أزمة تتكشف ببطء في قطاع الثروة الحيوانية في جنوب السودان

يمتلك جنوب السودان نحو 11 مليون رأس من الماشية، أي ما يفوق عدد السكان ولذلك فهي تمثل عنصراً محورياً للنشاط الاقتصادي والنسيج المجتمعي في البلاد. ولكن 13 شهراً من الحرب الأهلية قد تسببت في إرباك طرق الهجرة التقليدية وأنماط الأمراض مما أشعل موجات جديدة من العنف وعرّض التماسك الاجتماعي الأوسع نطاقاً في البلاد للخطر.

وتعليقاً على هذا الوضع، قالت سو لوتز، رئيسة مكتب منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة في جنوب السودان لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن قطاع الماشية في جنوب السودان يواجه خطر فقدان القدرة على الصمود واستمرارية الجدوى الاقتصادية ومكانته كمصدر مفيد للسكان".

وتشير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) أن عمليات النزوح الواسعة النطاق لقطعان الماشية تسببت في "تكثيف الصراعات القبلية والغارات على قطعان الماشية وتفشي الأمراض على نطاق غير مسبوق، مما يشكل تهديداً للثروة الحيوانية الوطنية وينذر بتمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لجنوب السودان".

ومن بين هؤلاء المتأثرين بهذا الوضع، جون مابيل، البالغ من العمر 25 عاماً الذي يعمل بالرعي والتدريس. وقال مابيل متحدثاً من جوبا: "أصبح محكوماً عليّ الآن بالفشل".

بدأ مابيل رحلته من منزله في بور، عاصمة ولاية جونقلي، حيث أجبره الصراع على الفرار إلى ولاية البحيرات المجاورة أولاً، ثم إلى جوبا، ثم إلى كاكوما، وهو مخيم للاجئين في شمال كينيا.

وفي المخيم، اختمرت خطة في رأسه فقرر أن يبيع بضعاً من رؤوس الماشية الـ 25 التي يمتلكها ليدفع تكاليف الحصول على تعليم جامعي في أوغندا. وبعد أن يحصل على درجة جامعية، يمكنه العودة والالتحاق بوظيفة أفضل في جنوب السودان الذي يتمتع بالسلام، ثم يستخدم الأبقار المتبقية كدفعة أولى للمهر. وعندئذ يمكنه أن يتزوج ويبدأ في تكوين أسرة وينسى الحرب.

مخاطر العدوى

لكن عندما عاد مابيل مرة أخرى إلى جوبا في شهر يناير، تلقى مكالمة من والده، الذي يقوم على رعاية ماشيته، أخبره فيها أن 11 رأساً من ماشيته قد نفق وأن العديد منها قد أصيب منذ ذلك الحين بالمرض ومن المحتمل أن تنفق أيضاً. وقال مابيل أنه لن يكون هناك تعليم جامعي وأن أحلامه ذهبت أدراج الرياح.

ويظهر من الأعراض التي يصفها– وهي الإسهال الدموي وفقدان الشهية – أن الماشية ربما تكون مصابة "بحمى الساحل الشرقي" التي ينقلها القراد لأن هذا المرض منتشر في منطقة جنوب شرق جنوب السودان حيثما أخذ والد مابيل الأبقار للرعي. وعلى الرغم من درايته بخطر الإصابة بالمرض، وفي العادة لم يكن ليذهب أبداً بالأبقار إلى أقصى الجنوب، إلا أنه كان المكان الوحيد الذي شعر بأنها ستكون فيه آمنة من الحرب.

ومابيل هو واحد من بين آلاف الرعاة الذين اضطروا للتخلي عن أنماط الهجرة التقليدية في بحث يائس عن الأمن، وفقاً لتقرير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، الذي تحذر فيه من "أزمة جديدة تتكشف ببطء".

وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة إلى أن ما لا يقل عن 80 بالمائة من سكان جنوب السودان يعتمدون على الماشية بدرجة أو بأخرى. وهي المصدر الرئيسي للتغذية بالنسبة للعديد من المجموعات كالمراهقين والأمهات المرضعات والرعاة.

وترى لوتز أن أهمية الماشية تتعدى مجرد توفير المواد الغذائية، حيث أوضحت: "إذا كنت تريد أن تتزوج، فستحتاج إلى الماشية...وإذا كنت ترغب في حل نزاع دون أن تُقتل، فستحتاج إلى الماشية. وإذا كنت تريد أن تحتفل، أو تكّفر عن إثم، فإنك تحتاج إلى الماشية أيضاً... وهكذا تشكل الثروة الحيوانية مورد رزق مذهل".

أصول يمكن الاعتماد عليها

وفي هذا الصدد، قالت ليندسي هامسيك، المتحدثة باسم "ميرسي كور"، وهي منظمة غير ربحية متخصصة في التعافي من أثر الكوارث على المدى الطويل أنها، أي الماشية، تُعد "الأصل الأساسي لمعظم أفراد الشعب في جنوب السودان". وهذا يعني أنه إذا مرض أحد أفراد الأسرة أو حدث نقص في الغذاء، فإنه يبيع بقرة لشراء الدواء أو أي مستلزمات جديدة.


وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية تقدم المساعدة في هذا الصدد، إلا أن حكومة جنوب السودان – تدرك جيداً الأهمية الاجتماعية والاقتصادية للماشية – ومن ثم عادة ما تأخذ زمام المبادرة بشأن صحة قطعان الماشية وحمايتها. ومن بين التدابير التي تتخذها الحكومة في هذا الخصوص نشر قوات من الجيش والشرطة خلال موسم الجفاف في البلاد لردع الغارات التي تستهدف سرقة الماشية وتكليف العاملين في مجال الصحة الحيوانية بمساعدة المجتمع المحلي في التطعيمات.

غير أن الحكومة باتت تعطي الآن أولوية للصراع على الاهتمام بالماشية، إذ حوّلت الموارد من رعاية المواشي إلى المجهود الحربي، حسبما أفادت لوتز. وتخصص الميزانية الوطنية الحالية حوالي 130 مليون دولار يتم تقسيمها بين جميع أنشطة الموارد الطبيعية وهي مشاريع الثروة الحيوانية، والأمن الغذائي في حالات الطوارئ، ومرتبات مسؤولي هيئة الحياة البرية. في المقابل، تصل الميزانية الأمنية إلى أكثر من 1.3 مليار دولار. وقالت لوتز أن وزارة الموارد الحيوانية، حيث يوجد شركاؤها الحكوميون الرئيسيون، تواجه انقطاع الكهرباء منذ عيد الميلاد. في الوقت نفسه، تفتقر الجهات الإنسانية إلى الموارد اللازمة لتعويض جميع عمليات خفض النفقات.

وقد أصبحت الآثار واضحة بالفعل، فهناك خطر داهم من اندلاع أعمال العنف، سواء في شكل غارات لسرقة الماشية أو بين المزارعين والرعاة الذين يتنافسون على قطع الأراضي ذاتها.

وتشير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة إلى أن "هناك عمليات نزوح على نطاق واسع للثروة الحيوانية وإلى مسافات بعيدة من المناطق المتضررة من الصرع إلى المناطق الزراعية التي تقع خارج نطاقات الرعي التقليدية".

وأضافت قائلة: "شهدت المناطق التي انتقلت إليها هذه القطعان حركات مكثفة ومستمرة للثروة الحيوانية ومن ثم تركزت في مناطق صغيرة. وبالتالي فإن وصول أعداد كبيرة من الماشية... قد شكل تحدياً لهياكل السلطة المحلية وتقليصاً للموارد الطبيعية المتاحة وغيّر أنماط الأمراض". وهذا يؤدي بدوره إلى وقوع مواجهات بين السكان.

فقد واجه والد مابيل، على سبيل المثال، تهديدات خلال نقل الأبقار عبر الأراضي الزراعية في جنوب شرق البلاد. وقال مابيل أن الفلاحين "أصبحوا غير ودودين"، لشعورهم بالغضب من الماشية التي تدمر محاصيلهم.

وأضاف أنهم "قتلوا بعض الأبقار وعندما سألناهم لماذا فعلوا ذلك، بدؤوا في قتالنا". وأشار إلى أنه لا يوجد هناك عدد كاف من المسؤولين للتوسط في هذه النزاعات أو ضباط أمن لتوفير الحماية.

وعلاوة على هذه المواجهات، هناك الأمراض، التي لا تقتصر على حمى الساحل الشرقي، بل هناك أيضاً الحمى القلاعية، التي يمكن أن تفسد إنتاج الحليب، وداء المثقبيات، الذي ينتقل عن طريق ذباب التسي تسي، ويمكن أن يسبب الهزال ونفوق الماشية في نهاية المطاف. وأفادت لوتز أنه في خضم القتال، يصبح من المستحيل إجراء إحصائيات لأعداد الماشية المريضة والنافقة، ولكن التقارير الواردة تدق جرس الإنذار. وفي وقت سابق من هذا الشهر، فقد مجتمع محلي واحد 8,000 رأس من الماشية بسبب مرض الدودة الكبدية– التي تنتج جراء الإصابة بطفيل يمكن علاجه بسهولة في الظروف العادية. وأضافت أنه "لا ينبغي أن تكون لدينا مثل هذه المشكلة".

وترى هامسيك من منظمة ميرسي كور، أنه كما الحال في معظم الأزمات، عادة ما تكون الأسر الأكثر فقراً في جنوب السودان هي الأكثر تضرراً. وقالت أنه "سيكون لهذه الصدمات تأثير أكبر على القطعان الأصغر عدداً، ذلك أن الأسر التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي هي التي عادة ما تربي القطعان الأصغر". والصدمة ليست بالضرورة نفوق الماشية، فمرض بقرة واحدة يكفي للتسبب في تدمير بعض الأسر اقتصادياً، إذ يؤدي ذلك إلى خسارة فورية للحليب الذي يعد مصدر التغذية للأسر، وليس هذا فحسب بل إن المرض يقلل احتمال تناسل البقرة ويضعف قيمتها التجارية.

وعلى الرغم من ذلك، تعدت الأزمة الحالية نطاق الأسرة، وباتت تهدد بتدمير مجتمعات بأكملها.

تهديدات للأسواق

ولا شك أن الانكماش الاقتصادي الناجم عن هذا الوضع يزيد من صعوبة قدرة التجار على تأمين السلع، لاسيّما في المناطق التي يتسبب فيها القتال في تعطيل الطرق التجارية العادية وحدوث ارتفاع شديد في الأسعار. وهناك خطر من نضوب الأسواق، التي عادة ما تدعم حصاد المجتمع وتنقذ الناس – بما في ذلك المزارعون أو التجار –خلال موسم الجاف. وتواجه العديد من الأسواق في المناطق الأكثر تأثراً بالصراع مشكلات كبيرة بالفعل. وقد تكون هذه الأمور كارثية، خاصة بالنسبة لنحو 2.5 مليون نسمة الذين يتوقع الخبراء الدوليون أنهم سيعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد قبل مارس من هذا العام.

ثم هناك الآثار الطويلة المدى، حيث أفادت هامسيك أن "أي أزمة تخص الماشية لا تؤثر على الأمن الغذائي فقط". فقد تعرقل خطط الزواج والتعليم للعديد من الأفراد، وستصّعب خروج الناس من براثن الفقر.

وتسعى منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة لتطوير نظام تحصين لمكافحة بعض الأمراض الناشئة في أسرع وقت ممكن، وفي مقدمة هذا الجهد توفير ثلاجات تعمل بالطاقة الشمسية لتخزين اللقاحات حتى يتمكن المختصون من حقنها. ولكن المنظمة الأممية تبدأ من الصفر تقريباً.

وختاماً، ترى لوتز أن السلام هو الحل الوحيد القابل للتطبيق، الذي من شأنه أن يسمح للرعاة باستعادة طرقهم التقليدية وتعافي ماشيتهم من الأمراض وإعادة بناء الأسواق والمجتمعات المحلية. ولكن إذا ما استمر القتال، وقد اندلع بالفعل مرة أخرى في هذا الشهر، فإن الرعاة "سيفقدون قطعان الماشية التي يحتاجون إليها للتعافي والصمود في مواجهة الكوارث".

ag/am-kab/dvh