المنظمات غير الحكومية وقوانين مكافحة الإرهاب

حذرت بعض الجمعيات الخيرية والمصرفيين من أن على الحكومة البريطانية أن تفعل المزيد لحماية الجمعيات الخيرية العاملة في البلدان المعرضة للخطر من وقف تمويلها من قبل البنوك التي تشعر بالقلق إزاء احتمال وقوع عملياتها تحت طائلة قوانين مكافحة الإرهاب.

ففي الأشهر الأخيرة، واجه عدد متزايد من المنظمات غير الحكومية البريطانية العاملة في منطقة الشرق الأوسط ومناطق أخرى خطيرة إغلاق حساباتها المصرفية، مما أصاب العمل الإنساني الذي تشتد الحاجة إليه بالشلل. وتعرضت منظمات أخرى لتأخير المدفوعات لعدة أشهر. وفي معظم الحالات، لم توجه لهم البنوك أي مزاعم محددة بارتكاب مخالفات.

ويدعو تقرير نُشر الأسبوع الماضي إلى تحسين التنسيق بين البنوك والمنظمات غير الحكومية والحكومة البريطانية للحد من مثل هذه الحالات. كما يحث الحكومة على أخذ زمام المبادرة في تصميم إطار أكثر وضوحاً للأعمال التي يُسمح للبنوك والمنظمات غير الحكومية القيام بها من الناحية القانونية.

وأكد توم كيتينغ، كاتب التقرير ومدير مركز دراسات الجرائم المالية والأمن في مؤسسة بحثية تسمى المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) والمصرفي السابق، أن الحكومة لم تقدم توجيهات كافية في بعض الأحيان بشأن كيفية تجنب التعرض للعرقلة من قبل قانون مكافحة الإرهاب.

وأضاف قائلاً: "في كثير من الأحيان، تدعي الحكومة أنها عاجزة في مواجهة العقوبات الأميركية، أو تختبئ خلف القرارات التجارية التي تتخذها البنوك. إنهم بحاجة إلى توفير قدر أكبر من الوضوح لكل من البنوك والمنظمات غير الحكومية من أجل السماح باستمرار هذا العمل المهم".

وشاركته الرأي جستين ووكر، مديرة قسم الجرائم المالية في جمعية المصرفيين البريطانيين (BBA)، موضحة أن المجتمع المصرفي والمنظمات غير الحكومية الكبيرة قد حسنت التنسيق في العام الماضي، لكنها تحتاج إلى المزيد من الوضوح من جانب الحكومة بشأن ما هو مسموح.

"لقد جاءت البنوك والجمعيات الخيرية إلى الطاولة ونحن نحاول إيجاد حلول، ولكننا في الأساس نستجيب لبواعث القلق التي أثارتها الحكومة والهيئات التنظيمية، ولذلك فإنهم بحاجة إلى القدوم إلى الطاولة أيضاً من أجل الموافقة على ذلك،" كما أكدت.

ولكن كيتينغ قال أن هناك "فهماً متزايداً" من قبل الحكومة لحجم هذه المشكلة.

الحد من المخاطر

ومنذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، تم تبني مجموعة واسعة من تشريعات مكافحة الإرهاب في جميع أنحاء العالم، وغالباً ما كانت لهذه التشريعات تأثيرات مختلفة بشكل كبير في مختلف البلدان.

في الوقت نفسه، واجهت البنوك ضغوطاً على أرباحها منذ الانهيار المالي، وقد أدى ذلك، جنباً إلى جنب مع زيادة كبيرة في الغرامات على من تثبت إدانته بالتواطؤ في غسل الأموال، إلى جعل العديد من البنوك تسعى إلى تجنب المخاطر.

وتجدر الإشارة إلى أن إدارات المخاطر والامتثال قد نمت بشكل كبير حيث تشير تقديرات الذراع البحثية لشركة KPMG إلى أن الإنفاق السنوي العالمي على المخاطر والامتثال من المرجح أن يتجاوز 10 مليارات دولار في غضون العامين المقبلين.

وقد أدى ذلك إلى ما يسمى بـ "الحد من المخاطر" - حيث سعت البنوك إلى إغلاق الحسابات ذات المخاطر العالية، لاسيما مع انخفاض هوامش الربح. وبعد اتخاذ القرار المثير للجدل بإغلاق الحساب المصرفي لشركة تحويلات نقدية صومالية، توصلت مراجعة داخلية في بنك باركليز إلى أن "استمرار بنك باركليز في تقديم الخدمات إلى أي عميل تقل إيراداته السنوية عن 100,000 جنيه استرليني لن يكون مجدياً من الناحية التجارية".

وقال كيتينغ أنه في كثير من الحالات، كانت البنوك تنظر إلى المنظمات غير الحكومية العاملة في منطقة الشرق الأوسط وتخلص إلى أن تكلفة كل من الامتثال ومخاطر تحويل الأموال عن مسارها مرتفعة جداً، في حين أن الأرباح منخفضة للغاية.

وكان صندوق رعاية الأمة (UWT) من بين ضحايا هذه السياسة فقد تلقت هذه الجمعية الخيرية - التي يبلغ إجمالي أعمالها السنوية نحو 25 مليون جنيه إسترليني (39 مليون دولار) وتعمل في مجموعة متنوعة من بلدان الشرق الأوسط وآسيا، بما في ذلك سوريا وقطاع غزة - رسالة من المصرف الذي تتعامل معه، وهو بنك إتش إس بي سي (HSBC)، تفيد بأنه قد تم إغلاق حسابها. كما تم تغريم بنك إتش إس بي سي نفسه ما يقرب من ملياري دولار في أواخر عام 2012 في قضية غسل أموال.

وقال محمد أحمد، أحد أعضاء مجلس الأمناء في صندوق رعاية الأمة، أن بنك إتش إس بي سي لم يقدم أي سبب محدد يبرر قراره: "ذكر فقط أنكم قد خرجتم من فئة المخاطر الخاصة بنا، كما أنهم لا يريدون تقديم توضيح لذلك". ولم تكن هناك إجراءات تتيح الطعن في القرار - فقد كان القرار نهائياً.

وفي حين سعت معظم المنظمات التي تلقت رسائل مماثلة إلى التعامل مع هذه القضية وراء الأبواب المغلقة، اختار صندوق رعاية الأمة أسلوب الهجوم ونظم حملة مقاطعة. "لقد حصلنا على استجابة ضخمة من الآلاف من داعمينا والمتبرعين الذين قالوا أنهم سيغلقون حساباتهم المصرفية إذا استمر [بنك إتش إس بي سي] على هذا المنهاج،" كما أفاد أحمد.

وأضاف أنهم لا يزالون يتابعون الخيارات القانونية وينفذون حملة مقاطعة في منطقة الشرق الأوسط وقارة آسيا: "ينبغي أن يكون الدرس هو أن أي مؤسسة مالية تقرر الاستخفاف بحساب مؤسسة خيرية إلى هذا الحد – الأمر الذي يؤثر على مئات الآلاف من الأشخاص المعذبين - لن تفلت من العقاب". وعلى الجانب الآخر، قال متحدث باسم بنك إتش إس بي سي أنهم لن يعلقوا على حالات فردية.

من جانبه، أشار عبد الرحمن شريف، المدير التنفيذي لمنتدى الجمعيات الخيرية الإسلامية، إلى أن مثل هذا الإغلاق للحسابات المصرفية لا يزال نادراً نسبياً، ولكن الحالات تتزايد. وفيما يتعلق بتأثير هذا القرار، أفاد أن العديد من المنظمات قد توقفت عن العمل في أجزاء من الشرق الأوسط، حيث توجد بعض أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

وأضاف قائلاً: "إذا كنت شخصاً حسن النية وقررت أنك تريد إقامة جمعية خيرية في الصومال أو اليمن أو سوريا، فإن فتح حساب مصرفي لذلك الغرض سيكون بحق ضرباً من المستحيل".

"تنظر البنوك إلى [المنظمات] غير الربحية على نحو متزايد على أنها عميل غير مربح وأصبح الاحتفاظ به محفوفاً بالمخاطر. ولذلك فإنهم يفضلون إغلاق الحساب بدلاً من الاحتفاظ بهذا العميل،" كما أوضح.

مخاوف مزدوجة

وقال كيتينغ أن الاستراتيجيات القتالية، مثل تلك التي يتبعها صندوق رعاية الأمة، يمكن أن تؤدي إلى نبذ الجمعيات الخيرية لأنفسها - مما سيجعل من الصعب عليها العثور على خدمات مصرفية بديلة، بل ينبغي عليها بدلاً من ذلك أن تسعى إلى الانخراط في حوار مباشر مع البنوك في وقت مبكر.

وتساءل قائلاً: "تحتاج المنظمات غير الحكومية إلى تطبيق تجربة الخروج من الجسد على أنفسها ... أنظروا إلى أمناء السر - هل هناك أي احتمال في أن يكونوا مرتبطين بحركة حماس أو أي جماعة محظورة أخرى؟ فقط التزموا الصدق التام بشأن الصورة التي تبدون عليها من الخارج. عندما تقوم البنوك ببذل العناية الواجبة، فإنها سوف تكشف عن هذه المعلومات، لذا لا تدفنوا رؤوسكم في الرمال".

وأضاف أن المنظمات غير الحكومية يجب أن تكون على اتصال دائم بمديري البنوك لشرح أعمالها.

مع ذلك، فإن مثل هذه الآليات مكلفة بالنسبة للمنظمات الأصغر حجماً وتستغرق وقتاً طويلاً ويصعب تنفيذها من الناحية اللوجستية. وقد أثار هذا مخاوف مزدوجة، حيث ستتفاوض الجمعيات الخيرية الأكبر حجماً للحصول على إعفاءات محددة للعمل الإنساني مع الحكومة والمصارف، ولكن المنظمات الأصغر حجماً ستعاني.

"من المرجح أن تقطع الجمعيات الخيرية الأكبر حجماً شوطاً طويلاً في الاتفاق على المبادئ المشتركة خلال العام أو العامين المقبلين، ولكن بالنسبة للجمعيات الخيرية الأصغر حجماً، سيظل الأمر صعباً للغاية،" كما أفادت ووكر من جمعية المصرفيين البريطانيين. وأضافت أن "التحدي الذي نواجهه هو كيفية التعامل مع بعض الجمعيات الخيرية الصغيرة التي لا تملك نفس البنية التحتية ولا تطبق نفس ضوابط الامتثال. كيف ستحصل البنوك على الارتياح الذي تحتاج إليه من تلك الجمعيات الخيرية؟"

دور الحكومة

ومن أجل تهدئة هذه الشكوك، يمكن للحكومة البريطانية أن تساعد على توفير مزيد من الوضوح بشأن ما هو مسموح أو غير مسموح به. أما في الوقت الحالي، فإن تشريعات مكافحة الإرهاب المختلفة والمتداخلة تجعل من الصعب على البنوك أن تعرف بالضبط ما إذا كانت أنشطة المؤسسة الخيرية تخالف الضوابط أو متى يكون ذلك.

وتقدم ورقة سياسة أميركية صدرت في الأونة الأخيرة استثناءً من قوانين مكافحة الإرهاب للجهات الفاعلة الإنسانية العاملة في مناطق الحرب. وعلى الرغم من أن هذه السياسة ليست بلا خصوم، فإنها لا يوجد لها مثيل في المملكة المتحدة.

وقالت ووكر أن جمعية المصرفيين البريطانيين قد أعدت ورقة بحثية حديثة لفرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية (FATF)، التي تضع المعايير العالمية لمكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، أوصت فيها الحكومة والجمعيات الخيرية والبنوك بالتعاون معاً لإعداد اتفاق حول الإجراءات الخاصة بالمدفوعات الإنسانية الموجهة إلى مناطق الصراع الهشة.

"وهذا من شأنه تمكين البنوك من البقاء على الطاولة ودعم هذه المدفوعات. في الوقت الراهن، لا توجد مدفوعات كثيرة. إنك ترى الكثير من التصريحات حول الجمعيات الخيرية وكونها تشكل مخاطر أكبر، لكنك لا ترى سوى تصريحات قليلة جداً من قبيل 'هذا هو ما نتوقع من البنوك القيام به'. ويُقال لهم أن عليهم توخي الحذر، وأن يتعاملوا مع هذه المدفوعات على أنها عالية المخاطر، ولكن لا توجد سوى تعليمات قليلة من قبيل 'إذا فعلت كذا وكذا، فإن من شأن ذلك أن يسعد المنظمين'،" كما أفادت.

وقال متحدث باسم وزارة الخزانة أن الوزارة على دراية بمسألة الحد من المخاطر وتسعى لدعم أي منظمات غير حكومية تواجه صعوبات في الحصول على خدمات مصرفية. وأضاف أنها أيضاً تريد تحسين الحوار بين المنظمات غير الحكومية والبنوك والحكومة وتدفع شركاءها لمراجعة أسواقهم وردود الفعل الخاصة بالقواعد التنظيمية.

والجدير بالذكر أن وزارة الخزانة، التي كانت في السابق هي المسؤول الأول عن التصدي لتمويل الإرهاب، قد نقلت بعض صلاحياتها إلى وزارة الداخلية. وجزء من اختصاص وزارة الداخلية هو مفوضية الهيئات الخيرية (CC)، ولكن هذه المنظمة وجدت أن حيادها قد أصبح محل تدقيق من قبل بعض الجمعيات الخيرية.

وكشف تقرير صادر عن المؤسسة البحثية كلايستون الشهر الماضي أن المؤسسات الخيرية الإسلامية كانت مستهدفة بشكل غير متناسب خلال التحقيقات التي أجرتها مفوضية الهيئات الخيرية، كما سلط الضوء على التحيز المتصور من قبل رئيس مفوضية الهيئات الخيرية السير وليام شوكروس. ففي عام 2012، أي قبل توليه رئاسة مفوضية الهيئات الخيرية، ادعى شوكروس أن "أوروبا والإسلام من أعظم المشاكل وأكثرها رعباً في مستقبلنا".

من جهته، قال شريف من منتدى الجمعيات الخيرية الإسلامية أن مفوضية الهيئات الخيرية تشدد باستمرار خلال الاجتماعات على أن قراراتها لا تستند على أي تحيز، لكنه اعترف بأن أجزاءً من القطاع الخيري الإسلامي لديها "تصور بوقوعها ضحية تحيز".

وقال متحدث باسم مفوضية الهيئات الخيرية أن "المفوضية ليست منحازة أو متحيزة بأي حال من الأحوال ضد أي نوع من أنواع الجمعيات الخيرية، سواء كانت دينية أو غير ذلك".

ما وراء المملكة المتحدة

وفي حين أن قيادة حكومية جديدة بشأن هذه المسألة ستكون موضع ترحيب، تشير ووكر إلى أنه في نهاية المطاف، ستكون هناك حاجة أيضاً إلى إطار عالمي أفضل: "نحن بحاجة إلى أن نرى شيئاً على المستوى الدولي. أحياناً نرى المدفوعات تغادر المملكة المتحدة، ولكنها بعد ذلك تُحتجز في أماكن أخرى في سلسلة الدفع لأن الحوار ليس دولياً بالضرورة".

وأكدت أن جمعية المصرفيين البريطانيين اقترحت مشروعاً دولياً للاتفاق على مبادئ إدارة مخاطر المدفوعات الإنسانية العالية المخاطر: "إنها لن تكون مثالية، وسوف يصل بعض هذه الأموال في نهاية المطاف إلى حيث لا ينبغي أن يذهب، ولكن للأسف هذا هو واقع الصراع والعنف ... إن ما نسعى إليه هو فهم مشترك للمخاطر".


jd/ha/cb-ais/dvh