المهاجرون الأفارقة في اسطنبول: آمال تتحول إلى مآسي

في مقهى يخلو من أي ملامح مميزة في أحد الأحياء الأكثر فقراً في اسطنبول، يشاهد مهاجرون من أفريقيا مباراة كرة قدم لفريق كونغولي وتصدح في الخلفية موسيقى البوب الأفريقية.

وقال باتريك، الذي يرأس منظمة غير رسمية للجالية الكاميرونية، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نشعر بالراحة هنا، الجميع هنا من الكاميرون أو الكونغو ... ولكن خارج هذا المطعم، الحياة صعبة جداً بالنسبة لنا".

وباتريك، الذي لا يرغب في الإفصاح عن اسمه بالكامل، لم يكن يعرف الكثير عن تركيا قبل وصوله إلى هنا منذ ثلاث سنوات. سمع فقط أن هناك فرصاً للحصول على عمل في اسطنبول، وأن سياسة منح التأشيرات المتساهلة في البلاد قد جعلت السفر إلى هناك أسهل من الدول الأوروبية الأخرى. ولكن بعد ثلاث سنوات من فرص العمل المؤقتة والمتدنية الأجر، يقول باتريك: "لقد كنت مخطئاً في المجيء إلى هنا، فالأمر ليس كما توقعت".

وفي حين انصب اهتمام معظم وسائل الإعلام والمنظمات الإنسانية على تدفق 1.7 مليون لاجئ سوري إلى تركيا، شهدت الدولة في السنوات الأخيرة أيضاً وصول عدد متزايد من المهاجرين الأفارقة بحثاً عن فرص اقتصادية. وعلى الرغم من أن البعض قد تمكن من تأمين فرص عمل ثابتة، إلا أن الكثيرين يشكون من نقص فرص العمل وسوء الأحوال المعيشية والاستغلال في مكان العمل والعنصرية.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات لعدد الأفارقة الذين يعيشون حالياً في تركيا، إلا أن بعض المناطق في اسطنبول، لاسيما مناطق في يني كابي وعثمان بيه وامينونو وكورتولوس تحظى بشعبية خاصة لدى الأفارقة في هذه الأيام. ويُعتقد أن المجموعات الأضخم منهم تنحدر من الصومال ونيجيريا.

وتعزو بريجيت سوتر، الباحثة في جامعة مالمو بالسويد، التي نشرت بحثها عن الأفارقة في اسطنبول، وجودهم المتزايد في المدينة إلى الاضطرابات السياسية الجارية في العديد من الدول الأفريقية، وزيادة العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وبعض الدول الأفريقية، وتطوير الأعمال التجارية الأفريقية والشبكات الشخصية في اسطنبول.

وتعليقاً على هذا، قالت: "لم يكن لدى أي فرد من الذين التقيت بهم أدنى فكرة عن تركيا قبل وصولهم ... بل إن الكثيرين منهم فوجئوا بأن اللغة الإنجليزية ليست هي اللغة الشائعة".

فرص ضئيلة للأفارقة

وقال العديد من الأفارقة الذين أجرت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) مقابلات معهم، أنهم استغرقوا شهوراً قبل أن يتمكنوا من الحصول على عمل يكفي لدفع نفقات الغذاء والإيجار. وخلال فترة البحث عن عمل، غالباً ما استنفدوا أي مدخرات كانت لديهم واضطروا إما إلى الاعتماد على شبكة المعارف من الأفارقة الآخرين في اسطنبول لدعمهم أو طلبوا من ذويهم في الوطن إرسال أموال إليهم.

وعلى الرغم من أن سياسة تأشيرات الدخول إلى تركيا تتسم بالتساهل، إلا أن الحصول على تصريح عمل صعب جداً ولذلك يضطر الكثير من المهاجرين إلى تجاوز فترة المكوث التي تسمح لهم بها التأشيرات السياحية. ولكن عدم وجود مركز قانوني أو معرفة باللغة التركية يجعلهم عرضة للاستغلال من أصحاب العمل.

وصل فرانك، الذي يبلغ من العمر 24 عاماً، من الكاميرون قبل حوالي ثلاثة أشهر بعدما دفع لوكيل سفريات في وطنه لتأمين وظيفة وتأشيرة عمل له ولكن اتضح فيما بعد أنه كان ضحية لعملية احتيال. ومنذ ذلك الحين، لم يجد فرانك سوى فرصتي عمل قصيرتي الأجل فقط، حصل في إحداها على جزء من المبلغ الذي وعده به الوكيل، بينما لم يحصل من الأخرى على أي شيء الإطلاق.

ويعتمد الكثير من المهاجرين على مواطنيهم في الحصول على عمل غير رسمي. ويشتهر السنغاليون ببيع بضائع مثل النظارات الشمسية أو المحافظ في الشوارع، وغالباً ما يعمل النيجيريون في المنسوجات والتجارة، بينما يميل الكاميرونيون للعمل في بيع الملابس. كما ينخرط بعضهم في الجرائم البسيطة والدعارة من أجل تأمين لقمة العيش.

وحتى مع وجود وظيفة، غالباً ما يكون كسب ما يكفي من الدخل لإرسال بعض النقود إلى الوطن – وهو الغرض الرئيسي من المجيء إلى تركيا بالنسبة إلى الكثيرين - أمراً صعباً. ويضطر البعض إلى الاعتماد على التحويلات المالية المرسلة إليهم من أفراد أسرهم في أفريقيا، وهو ما يحبط الهدف من المغادرة في المقام الأول.

وعن الوضع الذي يعيشون فيه، قال فرانك: "كانت الحياة في الكاميرون أفضل بكثير ... هناك عدد كبير جداً من الفئران والجرذان،" مشيراً إلى الشقة التي يعيش فيها مع تسعة كاميرونيين آخرين.

"لقد اعتدت على تناول ثلاث أو أربع وجبات يومياً، ولكنني الآن أتناول الأرز والعصير فقط".

وبينما يستنفد التدفق المستمر للاجئين من سوريا الكثير من موارد المساعدات الإنسانية في تركيا، تعمل بعض الوكالات الإنسانية مع المهاجرين الأفارقة. وتوفر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الدعم النقدي والقانوني للأشخاص المؤهلين للحصول على اللجوء حتى يتمكنوا من إعادة التوطين في بلد ثالث (وتسمح تركيا للاجئين من الدول الأوروبية الأخرى فقط بالبقاء)، وتقدم العديد من المنظمات الإنسانية الرعاية الصحية في حالات الطوارئ والغذاء والملابس للنساء والأطفال.

وقد تفاقم الشعور السائد بالمرارة عندما بدأت الحكومة التركية في إصدار تصاريح عمل مؤقتة للسوريين في أواخر العام الماضي.

وقالت سوتر أن المهاجرين الذين قابلتهم قالوا لها أن المجتمع التركي بصورة عامة 'لم يتعود على ذوي البشرة السوداء'.

وقال العديد من المهاجرين لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنهم ينزعجون من استغراب الشعب التركي للون بشرتهم فيما قالت إحدى السيدات أن التحرش الجنسي أمر شائع.

وقال فرانك: "هذه الدولة ليست للسود".

إلى اليونان والعودة مرة أخرى

ويأتي الكثير من الأفارقة إلى تركيا أملاً في استخدامها كنقطة انطلاق إلى بلدان أخرى في أوروبا، بينما يحاول البعض الآخر تكرار الرحلة بعد فشله في العثور على عمل ثابت في اسطنبول. وعلى الرغم من أن تركيا ظلت نقطة العبور إلى أوروبا منذ عقود، لكن الأزمة في سوريا حفزّت تجارة تهريب البشر.

وفي أواخر العام الماضي، دفع إيلوي، وهو مواطن كاميروني أيضاً، قرابة 2,100 دولار لتهريبه من تركيا إلى اليونان، ولكن السلطات التركية اعترضت السفينة التي كان يستقلها فاضطرت للعودة من حيث أتت. وتم احتجاز إيلوي مع 43 شخصاً كانوا على متن السفينة، من بينهم سوريون وعراقيون وأفغان وأفارقة آخرون، لمدة أسبوعين قبل أن يطلق سراحه.

وعن تجربته هذه، قال إيلوي: "لقد كانت مرعبة ... ولكن يجب أن أحاول مرة أخرى، لأنني أخشى أن يتقدم بي السن وأنا هنا".

وتجدر الإشارة إلى أن عبور البحر إلى أوروبا أمر في غاية الخطورة. فقد لقي ما يقرب من 400 شخص حتفهم خلال الشهرين الأولين من عام 2015، وهم يحاولون عبور البحر الأبيض المتوسط، بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وقال كريس، وهو مواطن نيجيري يحصل على عمولات جراء تعريف الأشخاص الراغبين في الهجرة بالمهربين أن "معظم الناس ينجحون في ذلك". وأضاف قائلاً: "بمبلغ 2,000 يورو، اعتماداً على ما تريد، يمكنك الوصول إلى اليونان [براً] من أدرنة أو [بحراً] من إزمير... لكن على مسؤوليتك الخاصة".

وتنص اتفاقية إعادة القبول بين تركيا والاتحاد الأوروبي على أنه يمكن إعادة غير الأوروبيين الذين يلقى القبض عليهم وهم يعبرون الحدود بصورة غير شرعية للوصول إلى اليونان إلى تركيا، ما يعني أنه سينتهي الحال ببعض المهاجرين في نهاية المطاف إلى حيث بدؤوا في اسطنبول.

إنها دورة يأمل فرانك في تجنبها. وعقب أشهر من التنقل من متجر لآخر بحثاً عن عمل دون جدوى، أصبح مستعداً للعودة إلى الوطن، على الرغم من أن جمع المال لذلك لن يكون سهلاً. وقال: "أعتقد أن الذهاب [إلى أوروبا] هو مخاطرة كبيرة ولا أستطيع البقاء في هذه الدولة بعد الآن".

"أنا سعيد بأنني جئت إلى هنا... لقد أدركت الآن أنني أحب أفريقيا".

mk/ks/rh-kab/dvh