تأجيل السلام في جنوب السودان يعني غياب العدالة لضحايا جرائم الحرب

حذر مفاوضون إقليميون من أن محادثات الأسبوع الماضي كانت "الفرصة الأخيرة" للأطراف المتحاربة في جنوب السودان للتوصل إلى حل للصراع، ولكن لم تكف تهديدات المجتمع الدولي بفرض عقوبات جديدة لحمل الجانبين على التوصل إلى اتفاق.

وقد باءت المحادثات التي استؤنفت الأسبوع الماضي في أديس أبابا بالفشل على الرغم من تعليق الكثير من المراقبين أهمية كبيرة على هذه الجولة من المفاوضات. ويعد هذا الفشل بمثابة ضربة كبيرة ليس فقط بالنسبة للآمال المعلقة على قرب وضع حد للقتال، ولكن أيضاً بالنسبة للجهود المبذولة في السعي إلى تحقيق العدالة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان المروعة التي تمت على مدى الأشهر الـ 15 الماضية.

وفي هذا الصدد، قال نشطاء المجتمع المدني أن تحقيق السلام أمر ضروري لمواصلة المساءلة عن هذه الجرائم، التي تشمل عمليات القتل المستهدف بسبب العرق والتعذيب والاغتصاب. وتمثل المساءلة أمراً بالغ الأهمية إذا كانت الدولة تأمل في كسر ما يصفه بعض الناشطين بأنه دورة، ليس فقط للإفلات من العقاب، ولكن لمكافأة العنف بسلطة سياسية كذلك.

ولكن في ظل واقع المحادثات المتعثرة، ترى جماعات حقوق الإنسان المحلية والدولية أن العدالة لا يجب أن تكون رهينة للمفاوضات. وبدلاً من ذلك، فإنهم يحثون الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي للبدء على الأقل في تطوير آلية للمساءلة حتى يعلم الجناة أنه عندما تضع الحرب أوزارها سيكون هناك حساب لكل من شارك في مثل هذه الانتهاكات.

وربما يكون تقرير الأمم المتحدة الذي صدر في شهر مايو الماضي بمثابة تحقيق شامل في الجرائم ضد الإنسانية التي حدثت في جنوب السودان. ورغم مرور ما يقرب من عام على إصداره، إلا أنه لا يزال يقدم نافذة على حجم التجاوزات التي ارتكبت بحق المواطنين.

ويوثق تقرير الأمم المتحدة هذا حادثة وقعت في بداية القتال عندما اتهم جنود حكوميون بالقبض على أكثر من 300 شخص من المدنيين الذين ينتمون إلى الأصل العرقي نفسه الذي ينتمي إليه رياك مشار، نائب الرئيس السابق وزعيم حركة التمرد حالياً، وقاموا بقتلهم. وفي حادثة أخرى وقعت في شهر أبريل، بعد اجتياح بانتيو، عاصمة ولاية الوحدة، وردت تقارير عن قيام القوات الموالية لرياك مشار بذبح مئات المدنيين المختبئين في المستشفيات والمساجد والكنائس.

واستمرت أعمال القتل والاغتصاب جنباً إلى جنب مع غيرها من الفظائع. وفي شهر فبراير، تم تجنيد مئات الأطفال قسراً في مدينة ملكال التي تقع شمال شرق البلاد على يد إحدى الميليشيات المنحازة للحكومة. ولا يتوفر حتى الآن عدد رسمي للقتلى منذ اندلاع القتال، ولكن تقديرات المسؤولين تشير إلى أن العدد يصل إلى عشرات الآلاف، إضافة إلى نزوح قرابة 1.5 مليون شخص وهروب 500,000 آخرين إلى الخارج.

دفن الجرائم

وهناك سجل لقيام جنوب السودان بدفن مثل هذه الأنواع من الجرائم. وقد عرضت الحكومة خلال تاريخها القصير، عفواً شاملاً على قادة المتمردين "المسؤولين عن بعض أسوأ الأفعال التي يمكن أن يرتكبها الإنسان بحق الآخر"، كما قال ديفيد دينغ، مدير جمعية القانون في جنوب السودان- وهي جزء من نمط أنشئ قبل استقلال جنوب السودان عن الخرطوم في عام 2011.

وتجدر الإشارة إلى أن التمرد الذي يقوده الجيش الشعبي لتحرير السودان منذ عقود ضد الشمال قد أفسدته النزاعات الداخلية. وجاءت الحادثة الأكثر خزياً عندما انشق مشار، أحد كبار القادة، من الجيش الشعبي لتحرير السودان في عام 1991، إذ قام الجنود الذين انشقوا معه بذبح آلاف المدنيين في عاصمة ولاية جونقلي في حادثة تعرف باسم مذبحة بور. بيد أن هذه المذبحة لم تمنع مشار من الانضمام إلى الجيش الشعبي بعد مرور أكثر من عقد من الزمان وترقيه لمنصب نائب الرئيس في أول حكومة يتم تنصيبها في البلاد.

وتأمل القيادة من خلال التهرب من مثل هذه الأعمال الوحشية، في "الإبقاء على حشد المنطقة من أجل القضية الكبرى، وهي جهد التحرير"، حسبما كتب جوك مادوت جوك، مؤسس معهد سود، في جوبا، في ورقة بحثية صدرت مؤخراً. ولكن ذلك عمّق المظالم وأدى في ظل الصراع الحالي إلى دفع العديد من مقاتلي المعارضة إلى حمل السلاح ضد الحكومة.

وقد ساهم ترقي مشار والعفو عن قادة المتمردين أيضاً في تكوين تصور في جنوب السودان بأنه "إذا لم تقتل الناس، فأنت غير مهم، ولن تحصل على مقعد على الطاولة"، وفقاً لما قاله نيكولو ايه فيجا-تالامانكا، الأمين العام لمنظمة "لا سلام بدون عدالة" التي تتخذ من روما مقراً لها، الذي يرى أيضاً أن "كسر حلقة الإفلات من العقاب من شأنه أن يكسر هذه الدينامية" ويضع جنوب السودان على مسار مختلف.

ومنذ اندلاع القتال في شهر ديسمبر، عقدت مجموعة من القيادات الدينية والسياسية من جنوب السودان العزم هذه المرة على أنه لن يكون هناك أي إفلات من العقاب. ودعت هي وجماعات حقوق الإنسان الدولية، مبكراً ولأكثر من مرة إلى ضرورة التحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتقديم الجناة للعدالة.

وقال وليام أونجورو بيتر أن هذا يعكس إرادة الكثير من الناس في جنوب السودان. وبيتر هو منسق البرنامج الوطني للسلام والمصالحة، وهي هيئة مستقلة مكلفة من قبل زعماء سياسيين ورجال دين بإعادة الوحدة لجنوب السودان مرة أخرى. وقد سمع بيتر جولاته في شتى أنحاء الدولة دعوات تطالب بإحلال السلام، ولكن ليس على حساب المساءلة. وقال أن الناس يرغبون في مناقشة "مستقبل أولئك الذين ارتكبوا جرائم ضد إخوانهم وأخواتهم من المواطنين".

محكمة مختلطة أم المحكمة الجنائية الدولية

وقد توصل المجتمع المدني في النهاية إلى تشكيل محكمة مختلطة، وهي عبارة عن مزيج من مسؤولين دوليين ومسؤولين من جنوب السودان وقضاة للتحقيق في القضايا الأكثر خطورة ومحاكمة المتورطين فيها. ويمكن أن تتخذ المحكمة من جنوب السودان مقراً لها أو يتم تحويلها إلى دولة مجاورة حال وجود مخاوف بشأن حيادها أو غياب الأمن. وفي ورقة عمل صادرة عن جمعية القانون في جنوب السودان، قال دينغ أن النموذج الهجين "سيساعد جنوب السودان في التغلب على القيود التي تحد من القدرات" - بما في ذلك النظام القضائي المتخلف - وسيتيح في الوقت ذاته إجراء المحاكمات "التي تفي بالمعايير الدولية".

وفي فترة ما، بدا أن اقتراحهم على وشك الحصول على تصويت بالثقة من الاتحاد الأفريقي. ففي مارس 2013، شكّل الاتحاد الأفريقي لجنة تحقيق لم يسبق لها مثيل برئاسة الرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانجو، وكلفها بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في النزاع.

وأقر أوباسانجو بأنه كان يميل إلى التوصية بإنشاء محكمة مختلطة. وتوقعت جماعات المجتمع المدني أن يساعدهم تقرير اللجنة النهائي الذي كان من المقرر أن يصدر في شهر يناير، على حشد التأييد لنموذجهم المفضل لتحقيق العدالة. ولكن مجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد الأفريقي اختار بدلاً من ذلك، تأجيل إصدار التقرير إلى أجل غير مسمى حتى لا يتسبب في إرباك المحادثات.

وقال دينغ أنه "هذا قد أثر سلباً على هذه الجهود".

ويعد غياب السلام الأمر الأكثر تدميراً لهذه الجهود لأن هناك، إلى حين توقف القتال، عدداً قليلاً من الخيارات للمضي قدماً في قضية المساءلة. وقال دينغ: "لا يمكن حقاً الحصول على الأدلة اللازمة وإجراء التحقيقات أثناء النزاع".

من ناحية أخرى، ترى أليز كيبلر، المدير المساعد في برنامج العدالة الدولية في منظمة هيومن رايتس ووتش، أنه لا تزال هناك فرصة للدفع باتجاه إنشاء محكمة مختلطة. فقد وقع الطرفان في اتفاق فبراير، بالفعل على قرار بإنشاء "هيئة قضائية مختلطة ومستقلة" تقوم بالتحقيق في أخطر الانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان ومحاكمة مرتكبيها. وأوضحت كيبلر قائلة: "هذه إشارة ممتازة إلى الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة للبدء في العمل معهم على تحقيق ذلك...لقد طرحوا الأمر، والآن حان الوقت للأطراف الأخرى للتحرك" بدءاً بما قد تبدو عملية طويلة لصياغة الصلاحيات الممكنة للمحكمة والاتفاق على هيكلها.

أما إذا تأخر إحلال السلام إلى أجل غير مسمى؟ فترى كيبلر أنه ربما يكون قد حان الوقت عندئذ للبدء في النظر في إحالة الوضع برمته إلى المحكمة الجنائية الدولية. ولكن ينبغي الأخذ في الاعتبار أن مثل هذا التحرك له تداعياته الخاصة، ليس أقلها أن جنوب السودان ليس من الدول الموقعة على اتفاقية روما التي أنشئت بموجبها المحكمة الجنائية الدولية. ولكن عقب مرور 15 شهراً من الأعمال الوحشية دون تحقيق العدالة، تقول كيبلر أنه "يجب أن تكون هناك بعض التحركات الحقيقية لإخضاع المجرمين للمساءلة الجنائية".

ag/oa-kab/dvh