استخدام المشاهير في مناصرة القضايا الإنسانية: بين الواقع والمأمول

هبة علي
مدير تحرير إيرين

لقد كان الأسبوع الماضي حافلاً بالنسبة للمشاهير الذين يناصرون القضايا الإنسانية: فقد وجه الممثل العالمي فورست ويتيكر نداءً لإحلال السلام في جنوب السودان إلى جانب فاليري آموس وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، وافتتحت الممثلة العالمية أنجلينا جولي مركزاً أكاديمياً يُعنى بمكافحة العنف الجنسي في الصراعات مع ويليام هيج، العضو البارز في البرلمان البريطاني، فيما قام لاعب كرة القدم ديفيد بيكهام سفير اليونيسف للنوايا الحسنة بإطلاق مبادرة للأطفال.

ويذكر أن المنظمات الإنسانية قامت في السنوات الأخيرة باستخدام المشاهير في مناصرة القضايا الإنسانية بشكل متزايد بغية رفع الوعي وجمع التمويلات لقضاياها. غير أن هناك عقبة واحدة فقط: فهذه الحملات في الواقع غير ناجحة. على الأقل ليس بالقدر أو بالطريقة التي نتصورها، إذ تشير البحوث التي أجراها البروفيسور دان بروكينجتون، الأستاذ في جامعة مانشستر، إلى أن استجابات الجمهور للأنشطة التي يقوم بها المشاهير ضعيفة بشكل لافت للانتباه. ويعد هذا العمل هو البحث الكمي الأول من نوعه في هذا الموضوع.

وفي هذا الصدد، قال بروكينجتون لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إن استخدام المشاهير للوصول إلى جمهور أوسع نطاقاً، أي في الوصول إلى كتل كبيرة من الجماهير واجتذاب اهتمام وسائل الإعلام ليس بالتأكيد هو الحل السحري كما قد يبدو للبعض". جاء ذلك على هامش المؤتمر الذي عُقد في الفترة من 6 إلى 8 فبراير في جامعة ساسيكس، حيث قدم البحث الذي نشره مؤخراً في كتاب بعنوان "مناصرة المشاهير للقضايا الإنسانية والتنمية الدولية".

وفي دراسة استقصائية أجراها البروفيسور بروكينجتون على 2,000 بريطاني، تعرّف 95 بالمائة من المستجيبين على خمس أو أكثر من المؤسسات الخيرية المدرجة في الدراسة والتي بلغ عددها 12 مؤسسة، بما في ذلك الصليب الأحمر البريطاني، ومنظمة إنقاذ الطفولة-المملكة المتحدة ومنظمة أوكسفام. وعلى الجانب الآخر، لم يعرف ثلثا الذين استطلعت آراؤهم مناصراً "بارزاً" واحداً لأي من المنظمات (في هذه الحالة، الإعلامي الشهير سيمون كويل والمغنية فيكتوريا بيكهام والتون جون على التوالي، ضمن آخرين).


"الواقعية السياسية قد لا تكون جيدة كما تتصور...ولكنها سوف تمكنك من تحقيق أهدافك"

وقد عززت فرق المناقشات والمقابلات التي أجريت مع أكثر من 100 "مسؤول إعلامي للمشاهير" وكذلك مع إعلامين في المنظمات هذه الاستنتاجات.

علاوة على ذلك، قال بروكينجتون أن الذين يهتمون بالمشاهير قد لا يعرفون بالضرورة القضايا التي يدعمونها.

وقال خلال المقابلة: "غالباً ما يتابع الناس المشاهير لأسباب لا تتعلق بالسياسة"، موضحاً أن السبب هو "المتعة، والأشياء الطريفة الخفيفة. يريدون أن يعيشوا حياتهم...لكنهم لا يشاركون المشاهير في القضايا الأكثر أهمية".

نجومية المشاهير في حالة شبه ركود

وعلى الرغم من تنامي ظاهرة استخدام المشاهير في مناصرة القضايا الإنسانية (الذي يعود بالمناسبة إلى العصر الفيكتوري على أقل تقدير)، إلا أن الإشارة إلى الجمعيات الخيرية في مقالات الصحف العادية والتابلويد عن المشاهير لم تسجل في الفترة بين عامي 1985 و2010 سوى زيادة طفيفة، وذلك وفقاً لدراسة منفصلة للبروفيسور بروكينجتون. وكشفت الدراسة أن "انخفاضاً حدث أيضاً في نسبة المقالات المنشورة في الصحف التي تشير إلى التنمية والمنظمات الإنسانية".

وربما يكون التصور بأن المشاهير يجذبون اهتمام الجمهور للقضايا الإنسانية مبالغاً فيه.

وعقب الزيادة المطردة في تغطية المشاهير في الصحافة البريطانية على مدار أكثر من عقدين، توقفت النسبة المئوية للمقالات التي تذكر كلمة المشاهير (نسبة صغيرة فقط من مجموع المقالات عن المشاهير) عن الزيادة منذ عام 2006، وأصبحت الآن تحوم حول نسبة 4 بالمائة من جميع المقالات، وفقاً للنتائج التي توصل إليها البحث، ما يؤكد صحة النتائج التي توصلت إليها الدراسات السابقة المتعلقة بنفس الموضوع (شملت الدراسة الصحف التالية: الجارديان والتايمز والاندبندنت والديلي ميل وميرور وصن).

كما تظهر إحصائيات صناعة النشر الخاصة بمجلات المشاهير حدوث تراجع في عدد القراء في السنوات الأخيرة عقب النمو المطرد.

مع ذلك، يمكن أن يكون المشاهير ناجحين في جذب اهتمام الجمهور – فقد أحدثت مايلي سايروس ضجة العام الماضي عندما أرسلت رجلاً مشرداً لاستلام جائزة إم. تي. في لأفضل أغنية مصورة، وحققت أغنية بوب جيلدوف عن فيروس الإيبولا نجاحاً مبهراً، كما أن حفلات التبرع عبر التلفزيون التي يقودها المشاهير مثل "كوميك ريليف" في المملكة المتحدة عادة ما تنجح. وقد حصد الخطاب الذي ألقاه الممثل الشهير ليوناردو دي كابريو في افتتاح قمة المناخ لعام 2014 على نحو مليوني مشاهدة على اليوتيوب، وهو ما فاق بكثير عدد المشاهدات التي حظيت بها خطابات العديد من رؤساء الدول الذين تحدثوا في مؤتمر القمة أيضاً.

وقد تكون فعالية مناصرة المشاهير للقضايا الإنسانية في السياقات غير الغربية، التي لم تأخذ حقها في الدراسة، أعلى من ذلك. فعلى سبيل المثال، تستخدم منظمة اليونيسف سفراء على المستوى المحلي أكثر من استخدام سفراء من المشاهير على المستوى العالمي لأنهم غالباً ما يحدثون تأثيراً أفضل في الجماهير المحلية. وقد تكون حملات وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً ناجحة للغاية في بعض الحالات، على الرغم من أنها "لا تغير قواعد اللعبة"، وفقاً للبروفيسور بروكينجتون (للاطلاع على قراءة نقدية لهذا الموضوع، اقرأ مقال بول كوريون حول الأسباب التي جعلت فيديو كوني 2012 يلفت انتباه الجمهور واهتمامه، لكنه فشل في نهاية المطاف).

تأثير دون مساءلة

لكن بروكينجتون قال أن الاهتمام الجماهيري بالمشاهير بشكل عام، على الأقل في المملكة المتحدة، يبدو أقل مما يظن معظم الناس. ولكن الاعتقاد بقوة تأثير النجوم – رغم أنه غير دقيق كما يبدو-لا يزال قائماً: ففي الدراسة الاستقصائية التي أجراها بروكينجتون، قال 74 بالمائة من المستجيبين أنهم يعتقدون أن الأشخاص الآخرين يبدون اهتماماً بالمشاهير أكثر منهم. ووفقاً للإحصائيات، لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً في الواقع، لكنه يثبت نقطة مهمة: إذا أعتقد الناس أن الآخرين يهتمون بالمشاهير، فقد يصبح ذلك توقعاً محققاً.

وقد وجد بروكينجتون أن المشاهير قد لا يكونون ناجحين كما نعتقد فيما يتعلق بلفت انتباه الجمهور، إلا أنهم لا يزالون ناجحين في لفت انتباه السياسيين وصانعي القرار.

لماذا؟

لأن الساسة - مثل معظم الناس - يحبون التواجد حول المشاهير. ولكن لأن السياسيين أيضاً – مثل معظم الناس - يعتقدون أن المشاهير يعبرون عن المشاعر الشعبية، رغم أنهم، في الواقع، لا يفعلون ذلك غالباً. ولذلك فإنهم يمنحونهم الوصول والتأثير.

فعلى سبيل المثال، قدم بن أفليك تقريراً للكونجرس الأميركي حول جمهورية الكونغو الديمقراطية، بينما قدم جورج كلوني تقريراً إلى مجلس الأمن الدولي حول دارفور.

وبالنسبة للعدد الصغير ولكن المتنامي من الأكاديميين الذين يدرسون هذا الموضوع، تثير الفجوة بين المشاهير الذين يناصرون القضايا الإنسانية وانخراط الجمهور سؤالاً أخلاقياً مهماً: إذا كان المشاهير يتمتعون بكل هذه القوة والنفوذ، ومع ذلك لا يمثلون المشاعر الشعبية، فمن يمثلون؟

وفي هذا الصدد، كتبت ألكسندرا كوزيما بودابين، من جامعة دايتون، في كتابها المرتقب بعنوان النزعة الإنسانية للمشاهير والعلاقات بين الشمال والجنوب: "المشاهير لا يدينون بالفضل للجمهور بنفس الطريقة التي يكون عليها المسؤول المنتخب". وأضافت أن "المقترحات المضللة والتدخلات غير الفعالة لا تعرض النجم للخطر، لأنه يتمتع بدعم النخب المالية والسياسية".

من ناحية أخرى، يرى البروفيسور إيلان كابور، الأستاذ في جامعة يورك في كندا ومؤلف كتاب بعنوان "النزعة الإنسانية للمشاهير: أيديولوجية الأعمال الخيرية العالمية" أن الأصوات القوية بشكل متنامي للمشاهير في القضايا المتعلقة بالمساعدات الإنسانية والحد من الفقر والمجاعة قد سمحت لهم "في الغالب بالتقرير نيابة عن الأشخاص الذين يعانون" وإلغاء تدقيق الجمهور والمناقشة.

"…وبالتالي فقد استحوذ أفراد ومنظمات خاصة معظمهم غير منتخبين، لمقاصد وأغراض مختلفة، على الوظائف التي ينبغي أن تكون بالأساس وظائف الدولة/القطاع العام".

نهج ميكافيلي؟

وربما الأمر الأكثر إثارة للاهتمام، الذي وجده بروكينجتون في المقابلات التي أجراها مع موظفي المنظمات غير الحكومية الذين يعملون مع المشاهير الذين يناصرون قضايا إنسانية، هو أن مسؤولي الإعلام يعرفون أن تأثير المشاهير على الجمهور محدود، ولكنهم يستخدمون المشاهير على أية حال لأن ذلك يمكنهم من الوصول والتأثير ليس في الجمهور بل في صناع القرار.

وقال بروكينجتون في مؤتمر عقد بجامعة ساسيكس: "الواقعية السياسية قد لا تكون جيدة كما تتصور...ولكنها سوف تمكنك من تحقيق أهدافك".

وقد يعكس إعلان منظمة اليونيسف عن المبادرة الجديدة للأطفال بواسطة سفيرها للنوايا الحسنة ديفيد بيكهام فهماً واضحاً لهذه النقطة الدقيقة، إذ ينص البيان على ما يلي: "سوف يستخدم ديفيد شهرته العالمية القوية ونفوذه واتصالاته لجمع التمويلات الحيوية وتشجيع قادة العالم لإحداث تغيير إيجابي دائم يصب في مصلحة الأطفال".

وتعترف مالين كامب ينسن، من برنامج سفراء النوايا الحسنة لليونيسف، وهو أحد أول البرامج من هذا النوع وأكبرها، بأن السفراء من المشاهير يقومون "بدور مهم جداً" في توصيل الرسائل إلى صناع السياسة لأن "لديهم سبلاً وطرقاً للتأثير".

ولكنها تؤكد على أهمية إشراك جميع قطاعات المجتمع: "أنت تتواصل مع أكبر عدد ممكن من الناس... لا أعتقد أنه يمكنك فقط أن تقول: 'انسوا الجمهور ودعونا نعتمد على صانعي السياسة فقط. إنه جهد جماعي إلى حد كبير".

ويرى جيفري بريز، سفير الأمم المتحدة لبرنامج السلام، أن الجمهور المستهدف يختلف باختلاف الهدف المحدد من الحملة.

"هل هناك معاهدة بحاجة للتصديق، وأنت بحاجة إلى عدد قليل من الأصوات الإضافية؟ هل هناك أزمة إنسانية وتحتاج دفعة لمساعدة الكونجرس في تخصيص اعتمادات للمساعدات الإنسانية؟ هناك الكثير من اللحظات التي يمكن أن يأتوا ويعطوك دفعة صغيرة. الأمر يتوقف...على ما تحاول تحقيقه".

"صناعة" مناصرة المشاهير

ويتحدى كلا من بريز وينسن الاقتراح القائل بأن المشاهير يعتبرون الحل السحري لإشراك الجمهور، مؤكدين أنهم لا يمثلون سوى إحدى الأدوات فقط من بين جملة الأدوات المستخدمة.

وقال بريز: "نحن نحاول دائماً أن نحدث فارقاً بشكل تدريجي". ولكنه يشكو من أنه وزملاؤه يفتقرون إلى بحوث حقيقية لتقييم مدى التأثير الذي يحققه تواصلهم.

وعندما تم تصوير حلقة نهاية الموسم من برنامج "Project Runway All Stars"، وهو برنامج مسابقات لتصميم الأزياء في مقر الأمم المتحدة، تعرّف مليونا شخص من محبي تصميم الأزياء – وليس الجمهور التقليدي للأمم المتحدة – على عمل المنظمة. ولكن إلى أي حد ترسخ ذلك في ذاكرتهم؟ وهل تغيرت تصوراتهم عن الأمم المتحدة؟

مع ذلك، حذر البروفيسور بروكينجتون من أنه لا يجب المبالغة في قراءة استنتاجاته إذ قال أن مناصرة المشاهير للقضايا الإنسانية يمكن أن تكون ناجحة، شريطة أن يتم استخدامها بطريقة استراتيجية، على سبيل المثال للتأثير على النخب أو جمع الأموال من المؤيدين القائمين لقضية ما.

ولكنه أفاد أن مسؤولي الإعلام للمشاهير هم أنفسهم محبطون من توقعات زملائهم في المنظمات غير الحكومية الذين يتصورون أنه بمجرد استخدام أحد المشاهير في أي حملة، فستنجح المنظمة على الفور في أسر خيال الجمهور.

هل يمكن أن تنفجر الفقاعة في نهاية المطاف إذا أصبح المزيد من الناس على وعي بحدود تأثير مناصرة المشاهير لصالح القضايا الإنسانية؟ يرى بروكينجتون أن ذلك غير محتمل، وذلك نظراً لما أصبح يُعرف الآن بـ "صناعة" مناصرة المشاهير، التي تستثمر فيها المنظمات غير الحكومية الكثير من الوقت والموارد.

"هناك قدراً من الخداع في هذا... [ولكن] كثيراً من الناس لهم مصلحة فيها ويريدونها أن تنجح. كما أن هناك مصالح جماعية قوية تريد استمرارها".

ha/bp-am-kab/dvh