الأخرى. ورغم أن الفرنك السويسري قد ارتفع قليلاً ويعادل الآن نحو 1.05 يورو ولكن الوكالات لا تزال حذرة.

وقال لارس بيتر نيسن، مدير ACAPS لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لأننا مشروع صغير، فإننا عرضة للتأثر بشكل كبير ...إنه يضر بنا حقاً."

وفي حين أن أكثر من 250 منظمة إنسانية وحقوقية وتنموية، تتخذ من جنيف مقراً لها، إلا أن لدى هذه المنظمات عمليات في جميع أنحاء العالم. وبالنسبة لهذه المنظمات، تؤدي تقلبات العملة إلى نتائج مختلطة، إذ لم تتأثر تلك المنظمات التي تُمول في معظمها من قبل الحكومة السويسرية وتنفق أموالها بالفرنك السويسري. أما تلك الممولة بعملات أخرى – وخاصة اليورو وتنفق على الصعيد المحلي، فقد تقلصت ميزانياتها بين عشية وضحاها.

وقد رفضت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إعطاء أرقام دقيقة ولكنها قالت أنها ستحتاج إلى توجيه نداء من أجل الحصول على مزيد من التمويلات بغية تغطية الإيرادات المفقودة جرّاء معدلات صرف العملة.

وقالت دوروثيا كريميتساس، المتحدث الرسمي باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر: "في ظل تزايد الاحتياجات الإنسانية في جميع أنحاء العالم، أطلقنا ميزانية قياسية لعام 2015، وفي النصف الأول من العام نسعى للحصول على تمويلات إضافية لسبع دول ... نحن بحاجة إلى المزيد من الأموال لتغطية هذه الاحتياجات، والتقلبات تؤدي إلى تفاقم الوضع".

وبالنسبة لبرنامج الأغذية العالمي، الذي يقع مقره في روما، كانت نحو 60 بالمائة من المساهمات الواردة له في عام 2014 بالدولار الأمريكي و20 بالمائة باليورو.

وصرحت جين هوارد، المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه " في ظل معدلات الصرف الحالية، سوف تقود التمويلات المتوقعة باليورو في عام 2015، إلى فقدان قرابة 6 بالمائة من الإيرادات (بالدولار الأمريكي)، ومن المتوقع أن يحدث تعويض جزئي بنسبة 3 بالمائة على شكل نفقات أقل في جميع أنحاء العالم بفضل قوة الدولار الأمريكي".

ومع مرور السنوات، طورت المنظمات الإنسانية آليات لحماية أنفسها من التقلبات في سعر صرف العملات، بما في ذلك أسعار الصرف المتفق عليها مسبقاً مع الجهات المانحة والموردين. ولكن تقلبات هذه السنة كانت سريعة على نحو استثنائي وحاد، وقد بدأت العديد من الوكالات الآن فقط في التأقلم مع التأثير المحتمل.

"اللاجئون لا يستطيعون تحمل المزيد من تقليص النفقات"

ومن المحتمل أن يؤثر تقليص النفقات الذي تقوم به المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على عمل المنظمات حول العالم. وقالت روميري أن المفوضية ستسعى إلى تحديد أولويات العمل الأكثر أهمية: "لن نُخفض الأنشطة المنقذة للحياة والحماية الأساسية [ولكن] في القطاعات الأخرى، سنحتاج إلى خفض النفقات أو تأجيل بعض الأنشطة". 

ولم تحدد أي من تلك الأنشطة، ولكن دارلي جريسجرابير، من فريق المناصرة في الرابطة الدولية للاجئين Refugees International، قالت أن برامج التعليم والدعم النفسي والاجتماعي غالباً ما تكون المرشحة للتقليص.

وأضافت قائلة: "إذا كان هذا هو خفض عالمي، فمن المتوقع أن يعني عمليات تقليص لكل الأنشطة باستثناء تلك المنقذة للحياة...ويعد التعليم والرعاية النفسية والاجتماعية، بعضاً من المجالات التي يمكن أن يتم تقليصها لأنها لا تعتبر عاجلة".

وقالت جريسجرابير أنه سيكون لعمليات خفض النفقات أثر سلبي كبير: "سيتزايد يأس اللاجئين أنفسهم أكثر فأكثر وسيقومون بأشياء يائسة – كالهجرة عبر البحر على سبيل المثال".

يذكر أن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء والنازحين داخلياً على الصعيد العالمي ارتفع إلى أكثر من 50 مليون في العام الماضي للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. وبينما ازداد التمويل المقدم إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلا أنه لا يواكب الاحتياجات المتنامية. 

وحول هذا الأمر، قالت جريسجرابير: "يتعين على الجهات الإنسانية عاماً تلو الآخر بذل المزيد من الجهود بقدر أقل من التمويل".

وفي أفغانستان، حيث يشهد تمويل المساعدات الإنسانية انخفاضاً في السنوات الأخيرة، قالت مويلان دانييل، مديرة قسم الحماية والمناصرة في المجلس النرويجي للاجئين، أن اللاجئين والنازحين في البلاد "لا يمكنهم تحمل المزيد من التخفيضات في الميزانية". 

وأضافت أن "المنظمات الإنسانية في أفغانستان تعمل جاهدة وتلتزم بمواصلة نفس المسار، ولكن بدون توفر التمويل المناسب، لن يتلقى ملايين الأفغان المحتاجين المساعدة الإنسانية. ونحن نعاني بالفعل من أزمة إنسانية ويجري دفع الأفغان إلى الهاوية".

خفض 500 وظيفة

وفي إطار عمليات خفض النفقات التي تقوم بها، تسعى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أيضاً إلى تقليص الوظائف بنحو خمسة بالمائة- أي ما يصل إلى 500 فرصة عمل. وتجدر الإشارة إلى أن عدد موظفي المفوضية يصل حالياً إلى 9,300 موظف في 125 دولة. 

وقالت روميري، المتحدثة باسم المفوضية، أنها ستسعى إلى تجنب خفض الوظائف القائمة، وبدلاً من ذلك ستترك الوظائف الشاغرة كما هي. وأضافت أنه سيكون للمكاتب الإقليمية المرونة اللازمة للبت في كيفية إجراء التخفيضات عبر عملياتها المختلفة.

وتواصل المفوضية أيضا مراجعة تكاليف مقرها في جنيف-التي تعد واحدة من أغلى المدن في العالم، ويساهم ارتفاع قيمة الفرنك السويسري حالياً في زيادة غلائها. وتماشياً مع منظمات أخرى، نقلت المفوضية في السنوات الأخيرة، بعضاً من أعمالها إلى بودابست ومدن أخرى بغية خفض التكاليف.

وأضافت روميري أن المفوضية تأمل في خفض اعتماد اللاجئين على المساعدات عن طريق الدعوة إلى منح حقوق عمل أفضل للاجئين، مشيرة إلى أنه "ينبغي السماح للاجئين بكسب الدخل الخاص بهم حيثما أمكن".

ولكن يبدو أن العديد من الحكومات تفعل نقيض ذلك، إذ قام لبنان، على سبيل المثال، الذي يستضيف ما يزيد عن مليون لاجئ سوري مسجل، بمنعهم من مزاولة أي عمل.

jd-jm/ha-kab/dvh