هل حان الوقت لإعادة التفكير في التمويل الإنساني؟

لويز ريدفرز

Freelance journalist and regular IRIN contributor

قذفت حملة برنامج الأغذية العالمي التي أطلقها بعنوان ADollarALifeline# والتي تحظى بتأييد العديد من المشاهير بمحنة اللاجئين السوريين مرة أخرى إلى دائرة الضوء العالمي، ونجحت في جمع أكثر من 64 مليون دولار في عدة أيام.

وبفضل الاستجابة السخية من قبل الجهات المانحة - بما في ذلك تبرع بقيمة 52 مليون دولار من المملكة العربية السعودية وحدها - أُعيد تفعيل برنامج قسائم الغذاء الإلكترونية للاجئين السوريين في لبنان والأردن والعراق وتركيا ومصر، الذي كان قد تم تعليقه بشكل مؤقت.

ولكن بالإضافة إلى جمع المال، نجحت حملة برنامج الأغذية العالمي أيضاً في تسليط الضوء على الطبيعة غير المستقرة للتمويل الإنساني، على الرغم من وجود أربع حالات طوارئ متزامنة من المستوى الثالث (النوع الأكثر خطورة وفقاً للأمم المتحدة) في جنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى وسوريا والعراق، فضلاً عن أزمة الإيبولا في غرب أفريقيا.

وتجدر الإشارة إلى أن برنامج الأغذية العالمي، الذي يسعى حالياً لدعم أكثر من 80 مليون شخص في 75 دولة في جميع أنحاء العالم، ليس وكالة الأمم المتحدة الوحيدة التي تعاني من ضغط يفوق طاقتها، ولكنه تصدر عناوين الصحف عدة مرات في الأشهر الأخيرة بسبب نقص التمويل الذي يهدد توزيع المواد الغذائية، ليس فقط على اللاجئين السوريين، إذ قال موظفو البرنامج لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن المنظمة اضطرت لخفض الحصص الغذائية في كينيا وإثيوبيا، وتوقفت برامج التغذية المدرسية وغيرها من البرامج في أفغانستان.

وهذه التخفيضات لا تكشف فقط عن حجم وعدد حالات الطوارئ التي يتصدى لها برنامج الأغذية العالمي، ولكنها تشير أيضاً إلى أن نظام التمويل الحالي ليس كافياً، بحسب آراء الخبراء.

"للأسف هذا هو واقع النظام المتصدع. عندما يكون لديك هذا العدد الكبير من هذه الأزمات المستمرة في وقت واحد في جميع أنحاء العالم، فإنها تسلط الضوء على الكثير من المشاكل في هيكل الاستجابة الإنسانية،" كما قال مارك يارنيل، كبير مسؤولي المناصرة في المنظمة الدولية للاجئين Refugees International، وهي منظمة غير حكومية مقرها في واشنطن.

"نظراً للاهتمام الكبير الذي يحظى به الوضع السوري، ربما يمكن فرض نظرة أعمق على السبب في استمرار انهيار هذا النظام. ونأمل أن تكون القمة العالمية للعمل الإنساني المقبلة فرصة للتصدي لبعض هذه التحديات،" كما أضاف في إشارة إلى الحدث الإنساني العالمي المقرر عقده في عام 2016.

نظام رجعي

وفي حديث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت كريستينا بينيت، وهي محللة سياسة المساعدات والباحثة الدولية في مجموعة السياسات الإنسانية التابعة لمعهد التنمية الخارجية (ODI) في لندن، أنه في حين سيكون هناك دائماً مجال لتوجيه نداءات في نهاية كل عام لجذب المانحين الذين لا تزال لديهم أموال غير منفقة، فإن هناك حاجة إلى الابتعاد عن دورات التمويل القصيرة الأجل التي تعوق التخطيط وتؤدي إلى تأخير الشراء على حد سواء.

وأوضحت أن "هذا النظام قائم على النداءات، حيث تمتلك الجهات المانحة مبالغ تستطيع تخصيصها على أساس قصير الأجل، ولذلك يحدث نوع متكرر من دورة النداءات والتمويل".

وأضافت أن "هذا نظام رجعي إلى حد كبير. إذا كانت هناك قدرة على الحصول على تمويل أكثر مرونة وطويل الأجل، ربما سنرى عدداً أقل من هذه النداءات العاجلة في اللحظة الأخيرة وجهداً أكبر للتخطيط للمستقبل".


   "للأسف هذا هو واقع النظام المتصدع"

ويتفق معها تماماً عمال الإغاثة في الميدان، الذين يحاولون إدارة الأموال المتناقصة.

تشغل أنجيلين روداكوبانا منصب نائب المدير القطري لعمليات وبرامج برنامج الأغذية العالمي في أفغانستان، حيث أدى نقص التمويل البالغ 26.9 مليون دولار إلى تعليق برنامج التغذية المدرسية وتخفيض تخصيص الحصص الغذائية للعديد من المجتمعات المحلية.

وقالت في حديث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "بالنسبة لعام 2015، نحن بحاجة إلى حوالي 166 مليون دولار لتغطية جميع أنشطتنا، بما في ذلك عمليات النقل الجوي التي نقوم بها. ننتظر وصول بعض التبرعات ويبدو أنه سيكون لدينا ما يكفي لتغطية أنشطتنا حتى شهر مارس، وربما حتى أوائل شهر يونيو، ولكن بسبب تأخر التعهدات والتأكيدات، لن يتم تأمين بعض السلع التي نحتاج إليها في الوقت المحدد، ولذا سيحدث انقطاع في خطوط إمدادنا".

التمويل الطوعي

وشددت روداكوبانا على أن برنامج الأغذية العالمي يعتمد بالكامل على التمويل الطوعي، على عكس العديد من وكالات الأمم المتحدة الأخرى، التي تتلقى تمويلاً أساسياً (المال الذي يأتي من مساهمات الدول الأعضاء).

"لقد كان هذا هو الحال دائماً، ولكننا نحارب بقوة للتأكيد على أن هذا يجب أن يتغير إما إلى التمويل الأساسي أو تأمين التزامات تمويل لعدة سنوات من قبل المانحين،" كما أفادت، مشيرة إلى تطور إيجابي يتمثل في أن أستراليا قد وافقت مؤخراً على حزمة تمويل لمدة ثلاث سنوات.

وأضافت أن "هذا النوع من التمويل المتعدد السنوات يساعدنا على أن نكون قادرين على تخطيط وتخصيص وإدارة مواردنا بطريقة أكثر استدامة، فضلاً عن القدرة على بناء شراكات مع الشركاء المنفذين والحكومات".

من جانبه، يعتقد يارنيل أن الحكومات في البلدان المضيفة للاجئين الذين يحصلون على مساعدات غذائية ينبغي أن تلعب دوراً أيضاً. وضرب مثلاً بمخيم داداب في كينيا، حيث يعيش العديد من اللاجئين الصوماليين منذ عدة عقود ويضم أسواقاً محلية متطورة: "إذا تم السماح لعدد أكبر من اللاجئين بالعمل في كينيا واستخدام نظام السوق المحلي، سيكونون أقل اعتماداً بكثير على توزيع المواد الغذائية من قبل برنامج الأغذية العالمي".

واعترف بأن ذلك يشكل "معضلة كبيرة للبلد المضيف، أن يكون على استعداد للسماح للاجئين بالعمل والاندماج أكثر في اقتصاده، ولكنه في الوقت نفسه أمر مهم جداً، لأنك عندما تنظر إلى عدد الأزمات والمحتاجين، مقابل الأموال المتاحة، تجد أنهما ليسا متساويين".

وفي 8 ديسمبر أصدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) تقريراً بعنوان لمحة عامة على العمل الإنساني العالمي لعام 2015، الذي يسعى لجمع تمويل قياسي قدره 16.4 مليار دولار لمساعدة ما يقرب من 57.5 مليون شخص في 22 دولة.

وعند إطلاق هذا التقرير في جنيف، أشارت فاليري اموس، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسقة الإغاثة الطارئة إلى أن "تصاعد نطاق الحاجة يفوق قدرتنا على الاستجابة".

وقد كشفت خدمة التتبع المالي (FTS) التابعة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عن أن أقل من نصف الـ31 نداء إنسانياً التي تم إطلاقها خلال عام 2014 قد اجتذبت أكثر من 50 بالمائة من التمويل المطلوب حتى 14 ديسمبر.

وقالت بينيت من معهد التنمية الخارجية، في إشارة إلى مشكلة إجهاد الجهات المانحة: "إن الحد الأدنى لتمويل النداءات آخذ في الارتفاع في كل عام، ولكن الفجوة بين الأموال المطلوبة في إطار النداء والأموال التي يتم الاسهام بها بالفعل آخذة في الاتساع أيضاً ... وما نراه هو أن هناك كمية محدودة من المال في هذا النظام للاستجابة الإنسانية".

وأضافت أنه "في حالة سوريا ... لم ينزح هؤلاء الناس لسنوات قليلة، بل من المحتمل أن يظلوا نازحين لعدة عقود، ولذلك ستظل الجهات المانحة تتحمل عبئاً ثقيلاً لسنوات عديدة قادمة، وأعتقد أن الجميع قد بدؤوا يدركون ذلك".

الجهات المانحة الناشئة

ويتمثل أحد الحلول في محاولة اجتذاب المزيد من الأموال من القطاع الخاص، وهذا ما بدأ يحدث ببطء؛ فقد تضاعفت تبرعات القطاع الخاص للقضايا الإنسانية ثلاث مرات تقريباً، من 2.1 مليار دولار في عام 2006 إلى 5.7 مليار دولار في عام 2011، وفقاً لأحدث الإحصاءات المتاحة.

مع ذلك، فقد لاحظ الخبراء نشوب "صدام ثقافات" بين الشركات التجارية ووكالات الإغاثة كان في بعض الحالات يعوق تكوين شراكة مثمرة.

كما أن ما يسمى بالمانحين "غير التقليديين" أو "الناشئين"، مثل الصين وتركيا ودول الخليج، يوسعون نطاق مساعدتهم أيضاً. ففي عام 2013، كانت دولة الإمارات العربية المتحدة هي أكبر الجهات المانحة للمساعدات الإنمائية الرسمية في العالم من حيث النسبة إلى الدخل القومي الإجمالي، وفقاً للجنة المساعدة الإنمائية (DAC)، وفي يوليو من هذا العام، أصبحت أول دولة غير عضو في منظمة التعاون والتنمية تنضم إلى اللجنة، على الرغم من كونها مجرد مشارك لا يحق له التصويت.

"هناك كمية محدودة من المال في هذا النظام للاستجابة الإنسانية"


في الوقت نفسه، خصصت المملكة العربية السعودية 52 مليون دولار لحملة ADollarALifeline# لسوريا، وأعلنت أيضاً عن تبرعها بمبلغ 42 مليون دولار للاجئين في إثيوبيا و10 ملايين دولار للاجئين في كينيا.

وفي وقت سابق من هذا العام، تبرعت المملكة بمبلغ 500 مليون دولار لوكالات الأمم المتحدة العاملة في العراق من أجل المساعدة في دعم أكثر من مليوني نازح منذ بداية العام جراء أنشطة المتشددين الإسلاميين، وقدمت أيضاً 35 مليون دولار لمواجهة أزمة الإيبولا.

من جانبها، ترى بينيت أن المال المقدم من قبل جهات مانحة مثل المملكة العربية السعودية مرحب به للغاية، لكنها حذرت من أن "تبرعات المرة الواحدة" ليست دائماً "متسقة"، مضيفة أنه "لا يوجد ما يكفي من تاريخ العمل مع هذه الجهات المانحة الناشئة لمعرفة ما إذا كان يمكن الاعتماد عليها سنة تلو الأخرى بنفس طريقة الاعتماد على المانحين التقليديين. وهناك توقعات من جانب وكالات الإغاثة بأن الجهات المانحة التقليدية هي التي ستنقذهم دائماً".

كما أكدت أن توسيع قاعدة المانحين هو أحد الحلول، لكنها ناشدت وكالات المعونة أيضاً بإنفاق المال على نحو أكثر فعالية.

وقالت: "إن الأمر يتعلق بالتنسيق والكفاءة. على سبيل المثال، العمل مع منظمة محلية قد يكون أكثر فعالية من حيث التكلفة. يجب أن تكون الاستجابات ذات سياقات محددة. ففي بعض الأماكن، قد تكون القسائم النقدية والغذائية مناسبة، ولكن في أماكن أخرى، قد تكون الحلول العينية هي الاستجابة الأكثر كفاءة وفعالية".

lr/jd/cb-ais/dvh