انتشار العنف والاعتقالات وانعدام الثقة قبل الانتخابات في بوروندي

بعد مرور أسبوعين على اندلاع معركة استمرت خمسة أيام في شمال غرب بوروندي، لم تظهر تفاصيل تذكر حول المجموعة المسلحة التي دخلت البلاد ولقيت هزيمة في نهاية المطاف على أيدي الجيش الوطني. غير أن نشوب القتال وندرة المعلومات  يثيران القلق مع اقتراب موعد الانتخابات المقرر إجراؤها في شهر مايو أو يونيو، وسط مناخ من عدم الثقة بين الحكومة والمعارضة.

لقي حوالي 300,000 شخص مصرعهم خلال الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد في الفترة من 1993 إلى 2005، والتي اندلعت في أعقاب الانتخابات الديمقراطية الأولى في البلاد.

وقد أعلنت السلطات بعض المعلومات عن الأحداث التي وقعت في الفترة من 30 ديسمبر إلى 2 يناير في سيبيتوكي، التي تقع على بعد 50 كيلومتراً شمال العاصمة، موضحة أن 95 من المهاجمين وجنديين ومدنيين لقوا مصرعهم، وتم اعتقال تسعة من المهاجمين.

وقال المتحدث باسم الحكومة فيليب نزوبوناريبا في بيان بثه التليفزيون أن الهجوم "كان يهدف إلى زعزعة الأمن، في الوقت الذي يستعد فيه شعب بوروندي للمشاركة في الانتخابات".

كما تم ضبط 45 بندقية من طراز كلاشنيكوف، و9 قاذفات صواريخ، و5 رشاشات ومعدات اتصالات لاسلكية.

ولكن لم يتم الإفصاح سوى عن معلومات قليلة عن المجموعة التي نفذت الهجوم. فقد أعلن الجيش أنهم جاءوا من مكان يسمى موتاروري في إقليم جنوب كيفو في جمهورية الكونجو الديمقراطية المجاورة. ولكن يقال أن هذا البيان أذهل سكان موتاروري، الذين أكدوا أنه من الصعب على أي جماعة مسلحة أن تعمل في موقع يخضع لمثل هذه الرقابة اللصيقة من قبل قوات جمهورية الكونغو الديمقراطية وبعثة الأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وكانت هناك بعض التكهنات بأن فلول الجماعة المتمردة المعروفة باسم قوات التحرير الوطنية متورطون في هذا الهجوم، بعد أن فروا من قاعدتهم في جمهورية الكونغو الديمقراطية قبل بدء هجوم مشترك من قبل قوات الأمم المتحدة وجيش جمهورية الكونغو الديمقراطية (في حديث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عبر الهاتف الأسبوع الماضي، نفى أحد قادة المتمردين ذلك، ولكنه أضاف أنه يشجع "كل الذين بمقدورهم شن هجمات على حكومة [بوروندي] أن يفعلوا ذلك").

القتل خارج نطاق القضاء

من جانبه، أفاد بيير كلافيه مبونيمبا، الناشط الأبرز في مجال حقوق الإنسان في البلاد، أن 37 من الضحايا في سيبيتوكي كانوا حالات قتل خارج نطاق القضاء تم تنفيذها بعد استسلام الضحايا أمام الشرطة أو ايمبونيراكوري، وهو جناح الشباب شديد التسليح في الحزب الحاكم.

قضى مبونيمبا عدة أشهر في السجن في عام 2014 ولا يزال يواجه تهمة تعريض أمن الدولة للخطر بعد أن ذكر علناً أن شباب ايمبونيراكوري يتلقون تدريبات عسكرية في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وأضاف مبونيمبا، الذي يرأس جمعية حماية حقوق الإنسان والأشخاص المحتجزين: "كانت هناك حالة استسلم فيها أحد المقاتلين الشبان في بلدية موروي [في مقاطعة سيبيتوكي] وتم تسليمه إلى السلطات. فرفض المسؤول المحلي حماية المقاتل، وبعد قليل، أخذه اثنان من رجال الشرطة على دراجة نارية إلى مركز الشرطة، وبعد ثلاثين دقيقة، قيل أن الأسير قد قُتل".

وأشار أيضاً إلى قطع رؤوس بعض القتلى.

وفي السياق نفسه، قال ناشط حقوقي آخر يدعى أرميل نينغيري، الذي يرأس منظمة العمل ضد التعذيب، أن الحكومة ليست صادقة، مضيفاً في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الجيش يقول أنه لا يعرف الذين هاجموا البلاد. كيف يمكنك محاربة مجموعة لعدة أيام دون أن تعرف من هم؟ هذا أمر غير طبيعي في بلد لديه جهاز مخابرات نشط".

وحذر من أن "هذا الصمت يعني أنهم يخفون عنا شيئاً،" مشيراً إلى وجود خطة لاستغلال هذا الهجوم لاعتقال منتقدي الحكومة.

كما عبر السياسي المعارض ليونس نغينداكومانا، الذي يرأس التحالف الديمقراطي من أجل التغيير - إيكيبيري، عن شكوك مماثلة: "يقول الجيش أنه حارب جماعة مسلحة لمدة أسبوع دون معرفة هويتها. مع ذلك، يقول الجيش نفسه أن تلك المجموعة تهدف إلى تثبيت نفسها في غابة كيبيرا وتجنيد أشخاص لتعطيل الانتخابات. كيف تمكن الجيش من معرفة ذلك، في حين أن الناطق باسمه يقول أن المعتقلين لم ينطقوا بكلمة واحدة؟"

وفي البيان الذي ألقاه نزوبوناريبا، المتحدث باسم الحكومة، حاول جاهداً أن "يستنكر ويدين" السياسيين ومنظمات المجتمع المدني "الذين، بدلاً من أن يدعموا القوات المسلحة أثناء قتالها ضد العدو،" اختاروا أن يصدروا بيانات "تهدف إلى إضعاف معنويات قوات الأمن التي تواجه عدواً من الخارج". وأضاف أن هذا "يدل على انعدام الوطنية".

كما حرص على "طمأنة السياسيين بأنه لن يمسسهم أذى بسبب انتماءاتهم السياسية تحت ذريعة الهجمات الأخيرة".

اعتقال أحد زعماء الشباب

مع ذلك، فقد شهد يوم 15 يناير القبض على باتريك نكورونزيزا، رئيس جناح الشباب في حزب ساهوانيا فروديبو المعارض.

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في مبنى محكمة سيبيتوكي، قال نكورونزيزا: "سألوني عن علاقاتي مع الناس الذين هاجموا سيبيتوكي، فقلت لهم أنني سياسي مخلص للديمقراطية ويدافع عن المثل الديمقراطية، وليس من بين خياراتي حمل السلاح،" مضيفاً أنه اتُهم زوراً أيضاً بإعلان نيته للاطاحة بالحكومة على الملأ.

وذكر نغينداكومانا، الذي يرأس أيضاً حزب حزب ساهوانيا فروديبو، أن الحكومة "تحاول العثور على شخص أو مجموعة من الأشخاص أو حزب سياسي لإلقاء اللوم عليهم" بتهمة شن هجمات سيبيتوكي.

وأضاف قائلاً: "اليوم نرى أن المستهدف هو حزب ساهوانيا فروديبو، وهو الحزب الذي لم يشارك قط في الصراع المسلح، وعبر دائماً عن مطالبه بالوسائل السلمية والسياسية".

وفي 15 يناير أيضاً، تم سجن نائب رئيس الحزب نفسه، فريديريك بامفوغينيومفيرا، لمدة خمس سنوات بعد إدانته بتهمة الرشوة. وكان نغينداكومانا نفسه قد أُدين في أكتوبر الماضي بتهمة إطلاق "مزاعم ضارة واتهامات باطلة وإثارة كراهية عرقية" بسبب رسالة أرسلها إلى الأمم المتحدة للتحذير من احتمال تفاقم العنف وحتى الإبادة الجماعية في بوروندي. وتم إطلاق سراحه لحين النظر في استئنافه.

"إننا نعتبر ذلك مؤامرة لزعزعة استقرار الحزب، وكل الأمر ذي صلة بالانتخابات،" كما أفاد.

وتجدر الإشارة إلى أن بوروندي تعاني منذ سنوات من مناخ التوتر السياسي الذي ينحدر في كثير من الأحيان إلى أحداث عنف.

وفي أحدث تقرير له عن حالة البلاد، أكد مرصد العمل الحكومي، الذي يحظى باحترام كبير، دور أجنحة الشباب في الأحزاب السياسية.

وأوضح التقرير: "إنهم يريدون أن ينصبوا أنفسهم بديلاً عن قوات الأمن ... ويحتجزون الأشخاص الذين يتبنون آراء سياسية مختلفة، ويربطونهم ويعتقلونهم، ويرغمونهم على دفع غرامات وهلم جرا ... إنهم يقيمون المتاريس، ويدمرون شعارات الأحزاب السياسية الأخرى، ويقومون بدوريات في الليل، وحتى يعرقلون اجتماعات الأحزاب الأخرى".

وأضاف: "كثيراً ما يرد ذكر جناح الشباب في حزب المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية - قوات الدفاع عن الديمقراطية الحاكم، حتى وإن أنكر قادة الحزب ذلك. وفي العديد من أنحاء البلاد، يتولى هؤلاء الشباب زمام الأمور. وكادت الاشتباكات العنيفة مع شباب الأحزاب الأخرى أن تتدهور، وأحياناً تواجه بعدم مبالاة من قبل السلطات".

ولم ينج الحزب الحاكم من العنف. ففي 6 يناير، قُتل ثلاثة من نشطائه في حانة على أيدي رجال يرتدون الزي العسكري، الذين قاموا لاحقاً بإضرام النيران في مكتب الحزب المحلي.

هل سيفعلها؟

وتجدر الإشارة إلى أن واحدة من أكثر القضايا المثيرة للجدل المتعلقة بالانتخابات - التي واجهت بالفعل اتهامات بتزوير عملية تسجيل الناخبين - هي ما إذا كان الرئيس بيير نكورونزيزا سيسعى لإعادة انتخابه.

وعلى الرغم من أنه لم يذكر الكثير عن هذا الأمر، إلا أن أعضاءً من حاشيته أعلنوا مراراً وتكراراً بإصرار أن شرط عدم تجاوز فترتين رئاسيتين الذي يفرضه الدستور لا ينطبق على نكورونزيزا، لأن فترة رئاسته الأولى جاءت بناءً على تصويت في البرلمان، وليس انتخابات وطنية.

ولكن المعارضة والمجتمع المدني وحتى بعض العناصر من حزبه الحاكم يرفضون هذه الحجة.

وفي هذا الشأن، أعلن المطران سيمون نتاموانا مؤخراً بشكل غاضب أنه "إذا خاض [الرئيس] الانتخابات للفوز بفترة ثالثة، سيكون مخالفاً للقانون. إن الفوز بالانتخابات بالقوة أقرب إلى استعباد الناس، وليس من حق أحد أن يستعبد الآخرين".

dn-am-ais/dvh