الدرس غير المرئي من منظمة الأطفال غير المرئيين

بول كوريون

بول كوريون هو كاتب عمود في إيرين واستشاري مستقل للمنظمات الإنسانية عمل في السابق في الاستجابات الإنسانية في كوسوفو وأفغانستان والعراق وتسونامي المحيط الهندي

ربما يكون قد فاتك، في خضم سيل من الأخبار الكئيبة التي ترافقت مع بداية عام 2015، الإعلان الذي صدر أواخر العام الماضي عن تقليص أعمال منظمة الأطفال غير المرئيين. بل وربما بالكاد تتذكر منظمة الأطفال غير المرئيين الآن، ولكن منذ سنوات قليلة مضت، كان اسم المنظمة يتردد في كل مكان على شبكة الإنترنت. وكان هذا بفضل فيلم كوني 2012، الذي أصبح الفيديو الأكثر انتشاراً على الإطلاق، بقليل من المساعدة عبر إعادة التغريد من الخبراء المعروفين جيداً في السياسة الأفريقية مثل جاستن بيبر وليدي غاغا.

سلط فيلم كوني 2012 الضوء على الفظائع التي ارتكبها جوزيف كوني، قائد جيش الرب للمقاومة وركز الاهتمام الدولي على رسالة واحدة بسيطة: اقبضوا على جوزيف كوني! وقد أثار هذا قلق المنظمات الإنسانية التقليدية لأنه كشف كيف كانت منظمة الأطفال غير المرئيين أفضل منا في تشكيل الخطاب الإعلامي (وإطلاق المقاطع الموسيقية). لقد كانت حملة مقنعة جداً لدرجة أنها ربما تكون قد أغرت زعيم المتمردين الأوغنديين نفسه بإرسال طلب للحصول على "حزمة لدعم المنظمة" لو أن ذلك سيضع حداً لتلك المقاطع الموسيقية.




أتهم النقاد منظمة الأطفال غير المرئيين بالإفراط في تبسيط الوضع في أوغندا، فضلاً عن المبالغة إلى حد كبير في تأثيرها. ولذلك قد لا نتفاجأ تماماً بأن إعلانها الختامي كان مصحوباً بادعاءات رنانة تفتقر إلى الدلائل التي تدعمها حول الإنجازات التي حققتها. وقد كان هذا أحد الأسباب التي جعلت الكثير من الناس يأخذون موقفاً مناوئاً على الفور تجاه المنظمة، ذلك أن سلوكها قد أعاد إلى الأذهان بعضاً من أسوأ جوانب جمع التبرعات الإنسانية، حتى أن تيجو كول قال أن الهدف منها هو خدمة "المنقذ الأبيض"، في إشارة إلى تلبية الحاجات العاطفية للغرب.

وفي حين أن منظمة الأطفال غير المرئيين ربما كانت مشوشة تماماً حول ما كانت تفعله، إلا أنها كانت تسبق عصرها في جانب فهم للغاية لأن استراتيجية الوسائط الرقمية الأولى التي انتهجتها قد وصلت إلى جمهور مستهدف كان يُنظر إليه في السابق على أنه فاتر سياسياً "معظمه من الشابات الأمريكيات الإنجيليات الأوفر حظاً". ونظراً لهذا الطابع الديمغرافي، فإن جوزيف كوني الحقيقي لم يكن هو المهم: كان كوني كاللورد فولدمورت، الشخصية الشريرة الرئيسية في رواية جي. كيه رولينج، فيما مثّل ابن جاسون راسل المؤسس المشارك لمنظمة الأطفال غير المرئيين دور هاري بوتر.

ولم يكن الشخص الأكثر أهمية في فيلم منظمة الأطفال غير المرئيين، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، هو كوني، ولا حتى الأطفال غير المرئيين، بل أنت، أيها القارئ. ولهذا السبب لم تكن منظمة الأطفال غير المرئيين لتفشل. ليس لأنها لم تفشل – فقد فشلت في الجانب الأكثر أهمية، لأننا لم نقبض على جوزيف كوني ولأن قاعدة مواردها قد انهارت فيما بعد – ولكن لأنها لم تعترف أبداً بأنها فشلت. فالاعتراف بالفشل سيعني تدمير الرسالة وهي أنك – نعم، أنت، المراهق في بلدة صغيرة في وسط غرب أمريكا – تسعى لتغيير العالم.

هذه الرواية كانت أكثر أهمية من أي شيء آخر، فهي توضح الدفاع الحماسي الذي قدمه المؤمنون برسالة منظمة الأطفال غير المرئيين. لم يكن منتقدوها يهاجمون الحملة فحسب، بل كانوا يهاجمون القائمين عليها، إذ يتعين على المرء أن يكون قاسياً بشكل مذهل لكي يدمر آمال جيل كامل، ولكن الواقع غالباً ما يكون مذهلاً وقاسياً على حد سواء. وفي نهاية المطاف، كانت الفجوة بين الرواية والواقع هي التي قادت مباشرة إلى الانهيار المأساوي لجاسون راسل.

وقبل فيلم كوني 2012، قال راسل: "كنت أتصور أن بإمكاني توجيه آراء الناس إلى الحقيقة وإلى الصواب. كنت أعتقد أنه إذا قمنا بعمل جيد، وقلنا الشيء الصحيح، وأخرجنا الفيديو المناسب، وأجرينا المقابلة المناسبة، فإن الناس سيفهمون الحقيقة". وهل كان ذلك درساً قاسياً أن تعلم أن الأمور في العالم لا تمضي بهذه البساطة؟ "هذا ما أثار جنوني" كما قال.

وفي مرحلة ما بعد كوني 2012، كان هناك اتفاق في أوساط العاملين في مجال المساعدات الإنسانية على أننا بحاجة لمعرفة كيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بنفس فاعلية استخدام منظمة الأطفال غير المرئيين لها، ولكن بقدر أكبر من النزاهة. ولكننا لم نتعلم هذا الدرس، لأنه إذا كان هناك شيء واحد يجيده القطاع الإنساني، فهو عدم التعلم. وبدلاً من ذلك تعلمنا أن تحقيق الانتشار هو الهدف الأسمى، ومنذ ذلك الحين ونحن نحاول تحقيق الانتشار-على الأقل حتى نجح فيروس الإيبولا في جعل عبارة "الانتشار" غير مناسبة حقاً.

إن حدود تحقيق الانتشار واضحة: جوزيف كوني لا يزال طليقاً، فيما تغلق منظمة الأطفال غير المرئيين أبوابها. ولو كانت العلامة التجارية هي المشكلة الوحيدة، لكان كل ما يحتاجه جيش الرب للمقاومة هو أن يطلق برنامجاً يطلق عليه "كوني الصغير: الصداقة سحر" على غرار برنامج My Little Pony: Friendship is Magic وسوف يحظى بإعجاب كافة المشجعين للبرنامج في العالم. ولكن حتى أكثر برامج المناصرة مراعاة للمسؤولية لها حدودها. فقد حصد مقطع الفيديو الخاص بمنظمة إنقاذ الطفولة في المملكة المتحدة بعنوان "يوم ثان" A Second a Day الكثير من المشاهدات (ويستحق ذلك لأنه كان ممتازاً)، ولكن الأموال التي جمعها لا تتعدى قطرة في محيط مقارنة مع متطلبات خطط استجابة الأمم المتحدة للأزمة السورية، التي بالكاد حصلت على أكثر قليلاً من 50 بالمائة من التمويل المطلوب في عام 2014.

هذا لا يعني أننا ضد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. فنحن كقطاع إنساني، نحتاج لتحسين قدرتنا على الوصول للجمهور، ولكننا نمضي في الطريق الخطأ. فعلى الرغم من أن لدينا كل هذه الأدوات الهائلة للتواصل والاتصال، ولكن كل استخدامنا لها هو نشر القصص الضعيفة، مطالبين بمزيد من الدعم المالي للمنظمات الخاصة بنا – وقد بدأ الجمهور يدرك هذا ويستاء منه.

لقد كانت الرسالة الضمنية لفيلم منظمة الأطفال غير المرئيين بسيطة: ادعمونا، وأهم شيء بأموالكم، ونحن سنتولى الأمر. وإذا كان هذا الأسلوب يبدو مألوفاً، فلأنه الرسالة الضمنية لكل نداء لجمع التبرعات الإنسانية. المنظمات الإنسانية لا تقوم بربط المتضررين من الكوارث بمن يستطيعون تقديم المساعدة. بل تتوسط بين الفريقين، ومن ثم تساهم في إبقائهما منفصلين.

وهياكل السلطة التي تمنع الفئات الضعيفة من فرص الحصول على الموارد هي الهياكل نفسها التي تمنعهم من الوصول إلى الاتصالات – التي تبين منذ أمد بعيد أنها مورد حيوي في حد ذاته. لذا، يتعين على المنظمات الإنسانية أن تسأل نفسها إذا كانت محاولة التمسك بدور الوسيط – الدور الذي يجمع المال– يتناسب مع أخلاقها الأكثر شمولاً التي تتمثل في تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

لقد حملت منظمة الأطفال غير المرئيين مرآة عكست واقع قطاع المساعدات الإنسانية، وعندما نظرنا إليها لم يعجبنا ما رأيناه. هذه المرآة لم تعد موجودة الآن، ولكن هذا لا يعني أن شكلنا قد أصبح أفضل.

pc/rh/ha-kab/dvh