التغطية الصحية الشاملة - الإيبولا يكشف الثغرات

كشف وباء الإيبولا في غرب أفريقيا بوضوح عن ضعف النظم الصحية في البلدان التي ضربها الفيروس. وعلى الرغم من أنه يمكن تفهم أنها لم تكن مستعدة لمواجهة هذا الفيروس الذي لم يتم الإبلاغ عنه في المنطقة من قبل، إلا أن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، مارغريت تشان، تقول أن ما تفتقده تلك الدول هو البنية التحتية القوية في مجال الصحة العامة للتعامل مع كل ما هو غير متوقع.

وقالت في هذا الصدد: "يتطلب هذا وجود بيانات جيدة عن الأمراض والظروف المعتادة، لكي يبرز بشكل واضح أي شيء غير اعتيادي. [وهذا يعني] توفير رعاية صحية جيدة وبأسعار معقولة للجميع، وليس فقط للأثرياء الذين يعيشون في المناطق الحضرية؛ ووجود ما يكفي من المرافق في الأماكن المناسبة مع ما يكفي من الموظفين المدربين تدريباً جيداً وتوفر إمدادات مستمرة من الأدوية الأساسية بالإضافة إلى القدرات التشخيصية التي تقوم بتوفير نتائج سريعة وموثوقة، ونظم المعلومات القادرة على تحديد الثغرات والاستراتيجيات المباشرة والموارد ليتم توجيهها نحو الاحتياجات التي لم يتم تلبيتها بعد".

وقد تحدثت تشان فيما قد تم اعتباره اليوم العالمي الأول للتغطية الصحية الشاملة (في 12 ديسمبر)، والذي وضع قائمة مراجعة طموحة للأنظمة الصحية التي يمكنها التعامل مع كل ما يواجهها. ومن الواضح أن هذا يمثل تحدياً في أي دولة نامية، ولكنه تحدٍّ أكبر بكثير في الدول الهشة مثل تلك الدول المتأثرة حالياً بالإيبولا.

السارس في المرة القادمة؟

يعمل نك هوتون مستشاراً للبحوث والسياسات والممارسات لدى تحالف إعادة البناء (ReBuild Consortium) الذي يعمل على تعزيز النظم الصحية في الدول التي واجهت نزاعاً من قبل. وقال هوتون لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه على الرغم من أنه لا بد من القيام بالبحث في الموضوع، إلا أنه من شبه المؤكد أن بيئة ما بعد الصراع هي السبب في انتشار هذا المرض بسرعة. وأضاف هوتون قائلاً: "لا شك أن النظم الصحية سيئة للغاية ومستويات التوظيف فيها منخفضة جداً، ولكن هناك أيضاً عوامل أقل وضوحاً تؤثر على الوضع، مثل المسائل المتعلقة بالثقة وأمور أخرى من هذا القبيل. لقد تمت السيطرة على هذا المرض بشكل جيد في أماكن أخرى، ومع ذلك خرج عن نطاق السيطرة بشكل كبير. وإذا نظرتم إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية وشمال أوغندا، فليس هناك إمدادات كبيرة من عمال الصحة المهنيين أيضاً. لذلك فنحن نتحدث عن أشياء مثل انهيار الروابط بين المجتمعات والخدمات العامة والتي تتطلب وقتاً طويلاً لبنائها مرة أخرى".

ويشدد هوتون أنه من المهم جداً معالجة نقاط الضعف الأساسية هذه: "إنه الإيبولا في هذا الوقت، ولكنه قد يكون السارس في المرة القادمة، أو أي مرض آخر. هناك بكل تأكيد حاجة لتوفير الاستجابة للأمراض، فالإيبولا مرض فظيع وهو خارج عن نطاق السيطرة ولكن التركيز على القضاء عليه وترك الأنظمة الصحية كما هي لن يؤدي إلى الكثير من المنفعة لأي شخص".


"الإيبولا مرض فظيع وهو خارج عن نطاق السيطرة ولكن التركيز على القضاء عليه وترك الأنظمة الصحية كما هي لن يؤدي إلى الكثير من المنفعة لأي شخص"

وها قد وصلت الأهداف الإنمائية للألفية الآن إلى تاريخ انتهاءها، بعد أن وضعت أهدافاً لقطاعات صحية معينة، مثل صحة الأم والطفل، أو لأمراض محددة مثل السل والملاريا وفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز. لقد كان لهذا النهج ميزة توفير أهداف قابلة للقياس، كما أنه كان قادراً على جذب التمويل من الجهات المانحة، ولكنه لم يعمل بالمرونة ذاتها التي تتحدث عنها مارغريت تشان على مستوى النظام. والآن، ومع سير المفاوضات على قدم وساق لوضع أهداف ما بعد 2015، هناك فرصة للانتقال من الإستراتيجية "العمودية" لاستهداف قطاع واحد نحو نهج "أفقي" ذي قاعدة أوسع.

وقال ديفيد هايمان، رئيس مركز الأمن الصحي العالمي في مؤسسة تشاتام هاوس، أننا بحاجة إلى النظر فيما حدث في الماضي: "في الماضي كان هناك معاهدة دولية، تدعى اللوائح الصحية الدولية، والتي تنص بوضوح على أن 194 دولة قد وافقت على تعزيز القدرات الأساسية في الصحة العامة. وتركت البلدان لتقوم بتقييم أنفسها حول ما إذا قد تمكنت أو لم تتمكن من تحقيق هذه الأهداف، وكان عليها أن تستكمل تعزيز قدراتها الأساسية بحلول عام 2014.

"ولكن ماذا حدث؟ سوف أكون قاسياً قليلاً هنا بالقول أن الوكالات المانحة لم توفر التمويل من خلال إطار العمل الصحي الدولي. فهي لم تكلف نفسها عناء توفير التمويل الأحادي الجانب لهذه الدول، ولم تكلف المنظمات الدولية نفسها عناء محاولة فرض هذه المعاهدة التي وقعتها 194 دولة. لذلك نحن نعود إلى نقطة الصفر. والآن علينا أن نبدأ من جديد".

استخدام التدخلات العمودية لقياس الأفقية

ومن المؤكد أن الطلب على تحقيق نتائج قابلة للقياس سيؤدي دائماً إلى تفضيل التدخلات الهادفة لمواجهة مرض واحد مقابل التدخل الهادف إلى تعزيز النظم الصحية والذي يعدّ أقل دراماتيكية وأقل إثارة للاهتمام، لكن هايمان يرى أن علينا فقط معرفة كيفية دمج واحدة في الأخرى: "ينبغي علينا استخدام بعض تلك المسائل كمؤشرات للتغطية الصحية الشاملة. فإذا كان بإمكانك إنجاز علاج مجتمعي لفيروس نقص المناعة البشرية أو السل من خلال النظام، ويمكنك ربط أنظمة أخرى فيه، فهذا ما تعنيه التغطية الصحية الشاملة. دعونا نستخدم التدخلات العمودية لقياس الأفقية".

وبالطبع، فإن كل ذلك يحتاج للمال، وقد نتج عن النقاشات التي جرت في 12 ديسمبر بخصوص التغطية الصحية الشاملة في كلية لندن للصحة والطب الإستوائي حوارات نشطة حول مزايا الأنواع المختلفة من التمويل.

وأوضحت آن ميلز، نائب مدير كلية لندن ما تعتبره القواعد الأساسية: "يتمثّل المبدأ الأساسي في التغطية الصحية الشاملة في مساهمة الناس وفقاً لقدرتهم على الدفع، وتتم الاستفادة وفقاً للحاجة الصحية. يجب أن يكون نظام التمويل الجيد عادلاً، ويجب على المجموعات الأكثر ثراء أن تساهم بشكل أكبر من المجموعات الأكثر فقراً. ثانياً، هناك حاجة إلى وضع حد أدنى من الاعتماد على الدفع عند نقطة الاستخدام؛ فالتمويل يجب أن يتم جمعه مقدماً. وثالثاً، ينبغي تجميع التمويل قدر الإمكان وعدم تجزئته إلى العديد من الصناديق المختلفة للمجموعات السكانية المختلفة".

وأشارت ميلز إلى أن الكثير من النظم الصحية في أفريقيا، على سبيل المثال، لا تزال بعيدة عن تحقيق ذلك، مع دفع ما يصل الى 48 بالمائة من تكاليف الرعاية الصحية في كينيا، و66 بالمائة في نيجيريا و76 بالمائة في سيراليون من قبل المستخدم عند نقطة الاستخدام، مما يمثّل عبئاً كبيراً جداً على الفقراء.

ويتم تمويل الخدمات الصحية في المملكة المتحدة من خلال الضرائب العامة وهي تقدم مجاناً عند نقطة الاستخدام، لذلك ربما لم يكن من المستغرب أن الشعور السائد خلال النقاشات في لندن كان لصالح نموذج التمويل العام.

وقد عمل الخبير الاقتصادي في مجال الصحة روبرت ييتس على مثل هذه القضايا لصالح وزارة التنمية الدولية في المملكة المتحدة DFID)) ومنظمة الصحة العالمية. وأخبر ييتس شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قائلاً: "يكمن المفتاح في التمويل الإلزامي الذي تشرف عليه الحكومة، سواء من خلال الضرائب، أو من خلال مدفوعات التأمين الاجتماعي الإلزامي. ينبغي أن يدفع الأشخاص الأكثر ثراء بشكل أكبر ومن خلال التأمين الطوعي. أما إذا ترك الأمر للسوق، فإنه سيحاول دائماً عرض دفع رسوم أقل من قبل الأشخاص الأفضل صحة، وفرض أقساط أعلى أو استبعاد أولئك الذين هم أكثر حاجة للخدمات الصحية. ولهذا السبب فإن النظم الطوعية تفشل دائماً. وحتى التأمين الصحي على مستوى المجتمع المحلي الذي يبدو فكرة جيدة، لم ينجح أبداً في أي مكان".

عملية سياسية معقّدة

وقد هاجم ييتس المحاولات السابقة من قبل منظمات من أمثال البنك الدولي لتشجيع البلدان النامية على التحول إلى أنظمة ممولة من قبل القطاع الخاص، مع اشتراك الناس بالتأمين أو الدفع من جيوبهم عندما يحتاجون للرعاية. وقال أن هذا كان خطئاً فادحاً، مما أدى إلى ضعف النظم الصحية، لاسيما في أفريقيا. لكنه يرى بعض التغييرات الإيجابية التي تحدث في تايلاند وأمريكا اللاتينية ومؤخراً في إندونيسيا.

وأضاف: "ستجد أنه عندما تنتقل الدول إلى الوضع الذي يمتلك فيه معظم سكانها دخلاً متوسطاً، يصبح لديها الموارد للانتقال نحو النظام الممول من قبل القطاع العام، ولكن ذلك لا يحدث بشكل طبيعي، حيث يشكّل إجبار الأغنياء والأشخاص الأصحاء على دعم تكلفة المرضى والفقراء عملية سياسية معقّدة. إلا أن بعض السياسيين الأذكياء يدركون أن التغطية الصحية الشاملة ستلقى شعبية كبيرة بين الجماهير، وأنه لأمر رائع عندما ترى هذا يبدأ في الحدوث".

eb/cb-aha/dvh