السلام في جنوب السودان: صفقة؟ أي صفقة؟

كانت التوقعات منخفضة بعد مرور أكثر من عام على بدء الصراع الكارثي في جنوب السودان وفشل العديد من اتفاقات السلام، ولكن حتى مع ذلك، يقول بعض المحللين والناشطين أنهم يشعرون بخيبة أمل بسبب ضعف نتائج المحادثات التي أجريت في نهاية هذا الأسبوع.

في الأول من فبراير، وقع رئيس جنوب السودان سلفا كير ونائبه رياك مشار، الذي تحول إلى زعيم للمتمردين، وثيقة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا حول "مجالات الاتفاق" لتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية في المستقبل، بعد أن مزق صراع الرجلين على السلطة أوصال دولة جنوب السودان الوليدة. كما ألزما نفسيهما من جديد باتفاق وقف الأعمال العدائية القائم والذي يتم انتهاكه بشكل متكرر، ووعدا بالتوقيع على اتفاق وقف إطلاق نار دائم، ولكن فقط بعد التوصل إلى اتفاق نهائي.

وقد وصفت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، وهي الهيئة الإقليمية التي قادت - بنسبة نجاح ضئيلة - الجهود المبذولة لإنهاء الحرب الأهلية التي اندلعت بعد عامين فقط من استقلال جنوب السودان، هذه الصفقة بأنها خطوة مهمة نحو التوصل إلى اتفاق سلام شامل من المقرر توقيعه في وقت لاحق من هذا الشهر.

ولكن بعض الأطراف الأخرى كانت أكثر تشاؤماً. ففي حديث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال بيتر بيار أجاك، مدير مركز التحليل والبحوث الاستراتيجية في جوبا عاصمة جنوب السودان: "لم ينتج شيء مهم عن هذه الجولة من المحادثات،" مضيفاً أن الطرفين "لم يوافقا على القضية الأساسية، وهي هيكل الحكومة التي من شأنها أن تضع حداً للصراع".

وتجدر الإشارة إلى أن هذا النزاع أدى إلى إزهاق الآلاف من الأرواح وأجبر نحو مليوني شخص على الفرار من ديارهم منذ أن تصاعد من مجرد انقسام داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLM) الحاكمة في ديسمبر 2013.

وأوضح أجاك أن الطرفين وصلا إلى أديس أبابا وهما يتوقعان استئناف المفاوضات المتعثرة حول هيكل معين لتقاسم السلطة يشتمل على منصب رئيس الوزراء المخصص لمشار. ولكن بدلاً من ذلك، قدمت الإيغاد لهما مخطط حكم مختلف تماماً لم تتم مناقشته من قبل، ويتألف من رئيس ونائب رئيس أول ونائب رئيس. وقد أدت السلطات النسبية لهذين المنصبين الأخيرين إلى نشوب خلافات لم يتم حلها بعد.

"كل من جوبا والمتمردين لديهما اعتراضات جادة على هذا الهيكل [الجديد]،" كما أفاد أجاك.

ورداً على سؤال حول ما إذا كان التوقيع الجديد سيؤدي إلى نهاية أسرع للحرب، قال: "لا أعتقد ذلك. حتى الأمس (الاثنين) كانت هناك تقارير عن قتال في ولاية الوحدة ... وما حدث في أديس أبابا كان سلسلة من الفرص الضائعة بسبب عدم كفاءة فرق الوساطة إلى حد كبير".

وقد أكد متحدث باسم المتمردين، الذين يشار إليهم رسمياً باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة، مصداقية شكوك أجاك.

"لقد حدد الاتفاق فقط ولاية حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية المزمع تشكيلها. ولا تشمل الوثيقة أي اتفاق على هيكل القيادة أو نسب تقاسم السلطة،" كما أفاد المتحدث باسم مشار، جيمس غاديت داك، في تصريح لجريدة سودان تريبيون.

وأضاف قائلاً: "سيتم تشكيل الحكومة الانتقالية بحلول 9 يوليو 2015، إذا تم التوقيع على اتفاق سلام نهائي. ولكن هناك العديد من القضايا العالقة التي تتطلب إجراء مزيد من المفاوضات قبل التوصل إلى اتفاق سلام نهائي".

ومن المقرر استئناف هذه المفاوضات في 19 فبراير، مع تحديد 5 مارس كموعد نهائي لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق تقاسم السلطة.

كما وجه مشروع إناف المزيد من الانتقادات لمحادثات أديس أبابا. وقالت محللة سياسة جنوب السودان جستين فلايشنر في بيان لها، بدلاً من أن تكون نقطة تحول، تظهر النتيجة أن "الإيغاد قد فشلت في التوصل إلى اتفاق مرة أخرى".

وأضافت قائلة: "خلاصة القول هي أنه في غياب النظام الموعود الذي يشمل حظراً إقليمياً على السفر وتجميد الأصول، لا تجد الأطراف المتحاربة سبباً لضبط سلوكها. إن عدم رغبة الإيغاد في فرض عقوبات يرجع جزئياً إلى تعارض المصالح الاقتصادية والعلاقات التجارية الإقليمية. وفي الوقت نفسه، يدفع شعب جنوب السودان ثمن الحرب".

لكن أجاك كان أقل تشاؤماً، وأشار إلى أن الانهيار شبه الكامل لاقتصاد جنوب السودان قد قوض كثيراً من المصالح التجارية هناك للدول الأعضاء في الإيغاد، مثل كينيا وأوغندا والدول المجاورة الأخرى.


قد يكون من الضروري أحياناً تأخير العدالة من أجل تعزيز السلام أولاً، ولكن عملية السلام التي تقودها الإيغاد لا تظهر تقدماً كافياً للإقدام على تلك التضحية

والجدير بالذكر أن جولة المحادثات السابقة التي عُقدت في 21 يناير في مدينة أروشا التنزانية - وهي الأخيرة في قائمة طويلة من الصفقات الفرعية التي تم التوقيع عليها خلال الأشهر الأخيرة، والتي تم انتهاك الكثير منها - اجتذبت انتقادات مماثلة.

أشار معهد سود، وهو مركز أبحاث مقره جوبا، إلى "انفصال واضح" بين المعارضة السياسية التي وقعت على الاتفاق و"القادة العسكريين لجناحها المسلح".

وهناك سبب آخر للقلق تعززه المحادثات الأخيرة في أديس أبابا، وهو أن الرغبة في تأمين اتفاق سلام دائم والحفاظ على مشاركة كير ومشار سيزيد من تأخير نشر تقرير لجنة الاتحاد الأفريقي للتحقيق في جنوب السودان (AUCISS).

وكان من المقرر تقديم هذا التقرير إلى رؤساء الدول في اجتماع مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الافريقي في 29 يناير، ولكن وفقاً لرواية مدير الأبحاث في الجمعية القانونية في جنوب السودان ديفيد دينغ، نجح رئيس الإيغاد ورئيس الوزراء الإثيوبي هايله مريم ديساليغنه في تأخير نشر التقرير حتى يتم تحقيق السلام، خوفاً من أن يعرض عملية الإيغاد للخطر.

وكتب دينغ على موقع African Arguments أن "قرار عدم نشر تقرير لجنة الاتحاد الأفريقي للتحقيق في جنوب السودان يلقي بظلال الشك على آفاق العدالة والمساءلة في جنوب السودان. كما يثير تساؤلات حول ما إذا كان الاتحاد الأفريقي والإيغاد ملتزمان حقاً بإنهاء الإفلات من العقاب الذي يقران هما بنفسيهما بأنه الدافع وراء العنف في البلاد".

وحذر من أن "حجب تقرير لجنة الاتحاد الأفريقي للتحقيق في جنوب السودان قد يعمل في الواقع على تشجيع مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان الجماعية، الذين يشعرون بالفعل بأنه لا يمكن المساس بهم ووأن بإمكانهم الإفلات من العقاب".

وأضاف أن "العام الماضي شهد سلسلة من الاتفاقات لوقف الأعمال العدائية، وتم انتهاكها جميعاً في غضون أيام أو ساعات من التوقيع عليها. وقد نزح 20 بالمائة من السكان، وقُتل عدد غير معروف من الناس وأصبحت العلاقات بين المجتمعات المحلية في أدنى مستوياتها على الاطلاق".

وخلص إلى أن "الأطراف المتحاربة تواصل محاولة تحقيق نصر عسكري بأي ثمن والمدنيين يتحملون العبء الأكبر للنزاع. قد يكون من الضروري أحياناً تأخير العدالة من أجل تعزيز السلام أولاً، ولكن عملية السلام التي تقودها الإيغاد لا تظهر تقدماً كافياً للإقدام على تلك التضحية".

am/ha-ais/dvh