إرث اقتصاد الطوارئ في آتشيه

ماذا يحدث عندما تضخ فجأة مليارات الدولارات والمئات من فرص العمل و500 وكالة إغاثة في زاوية معزولة من العالم كانت ترزح تحت وطأة أكثر من ربع قرن من الصراع، ومن ثم دمرتها واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية في العالم؟ تلقي شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) نظرة على بعض العواقب غير المقصودة والمتبقية للاستجابة الدولية لكارثة التسونامي التي ضربت إقليم آتشيه الإندونيسي في 26 ديسمبر 2004.

وفي غضون عامين من كارثة التسونامي، تبرعت حوالي 70 دولة وهيئة حكومية دولية بأكثر من 6.2 مليار دولار من أجل تنفيذ استجابة شاملة لهذه الكارثة. وكانت المساعدات، التي وصلت في نهاية المطاف إلى 8 مليارات دولار خلال السنوات التالية، "تتسم بحجم وقوة قد تكون غير مسبوقين في تاريخ التنمية الإندونيسية،" كما أفاد إدوارد أسبينال، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أستراليا الوطنية والخبير في شؤون آتشيه.

هذا هو الجزء الثالث من سلسلة من خمسة أجزاء تلقي نظرة على تسونامي المحيط الهندي.

 الجزء الأول: آتشيه في الذكرى العاشرة، نظرة معمقة على جهود الاستجابة للكارثة

 الجزء الثاني: التسونامي الذي ساعد على وقف الحرب

وفي حديث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت رينا ميوتيا، التي كانت طالبة جامعية عندما وقع التسونامي: "تغاضى العديد من المشاركين في الاستجابة عن أثر تدفق الناس والمال إلى اقتصاد زمن الحرب، حيث كانت العلاقات أكثر أهمية من الإنتاجية أو النتائج". انضمت ميوتيا إلى جهود الإغاثة والتعافي التي كان يضطلع بها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) والبنك الدولي. وأوضحت أنه "عندما ضربت أمواج التسونامي آتشيه، كان لدينا اقتصاد حرب ساخن على نحو متزايد - عنف وابتزاز وترهيب وضرائب وتوليد دخل غير رسمي. وأدى تدفق مليارات الدولارات في هذا الوضع إلى تغيير كل شيء".

وأكدت أن "الفرق بين آتشيه وأي بلد نام آخر هو أن طوفان الأموال كان بمثابة صدمة - كنا منغلقين عن العالم الخارجي من قبل جاكرتا، ثم جاءت الاستجابة بشكل مفاجئ".

أما الآن، فيرى جولفيكار (الذي يستخدم اسماً واحداً فقط مثل الكثير من الإندونيسيين) الذي يدير تحالف المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان في آتشيه، أن "الأمر يبدو تقريباً كما لو كنا بحاجة إلى حالة طوارئ أخرى - ولكن هذه المرة لتحفيز الاقتصاد المحلي. لقد أصيب النظام بصدمة جراء وصول هذا الكم الهائل من المساعدات في وقت قصير جداً، ثم حزمت الوكالات حقائبها ورحلت فجأة".

وأضاف قائلاً: "تبقت لدينا بنية تحتية جيدة بعد انتهاء الاستجابة الإنسانية، ولكننا بصراحة أُصبنا بإدمان أموال المساعدات. وقد تأثرت الحكومة بذلك أيضاً؛ فأصبحت تعمل بعقلية العمل الخيري، وليس عقلية التنمية".

الأدوار والعلاقات المتغيرة

وقالت ميوتيا، التي نسقت جلسة حول الاستجابة للكوارث في مناطق النزاع خلال اجتماع للإعداد للقمة العالمية للعمل الإنساني في اليابان هذا العام: "إذا كنت تتحدث الإنجليزية بأي مستوى، كان يتم تعيينك على الفور من قبل المنظمات غير الحكومية الدولية". وأضافت قائلة: "في أحد الأيام، ذهبت إلى المكتب وكان السائق الجديد أحد المحاضرين في جامعتي. وفجأة أصبح هذا الرجل الذي كنت أتلقى العلم منه مرؤوساً لدي. كانت هذه صدمة، لكنه كان يحصل على راتب جيد في ذلك الوقت ولم يكن يهتم حقاً - لم يكن أي أحد يهتم."

شعرت المنظمات غير الحكومية في آتشيه بتأثير فوري في الطلب على الموارد البشرية مع وصول المئات من وكالات الإغاثة. وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال هرمانتو حسن، الذي عمل مع المركز الشعبي للأزمات (PCC)، وهي منظمة غير حكومية محلية تساعد المتضررين من الصراع: "كان المركز الشعبي للأزمات يعتمد على المتطوعين. ثم جاءت المنظمات غير الحكومية الدولية وعلمنا أن الأشخاص الذين يُسمونهم متطوعي الأمم المتحدة يحصلون على راتب شهري قدره 2,000 دولار أمريكي".

ونتيجة لذلك، شهد حسن تدمير شبكات المتطوعين الخاصة به: "في غضون شهرين، لم يعد أي من المتطوعين المعتادين لدي متاحاً للقيام حتى بالأشياء الأساسية، مثل توزيع المواد الغذائية". كما تغير سلوك المستفيدين أيضاً: "فبمجرد بدء برامج مساعدات التسونامي، كنا نطلب من الناس الاجتماع معنا فيسألوننا إن كنا سندفع لهم تكاليف المواصلات أم لا. بعد كارثة تسونامي، كان يمكنك أن تكتب مقترحاً بقلم رصاص على منديل وتحصل على تمويل. كانت الأموال تأتي من كل صوب وحدب".

وبعد عدة سنوات من جهود التعافي وإعادة الإعمار، عندما بدأت العمليات تتقلص في أعقاب اندفاع المساعدات غير المسبوق، أصيب الاقتصاد المحلي بصدمة جراء الانخفاض الحاد في الأموال المتاحة.

وقالت ميوتيا: "كان هناك إنكار عميق لحقيقة أن اقتصاد الطوارئ قد انتهى. وبحلول وقت مغادرة المنظمات غير الحكومية الدولية، وجد الطلاب الذين كانت تلك المنظمات قد عينتهم صعوبة في العودة إلى المدرسة. كانوا قد قضوا خمس سنوات من العمل الإنساني برواتب جيدة ونتائج مثيرة، ولذلك كانت العودة إلى الفصول الدراسية مع جيل جديد من الطلاب بجوارنا أمراً غريباً. وشعر كثيرون منا أيضاً أن الدرجة العلمية ليست ضرورية لأننا كنا قد تولينا لتونا هذه الوظائف المذهلة في مرحلة الاستجابة".

إدخال المساعدات

"قبل التسونامي، كنا نبيع لوازم الصيد بطريقة القرض المتجدد - على أساس استعادة المال من كل قرض ثم إقراضه إلى شخص جديد،" كما أوضح باستامام، الذي يستخدم اسماً واحداً، وهو رئيس جمعية الصيادين في باندا آتشيه. وأشار بفخر إلى معدل تسديد القروض الذي يبلغ 100 بالمائة، ولكن "بعد كارثة التسونامي، تغير كل شيء لأن كل شيء أصبح مجانياً فجأة".

ولا يزال آخرون يشعرون بالأسى لأن تدخلات المعونة غيرت الديناميات المحلية. وفي هذا الصدد، قال زعيم إحدى القرى: "ليس المقصود أننا لم نكن نريد أو نحتاج إلى مساعدة، ولكننا لم نكن نتوقع التغييرات التي تسببت فيها". وأوضح قائلاً: "لم نكن نتوقع أنه بعد مرور 10 أعوام، عندما تسقط شجرة وتحتاج إلى إزالة، لن نكون قادرين على جلب متطوعين من القرية لأنهم يتوقعون الحصول على نقود مقابل العمل".

وترى ميوتيا أن تدفق المساعدات "غير السوق بالنسبة للمستفيدين،" مؤكدة أن قيام جاكرتا بالحد من وصول الجهات الأجنبية إلى آتشيه لسنوات عديدة قبل التسونامي جعل الإقليم معزولاً بشكل فريد: "إن الفرق بين آتشيه وأي بلد نام آخر هو أن طوفان الأموال كان بمثابة صدمة - كنا منغلقين عن العالم الخارجي من قبل جاكرتا، ثم جاءت الاستجابة فجأة، ثم انتهت".

ووصفت ميوتيا أحد مشاريع البنك الدولي الذي تم تنفيذه بعد عام 2009 قائلة: "قدمنا للمشاركين 50 دولاراً مقابل نشاط كان يفيد المجتمع. تم حساب هذا المبلغ على أساس أنه أجر عادل بالنظر إلى الظروف الاقتصادية المحلية، ولكن الناس قالوا لنا: خلال الاستجابة للتسونامي، كنا نحصل على 300 دولار مقابل هذا القدر من العمل، ولذلك فإننا لن نقوم به الآن".

اقتصاديات السلام الجديد

لم يساعد سوء فهم بعض جماعات المعونة للاقتصاد في زمن الحرب، بما في ذلك التدفقات المالية المتعددة الجديدة، على تنفيذ برامج الإغاثة. وقال باتريك بارون، الذي كان يعمل في البنك الدولي في ذلك الوقت، أن "الفشل في الربط بين برنامج إعادة الإدماج وإعادة الإعمار في أعقاب التسونامي والجهود الإنمائية الأوسع نطاقاً - ولو جزئياً - ترك قضايا ما بعد الحرب الرئيسية دون حل. علاوة على ذلك، تفاقمت قضايا عدم المساواة في آتشيه".

"عندما وصلت المنظمات غير الحكومية للاستجابة للتسونامي، أجرت تقييماً لقريتنا وقالت أن سكانها مزارعون. ولكن هذا ليس صحيحاً تماماً،" كما أوضح الزعيم المنتخب لإحدى القرى في ناحية إندرا جايا على الساحل الغربي لآتشيه الذي طلب عدم الكشف عن اسمه. وأوضح أنه في حين أن القرية كانت تضم بعض المزارع، كان المزارعون الفعليون يمثلون أقلية بين السكان: "كان الدخل هنا يأتي من القطع غير القانوني للأشجار. لم يكن هناك أشخاص كثيرون يعرفون كيف يزرعون الأرض".

واستغل البعض، وخصوصاً في المناطق الحضرية مثل باندا آتشيه، اندفاع المساعدات لبدء أعمال تجارية. وقال واكتار، وهو صاحب متجر في باندا آتشيه أن عبارة الاستجابة للأزمة عززت الثقة بين أهالي آتشيه. وأضاف أنه "بالنسبة للمواطنين، تغيرت الآمال والأحلام عندما كان هناك الكثير من المال. حصل بعض الناس على قروض لفتح مطاعم، وبعد خمس سنوات أفلسوا لأن العاملين في المجال الإنساني كانوا قد رحلوا واختفت المنح، وبالتالي، عاد الجميع لتناول الطعام في منازلهم".

ولكن بعد التعرض لضربات متكررة جراء عقود من الحرب والخلافات السياسية، ووسط طوفان من مشاريع الإغاثة وإعادة الإعمار جنباً إلى جنب مع السلام الذي تم التوصل إليه حديثاً، كافح المدنيون في آتشيه لفهم هياكل السلطة الاقتصادية والسياسية الناشئة.

وتجدر الإشارة إلى أنه كجزء من اتفاق السلام الذي أنهى ما يقرب من ثلاثة عقود من القتال بين الجيش الإندونيسي وحركة آتشيه الحرة (GAM)، تم إدراج العديد من المنتسبين إلى حركة آتشيه الحرة في برامج إعادة التأهيل، التي أصبحت مثيرة للجدل على الفور تقريباً لأنها انطوت على توزيع الأموال على المقاتلين السابقين.

ولكن في ظل تضاؤل تمويل إعادة إدماج المقاتلين بالمقارنة بكل من مساعدات التسونامي والتمويل الإنمائي الإقليمي الجديد القادم من جاكرتا، وتمتع حركة أتشيه الحرة بنفوذ سياسي كبير، تمكن المقاتلون السابقون من الوصول إلى مصادر تمويل أخرى. وأشار أسبينال إلى أن "أموال إعادة الإدماج فقط هي التي كانت مصممة لضمان سلاسة انتقال المقاتلين السابقين إلى الحياة المدنية ومساعدتهم على إعالة أنفسهم اقتصادياً. ولكن ... تبين أنها كانت الأقل أهمية من حيث كميتها".

ويرى أسبينال، الذي تطوع أيضاً في الاستجابة للتسونامي، أنه حتى مع افتقار أعضاء الحركة للمهارات المهنية، كانوا قادرين على اكتساب أرضية اقتصادية عن طريق الفوز بعقود إعادة الإعمار (معظمها حكومية) لأنهم كانوا يمتلكون اثنين من الموارد الهامة: "النفوذ السياسي والقدرة على الترهيب والعنف [وكلاهما] من مقومات النجاح الاقتصادي في آتشيه، كما هو الحال في ولايات أخرى في إندونيسيا".

من جانبه، قال سيف الدين إرهاس، المدير التنفيذي لمنظمة بيترا (Bytra)، وهي منظمة غير حكومية تنفذ برامج حل النزاعات والتنمية في لوكسيماوى، ثاني أكبر مدينة في إقليم آتشيه، أن العديد من مواطني آتشيه العاديين وجدوا صعوبة في فهم كيفية عمل هياكل السلطة في وقت السلم والوصول إلى الموارد.

وأضاف: "عندما جاء المال، سواء كان من الاستجابة للتسونامي أو الاستجابة للحرب، لتمويل عقود أو منظمات غير حكومية، استمرت العديد المشاكل التي كانت سائدة زمن الحرب، مثل الضرائب والابتزاز، ولذلك اكتسبت حركة آتشيه الحرة نفوذاً قوياً".

وأوضح أنه مع مرور الوقت، وانتخاب قادة الحركة في مناصب إقليمية، عانى محو الأمية السياسية للحاق بالركب: "كان لدينا متمردون اعتادوا على حرب العصابات ويشغلون الآن مناصب سياسية. لم يكن الكثير من الناس يعرفون كيف ينظرون إلى هذا الأمر - لم يكونوا يعرفون أنه كان أمراً مختلفاً وأن هؤلاء القادة أصبحوا الآن موظفين عموميين معرضين للمساءلة. الآن فقط بدأ الناس يشعرون بالانزعاج".


kk/cb/am-ais/dvh