تعافي آتشيه الذي لم يكتمل

مشاركة بقلم ليليان فان

أطلق تسونامي المحيط الهندي، الذي نجم عن زلزال ضخم قبالة ساحل إقليم آتشيه على طرف جزيرة سومطرة الإندونيسية، طاقة تعادل 23,000 قنبلة ذرية من النوع الذي أُلقي على هيروشيما ودمر بلدات ومجتمعات ساحلية أكملها. وكان تأثيره عالمي النطاق ، إذ لقي ما يقدر بنحو 270,000 شخص مصرعهم أو أصبحوا في عداد المفقودين في 14 دولة، مع سقوط ضحايا من 46 دولة.

ولكن في حين كان تأثير دمار التسونامي ملموساً في جميع أنحاء العالم، كانت آتشيه هي المنطقة الأكثر تضرراً من الكارثة، وتحملت ما يقرب من نصف إجمالي الأضرار والخسائر في العالم.

واليوم، وبعد مرور 10 سنوات على الكارثة، يُنظر إلى آتشيه على نطاق واسع على أنها قصة نجاح في إعادة الإعمار. وهذا ليس مستغرباً تماماً؛ فخلال عملية التعافي التي قادتها الحكومة على مدار أربع سنوات، شهدت آتشيه قدراً ملحوظاً من البناء، حيث تم بناء أكثر من 140,000 وحدة سكنية جديدة بمساعدة المئات من وكالات الإغاثة والجهات المانحة وبتنسيق من حكومة إندونيسيا، جنباً إلى جنب مع حوالي 4,000 كيلومتر من الطرق و2,000 مدرسة، و1,000 مرفق صحي، و23 ميناءً، و13 مطاراً ومدرج هبوط. ويعتبر الطريق السريع، الذي يبلغ طوله 242 كيلومتراً ويمتد من عاصمة الإقليم باندا آتشيه إلى ميولابوه على طول الساحل الغربي الذي كان مدمراً، هو أحد أبرز رموز إعادة إعمار آتشيه، وقد بُني على أساس رؤية لتحفيز النشاط الاقتصادي ودعم تنمية آتشيه على المدى الطويل.


هذا هو الجزء الأخير من سلسلة من خمسة أجزاء تلقي نظرة على تسونامي المحيط الهندي.

 الجزء الأول: آتشيه في الذكرى العاشرة، نظرة معمقة على جهود الاستجابة للكارثة

 الجزء الثاني: التسونامي الذي ساعد على وقف الحرب

 الجزء الثالث: إرث اقتصاد الطوارئ في آتشيه

 الجزء الرابع: أثر التسونامي في تطور جهود الاستجابة للكوارث في سريلانكا

ولكن في حين تعتبر إعادة الإعمار المادي في آتشيه مثيرة للإعجاب، وتستحق وكالة إعادة التأهيل والإعمار الحكومية الإندونيسية في آتشيه ونياس (BRR) الإشادة كنموذج للحكم والقيادة في فترة ما بعد الأزمة، إلا أن هذه الإنجازات تخفي وراءها مشاكل أعمق تجعل التعافي الطويل الأجل صعباً وبعيد المنال بالنسبة للعديد من سكان آتشيه. والحقيقة المرة هي أنه بالنسبة لمعظم سكان آتشيه، لا يزال "تعافيهم" بمثابة رحلة لم تكتمل، ولا يزال الكثيرون منهم يكافحون من أجل تغطية نفقاتهم.

وحتى بعد تلقي مساعدات تتجاوز قيمتها 7.7 مليار دولار، سواء من المصادر الدولية أو الوطنية، لا تزال آتشيه واحدة من أفقر الأقاليم في إندونيسيا، حيث يعيش 18 بالمائة من السكان تحت خط الفقر في البلاد (أعلى بكثير من المعدل الوطني البالغ 11 بالمائة). واليوم، وعلى الرغم من الكثير من التفاؤل بأن الإقليم سيشهد نهضة اقتصادية تقوم على فقاعة إعادة الإعمار، فإن اقتصاد آتشيه يعاني من الركود ومعدلات البطالة المرتفعة.

وبينما لا يمكن بأي حال من الأحوال توقع أن مساعدات التسونامي سوف تنتشل جميع أهالي آتشيه من براثن الفقر، يجب توجيه بعض الأسئلة المهمة حول ما إذا كانت تلك المساعدات قد حققت التوازن الصحيح. فهل كان ترتيب أولويات إعادة البناء على طول الساحل الغربي لآتشيه مناسباً في إقليم لم يعاني فقط من تسونامي، ولكن أيضاً من صراع استمر 30 عاماً وعقود من العزلة والتخلف؟ هل كان يجب إنفاق قدر أكبر من المساعدات على دعم سبل المعيشة المستدامة وقدر أقل على البنية التحتية المادية؟ هل كان من الممكن بذل جهد أكبر لتحويل مساعدات التسونامي الهائلة إلى مناطق الصراع الفقيرة؟

قرى الأشباح والطرق السريعة الفارغة

توجد المنازل التي بُنيت بأموال المساعدات على طول الساحل الغربي لآتشيه - كانت في السابق مبان قوية، ولكنها الآن مهجورة ومتهاوية وتشكل قرى خاوية، كما هو الحال في قرى لوك كرويت ونوسا وبابه دوا في منطقة آتشيه جايا. ومن دون دخل منتظم، لا يستطيع العديد من سكان آتشيه ببساطة صيانة منازلهم الجديدة، أو دفع نفقات البنية التحتية ووصلات المرافق العامة، ولقد وجدوا مأوى بديلاً، بما في ذلك تقاسم منازل مستأجرة مع الأقارب.

ويشعر العديد من الناجين من التسونامي، بما في ذلك الأطفال والشباب الذين أصبحوا أرباب أُسر ومعيلين في أعقاب الكارثة، بأن لا خيارات تذكر أمامهم سوى الهجرة، في كثير من الأحيان بشكل غير قانوني، للبحث عن عمل. فأخذوا ينتقلون إلى المدن الكبرى في إندونيسيا وماليزيا بحثاً عن عمل، وقد هجر كثيرون منهم منازلهم التي شُيدت بأموال المساعدات خلال سعيهم لتأمين سبل العيش. ولمثل هذه الضغوط الاقتصادية تأثير سلبي مباشر على تعليم الأطفال (يعد معدل التسرب من المدارس في آتشيه الذي يبلغ 26 بالمائة واحداً من أعلى المعدلات في البلاد) ويشكل الأيتام من البيئات الفقيرة أكبر مجموعة من بين المتسربين. بالإضافة إلى ذلك، كان إقليم آتشيه يضم أكبر عدد من طلاب المدارس الثانوية الذين رسبوا في الامتحانات الوطنية في العام الدراسي 2013-2014. كما أثرت الكارثة على النساء، اللاتي عُهد إليهن رعاية الأطفال والمسنين، وهو الدور الذي لعبنه خلال سنوات الصراع، عندما اضطر العديد من الرجال إلى الفرار.

ولكن إحقاقاً للحق، لا يمكن إلقاء اللوم على مساعدات التسونامي في استمرار المشاكل في آتشيه. ففي الواقع، كان إقليم آتشيه يعاني من مشاكل متعددة قبل التسونامي، أهمها الصراع الذي استمر 30 عاماً بين حركة آتشيه الحرة (جيراكان آتشيه مرديكا، أو GAM) والحكومة الإندونيسية، الذي أدى إلى مقتل ما يقدر بنحو 30,000 شخص، وإصابة أكثر من 300,000 بجروح خطيرة، ونزوح ما يقدر بنحو 600,000 شخص.

كما دمر الصراع النسيج الاجتماعي والاقتصادي للإقليم وأضعف مؤسساته. كانت انتهاكات حقوق الإنسان ضد المتمردين والمدنيين على حد سواء مستشرية خلال سنوات القتال، وأصبحت المنازل والمدارس أهدافاً معتادة للحرق العمد. كما كانت تكاليف التنمية الاجتماعية للصراع تنذر بالخطر. ففي عام 2002، أي قبل عامين فقط من كارثة التسونامي، كان معدل الفقر يبلغ 30 بالمائة، وكان أكثر من نصف السكان لا يحصلون على المياه الجارية، وكان واحد من كل ثلاثة أطفال دون سن الخامسة يعانون من نقص التغذية. كما كان الخوف يمنع المزارعين من الذهاب إلى حقولهم، في حين ازدهرت الأعمال غير المشروعة، بما في ذلك قطع الأشجار وتجارة الأسلحة والمخدرات والابتزاز.

كان الكثيرون يأملون أن يسمح اتفاق السلام، الذي تسارع بسبب كارثة التسونامي، لمجتمعات آتشيه المتضررة من النزاع بالاستفادة أيضاً من المساعدات الهائلة في الإقليم. ولكن في حين أن الأضرار والخسائر الناجمة عن الصراع تُقدر بأكثر من 10 مليارات دولار، لم تتجاوز المساعدات المقدمة إلى آتشيه للحد من آثار الصراع 800 مليون دولار، أو سُبع مجموع مساعدات التسونامي. واليوم، لا تزال العديد من الأسر الريفية تكافح من أجل تغطية نفقاتها- أي لم تتحول "أرباح السلام" المتوقعة في آتشيه إلى حقيقة بعد.

واعترف كونتورو مانغكوسوبروتو، مدير وكالة إعادة التأهيل والإعمار، في عام 2008 أن "الاقتصاد الريفي على الساحل الذي ضربته أمواج التسونامي قد تعافى". وأضاف: "أستطيع أن أقول ذلك بكل ثقة. أما الاقتصاد الريفي في المناطق النائية التي تضررت من الصراع، فلم يتعاف بعد". وقد كشف البحث النفسي والاجتماعي الذي أُجري مؤخراً من قبل مؤسسة موليا هاتي، وهي منظمة غير حكومية محلية، على طول الساحل الغربي لآتشيه، أن الفقر بالنسبة للكثير من سكان آتشيه يعتبر "الموجة الثالثة من الصدمة"، بعد صدمتي التسونامي والصراع. في الواقع، لم يختف الاقتصاد السياسي لعصر الصراع في آتشيه منذ وقوع التسونامي أو التوقيع على اتفاق السلام؛ بل على العكس، تم تكييفه واستمراره، مما خلق فوارق جديدة ووضع السيطرة على الاقتصاد في أيدي نخبة سياسية جديدة.

المساعدات العمياء

وفي حين لا يمكن إلقاء المسؤولية عن المشاكل الهيكلية والسياسية العميقة في آتشيه على عاتق المجتمع الدولي، فإن القرارات التي اتخذت حول كيفية إنفاق مساعدات التسونامي والأطر الزمنية القصيرة لبرامج المساعدات كان لها تأثير كبير على استمرار افتقار آتشيه إلى التنمية الاجتماعية والاقتصادية، واستمرار السياسة التي تتسم بالجشع والظلم وسوء الإدارة في الإقليم.

أولاً، انخفض تمويل المانحين الدوليين من عدة مليارات إلى لا شيء تقريباً في غضون بضع سنوات، مما جعل من الصعب على معظم الوكالات تطوير برامج مجتمعية طويلة المدى. ثانياً، كانت المعونات متفاوتة بشكل كبير، حيث تركز الجزء الأكبر على إعادة بناء المساكن والبنية التحتية، وتم تخصيص جزء صغير فقط لاستعادة سبل كسب العيش. ثالثاً، حتى عندما تم تخصيص مساعدات لمبادرات سبل كسب العيش، كانت في كثير من الأحيان غير مستدامة، وانخرطت العديد من الوكالات في برامج المساعدة القصيرة المدى "القائمة على العرض"، مثل توزيع قوارب الصيد والمنح النقدية الكبيرة التي شوهت السوق، دون معالجة الأسباب الجذرية للفقر. رابعاً، تعامت مساعدات التسونامي عن الصراع، مما خلق التفاوت والاستثناءات الجديدة، وأدى وجود كمية هائلة من مساعدات التسونامي إلى خلق "ساحل ذهبي"، في حين لم تتلق المناطق المتضررة من النزاع أي مساعدة تذكر بعد توقيع اتفاق السلام في هلسنكي في أغسطس 2005. في الوقت نفسه، خلق بناء المساكن أيضاً بعض الفرص لنخبة آتشيه الجديدة من حركة آتشيه الحرة، وتحول بعضهم بنجاح إلى مقاولين، مما ساهم في تعميق تصور سكان آتشيه المتضررين من الصراع بأن المجتمع الدولي قد نسيهم ببساطة وأن قادتهم قد نسوهم أيضاً.

وكان جزء من المشكلة يتمثل في حجمها، كما أفاد كريغ ثوربورن من جامعة موناش، الذي قاد مشروعاً بحثياً استمر لعدة سنوات حول تعافي المجتمع المحلي في آتشيه. وأوضح أن "الحجم الهائل لهذه المساعدات - بالإضافة إلى المواعيد النهائية الطموحة لعملية التعافي - أدى حتماً إلى تداخل وتكرار خطير، وخطأ في الاستهداف، وتخطيط وتنفيذ للبرامج على عجل". كما أدى الضغط الشديد على وكالات المعونة إلى سوء استخدام أموال المساعدات - من جانب الجهات المانحة والجمهور ووسائل الإعلام - لإنفاق الأموال بسرعة، بدلاً من الاستثمار بالطرق التي قد تدعم عمليات تعافي وانتقال أكثر عمقاً واستدامة. في الوقت نفسه، وفي خضم حماسها للمساعدة، كانت العديد من الجهات الفاعلة ببساطة غافلة عن واقع السلطة في آتشيه، بما في ذلك تأثير 30 عاماً من الصراع المسلح.

وتجدر الإشارة إلى أن أحد الدروس الأساسية التي تعلمها مجتمع المساعدات من تسونامي 2004 وعملية إعادة إعمار آتشيه هو الحاجة إلى التفكير بشكل نقدي أكثر حول ما سيقدم أكبر مساعدة فعلية للناس في سياق سياسي معين على المدى الطويل، وليس فقط ما نريد القيام به لمساعدتهم.

وفي حين أن هذا يبدو واضحاً وجلياً، لا يزال الحس السليم يراوغ مجتمع المعونة مراراً وتكراراً اليوم، بما في ذلك الاستجابة لزلزال هايتي في عام 2010، والاستجابة لإعصار هايان في الأونة الأخيرة، وهما حالتان شعرت فيهما الحكومات المحلية والمجتمع المدني والقطاع الخاص بأن الجهات الفاعلة في مجال المساعدات الدولية قد تجاهلتها وخلقت أنظمة موازية ومبادرات متداخلة.

يجب أن يبدأ نهج أكثر استدامة بفهم أعمق للأسباب الجذرية للضعف، فضلاً عن علاقات القوة والنفوذ التي تبقي الناس عرضة للخطر. وحتى لو لم تتمكن المساعدات الدولية من حل جميع المشاكل في المجتمعات التي تعاني من أزمات، فإن على الجهات الفاعلة في مجال الإغاثة أن تتأكد من أنها ليست غافلة عنهم على أقل تقدير. في الوقت نفسه، يجب أن تبذل الجهات المانحة ووكالات الإغاثة الدولية مجهوداً أكبر للتغلب على الحواجز المؤسسية والمالية التي تمنعها من تنفيذ الاستجابات التي تضع واقع المستضعفين في مركز اهتماماتها.

إن الذكرى السنوية العاشرة لكارثة التسونامي هي الوقت المناسب للتذكر والتأمل. وهي توفر لنا أيضاً فرصة لتجديد جهودنا لمساعدة آتشيه والمجتمعات المحلية الأخرى المتضررة من كارثة التسونامي على استكمال تعافيها الذي لم ينته. لقد تم بالفعل استثمار الكثير من الأموال في إعادة بناء هذه المجتمعات، والمطلوب الآن هو زخم متجدد لاستكمال الخطوات الأخيرة بحيث تصبح الاستجابة لكارثة التسونامي إرثاً نفخر به جميعاً.

ليليان فان هي باحثة في مجموعة السياسات الإنسانية التابعة لمعهد التنمية الخارجية في لندن عكفت على دراسة شؤون آتشيه منذ عام 1999، بما في ذلك أربع سنوات من عمليات التعافي من كارثة التسونامي.