مشروع قانون الهجرة الجديد في أستراليا يركز على الأمن

قد يؤدي تمرير التعديل التشريعي لقانون الهجرة والسلطات البحرية في أستراليا الأسبوع الماضي الذي جاء في أعقاب عام من تشديد السيطرة على الحدود وتغييرات في سياسة قبول اللاجئين، إلى تجميد التعاون الإقليمي. ويقول بعض الخبراء أن التعديل يعكس التوجهات العالمية في التعامل مع الهجرة باعتبارها مشكلة أمنية، ويعترفون بأنه قد يصبح وسيلة مهمة لتطوير السياسات الإقليمية في جنوب شرق آسيا.

وتنفذ أستراليا منذ سبتمبر 2013 عملية الحدود السيادية، وهي مبادرة يقودها الجيش وتصفها الحكومة بأنها محاولة "لمكافحة تهريب البشر وحماية الحدود الأسترالية". وفي إطار هذه العملية، تقوم سفن تابعة للبحرية باعتراض قوارب تحمل طالبي اللجوء، الذين يتم احتجازهم في مراكز المعالجة البعيدة عن الشاطئ تحت ظروف تعرضت لانتقادات كثيرة مراراً وتكراراً، بما في ذلك من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ولم ينجح سوى قارب واحد فقط في الوصول إلى شواطئ أستراليا في عام 2014، فيما اعتبرته الحكومة نجاحاً كبيراً يستحق الثناء، ولكنه لقي إدانة من قبل مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الذي قال أن عملية الحدود السيادية "أدت إلى سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان".

وفي نوفمبر 2014، خفضت أستراليا حصة إعادة التوطين من إندونيسيا من 600 إلى 450 شخصاً، وأعلنت أن أي لاجئ مسجل (لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) بعد الأول من يوليو 2014 سيكون مؤهلاً لإعادة التوطين، مما أثار انتقادات من إندونيسيا، التي أشارت إلى أزمة اللاجئين الحالية الخاصة بها (تستضيف حوالي 10,000 لاجئ، يعانون من فترات انتظار طويلة بشكل ملحوظ).

وصورت أستراليا هذه الخطوة على أنها تصدير لنجاحها المحلي "مصمم لتخفيف العبء الذي يفرضه مهربو البشر على طالبي اللجوء الذين يدخلون إندونيسيا". ولكن النقاد يقولون أنه "يثير تساؤلات خطيرة حول المبررات الإنسانية لبرنامج إعادة التوطين الأسترالي".

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت آن هامرستاد، وهي محاضرة في جامعة كنت في المملكة المتحدة ومؤلفة كتاب جديد عن تاريخ مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كجهة فاعلة في مجال الأمن العالمي أن "جزءاً من المشكلة هو أن موضوع الهجرة بأكمله أصبح مورقاً". وأفادت أن المواقف بشأن الهجرة قد تحولت - على حساب اللاجئين - من التعاطف الإنساني إلى الأمن المؤمم، مضيفة أن "أحداث 11 سبتمبر ألحقت الضرر باللاجئين والمهاجرين بشكل عام، وأصبحت الهجرة على الفور قضية تختص بالسيطرة على الحدود والأمن القومي والمخاطر التي تهدد المجتمع".

ولكن آخرين يقولون أن فهم الحكومات للهجرة على أنها قضية أمنية يمكن أن يشير إلى وسيلة فعالة للحوار بشأن سياسات إقليمية جديدة.

وفي هذا السياق قال ترافرز ماكلاود، الرئيس التنفيذي لمركز تطوير السياسات (CPD)، وهو مؤسسة بحثية أسترالية، أن "حقيقة أن عملية الحدود السيادية تقوم بإيقاف القوارب تعتبر فرصة سانحة، وينبغي أن تكون بداية للحوار وليس نهاية له". ويحاول مركز تطوير السياسات نزع فتيل النقاش المثير للجدل حول الهجرة في أستراليا، الذي وصفه ماكلاود بأنه "مشكلة سياسية محتملة بدون بوصلة".

وربما يكون وصول القوارب إلى أستراليا قد توقف بالفعل، ولكن طالبي اللجوء في جنوب شرق آسيا لم يتوقفوا عن القيام بالرحلات المحفوفة بالمخاطر. وتشير بيانات المفوضية الصادرة في نوفمبر الماضي إلى أن حوالي 54,000 شخص (جميعهم انطلقوا من بنجلاديش وميانمار عدا 1,000 فقط) قد قاموا برحلات بحرية غير نظامية في المنطقة خلال عام 2014. وتشكل هذه الأرقام زيادة عن السنوات السابقة؛ بنسبة 15 بالمائة عن عام 2013، وثلاثة أضعاف عدد المغادرين في عام 2012.

"في حين أن من الحماقة تجريف اتفاقية [اللاجئين لعام 1951] نفسها، ينبغي أن ندرك أن هناك طرقاً مختلفة يمكن للدول اتباعها لتوفير الحماية التي تكرسها الاتفاقية،" كما قال ماكلاود، موضحاً أنه: "في بعض الأماكن، تعتبر [الهجرة] مسألة إتجار بالبشر؛ وفي بعض الأماكن، تتعلق بالتحكم في تدفق اللاجئين؛ وفي بعض الأماكن، تعتبر قضية أمنية؛ وفي كثير من الحالات، يتعلق الأمر بالحصول على الحماية".

إجراءات أحادية

أوضح تقرير عن اجتماع المائدة المستديرة الذي عقده مركز تطوير السياسات في يوليو 2014 للأطراف المعنية بالهجرة في جنوب شرق آسيا، بعنوان ما وراء القوارب: بناء سياسة اللجوء واللاجئين على المدى الطويل، أن النقاش حول الهجرة في أستراليا ينظر إلى الهجرة القسرية "باعتبارها مسألة سياسة داخلية في المقام الأول، وليس سياسة إقليمية" وأن حرمان الوافدين عن طريق البحر من الوصول إلى أستراليا "يخاطر بإغلاق فضاء الحماية".

وتجدر الإشارة إلى أن إندونيسيا وأستراليا تشاركان في رئاسة عملية بالي، وهي آلية إقليمية تضم 50 عضواً أُنشئت عام 2002 لمكافحة تهريب البشر، وقد تعرضت لانتقادات لفشلها في تحقيق نتائج إقليمية، بينما تخدم فقط المصالح السياسية لأستراليا.

وفي إشارة إلى الحد من إعادة التوطين من إندونيسيا في شهر نوفمبر، عبرت ماريا أوسوليفان، وهي محاضرة في القانون في مركز كاستان لقانون حقوق الإنسان في جامعة موناش بمدينة ملبورن عن شكوكها في التزامات أستراليا الإقليمية: "إذا كانت أستراليا ترغب في تأسيس إطار إقليمي أوسع بين الدول في جنوب شرق آسيا، فإن فرض حظر على إعادة توطين طالبي اللجوء من إندونيسيا، التي تعتبر واحدة من شركاء اللجوء الإقليميين الأكثر أهمية بالنسبة لأستراليا، يبدو مخالفاً لذلك".

من جانبه، ذكر ماكلاود أن حوار مركز تطوير السياسات، الذي تم إجراؤه وفقاً لقواعد إخفاء الهوية التي تتبناها منظمة تشاتام هاوس، سمح لأصحاب المصلحة الإقليميين بالتحدث بصراحة أكثر مما يفعلون عندما يمثلون بلدانهم في المناسبات العامة. وقال: "ما رأيناه في المائدة المستديرة كان قيمة ضم ممثلين عن إندونيسيا وماليزيا. لقد غير وجودهم فحوى المناقشات وسهل إثراء فهمنا للقضايا".

خلع قبعات الحكومة؟

وتعني الحساسيات السياسية المتعلقة بالهجرة بين الحكومات في المنطقة، بما في ذلك المخاوف الأمنية، أن اتباع نهج أكثر خصوصية في التعاون قد يكون ضرورياً. وتشمل توصيات تقرير مركز تطوير السياسات فتح حوار إقليمي حول "المسار الثاني".

وأخبر ماكلاود شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه يعتقد أن تصميم حوار "المسار الثاني"، الذي يتيح للمشاركين من مختلف أنحاء المنطقة التجمع ومناقشة السياسة دون أن يمثلوا مناطقهم أو حكوماتهم بشكل رسمي، قد يرفع مستوى الراحة الذي تحقق أثناء اجتماع المائدة المستديرة الذي عقده مركز تطوير السياسات عن طريق محاكاة المحادثات الأمنية الإقليمية.

"عادة ما يستخدم نموذج المسار الثاني لإجراء مناقشات حول التجارة أو الأمن - من الواضح أن الهجرة هي في حد ذاتها قضية أمنية بالنسبة للكثير من الحكومات المعنية - ولذلك فإنه نموذج يمكن أن يعمل بشكل جيد،" كما أفاد، مردداً ما توصلت إليه الأبحاث التي وجدت أن حوارات السياسة غير الرسمية هي عنصر حاسم في التعاون الإقليمي في جنوب شرق آسيا.

الهجرة عاصفة هائلة

وفي حين قد يحتاج الحوار الإقليمي إلى السماح بالتركيز على الهجرة باعتبارها قضية أمنية، فإن تلك المناقشة وحدها لن تضعف الاستنتاج العالمي بأن المهاجرين يشكلون تهديداً. وترى هامرستاد أن هذه المهمة أوسع نطاقاً - وتتضمن إستعادة الفهم العام أن الهجرة ظلت سلوكاً بشرياً على مر التاريخ.

"السؤال هو كيف تصل إلى نقطة تشعر فيها المجتمعات المستقبلة للمهاجرين بأن التوازن على ما يرام،" كما أوضحت. ووصفت وضع الهجرة العالمي الحالي بأنه "يشبه إلى حد ما عاصفة هائلة"، لأن "لدينا بلدان مستقبلة للاجئين تشعر بأن اقتصادها ليس قوياً جداً، إلى جانب أزمات إنسانية واسعة النطاق ومستوى قياسي من الهجرة".

وأضافت أن المناقشة الحالية تتضمن "رد فعل غير محسوب بأن الهجرة أمر غير طبيعي وأن الناس الذين يهاجرون يسيئون استخدام النظام ويستغلونه، بدلاً من النظر إليهم على أنهم أناس يريدون الازدهار في مكان مختلف عن وطنهم. وينم هذا عن نقص التعاطف في الخطاب العام".

kk/cb-ais/dvh

 

ماذا فعل قانون الهجرة الأسترالي الجديد؟

غيّر قانون تعديل تشريعات الهجرة والسلطات البحرية طريقة أستراليا في إدارة ومعالجة حالات طالبي اللجوء من خلال تعديل خمسة قوانين محلية: قانون السلطات البحرية لعام 2013، وقانون الهجرة لعام 1958، ولوائح الهجرة لعام 1994، وقانون الهجرة (الوصاية على الأطفال) لعام 1946، والقرارات الإدارية (المراجعة القضائية) لعام 1977. وركز مشروع القانون على إزالة كل إشارة إلى القانون الدولي، وهو تكتيك أشاد به وزير الهجرة سكوت موريسون عندما قدم التشريع في البرلمان.

توسيع سلطات أستراليا، والحد من التزاماتها

على سبيل المثال، أزال القانون عبارة "وفقاً للقانون الدولي، تكون ممارسة الصلاحيات محدودة في الأماكن التي تقع خارج حدود أستراليا" من قانون السلطات البحرية لعام 2013، وأضاف عبارتي "إن عدم مراعاة الالتزامات الدولية وما إلى ذلك لا يبطل التفويض" و "عدم مراعاة الالتزامات الدولية وما إلى ذلك لا يبطل ممارسة السلطات". وقد قنن التشريع ممارسة البحرية الأسترالية المتمثلة في إعادة القوارب التي يتم اعتراضها إلى أماكنها الأصلية، مثل سريلانكا، موضحاً: "لتجنب أي شك ... يمكن أن تؤخذ سفينة أو طائرة أو شخص (أو التسبب في أخذها) إلى وجهة ما تحت قسم ... سواء كان لدى أستراليا اتفاق أو ترتيب مع أي دولة أخرى يتعلق بهذه السفينة أو الطائرة (أو الأشخاص الموجودين فيها) أم لا ... وبصرف النظر عن الالتزامات الدولية أو القانون الداخلي لأي بلد آخر".

تمييع ضوابط الترحيل

توقع القانون حتى الاعتراضات، بالتحديد جزء منفصل من التشريع المقترح من شأنه أن يعدل قانون الهجرة لعام 1958 من أجل تحديد التزامات أستراليا بعدم الإعادة القسرية تماشياً مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الذي صدقت عليه أستراليا في عام 1980)، واتفاقية مناهضة التعذيب (التي صدقت عليها أستراليا في عام 1989).

في استباق لتأثيره، في القسم المعنون تعديلات إذا بدأ هذا القانون بعد تعديل قانون الهجرة (الحماية وتدابير أخرى) لعام 2014، ينص التعديل التشريعي الخاص بالهجرة والسلطات البحرية على ما يلي: "لا يهم ما إذا كان لدى أستراليا التزامات بعدم الإعادة القسرية لغير المواطنين غير الشرعيين ... وينشأ واجب الضابط في نقل غير المواطن غير الشرعي في أقرب وقت ممكن عملياً بموجب المادة 198 [من قانون الهجرة، الذي يحدد إجراءات نقل المواطنين غير الشرعيين] بغض النظر عما إذا كان هناك تقييم، وفقاً للقانون، لالتزامات أستراليا بعدم الإعادة القسرية فيما يتعلق بغير المواطنين". وكما أوضح باحث قانوني أسترالي: "هذا يعني أنه يحق لأستراليا الآن إعادة طالبي اللجوء إلى الدولة التي كانوا فيها، أو التي تعلم أنهم يمكن أن يتعرضوا للتعذيب أو الاضطهاد فيها".