التجارة والدهون العابرة إلى المحيط الهادئ

يسهم تناقص الإنتاج الزراعي والواردات غير الصحية في وجود أعلى معدلات الإصابة بالسمنة ومرض السكري في العالم في جزر المحيط الهادئ. فهناك ست من أصل عشر دول في منطقة جزر المحيط الهادئ تعاني من أعلى معدلات انتشار مرض السكري، وفقاً للاتحاد الدولي لمرضى السكري الذي يتخذ من بلجيكا مقراً له.

ففي فيجي، يتعرض شخصان لعملية بتر الأطراف بشكل شبه يومي نتيجة لمرض السكري، وفقاً لوسائل الإعلام المحلية. وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قال بيتر سوسا هويجسكوف، المسؤول التقني في قسم سلامة الأغذية والأمراض غير المعدية لدى منظمة الصحة العالمية في سوفا، عاصمة فيجي: "تم الإعلان عن الأمراض غير المعدية باعتبارها كارثة في منطقة المحيط الهادئ. وينجم معظم هذه الأمراض عن البيئة الغذائية التي يعيش فيها الناس، حيث لا توجد العديد من الخيارات الصحية".

ويقول الخبراء أن مكافحة هذا التوجه المعيق والقاتل للأمراض غير المعدية سوف يتطلب كل شيء بداية من التوعية الغذائية وحتى تغيير السياسات الغذائية والاستثمارات الزراعية المحلية.

وتتصاعد الإشارات التحذيرية من الأمراض غير المعدية، فطبقاً لمنظمة الصحة العالمية، يعاني أكثر من نصف السكان من الوزن الزائد في عشر دول على الأقل من الدول الأربعة عشر المأهولة بالسكان في جزر المحيط الهادئ حيث تم تجميع البيانات.

ففي العقد الماضي، تحول السكان الذين يعيشون في دول جزر المحيط الهادئ الأربع عشرة وفي خمس "مناطق" قريبة الذين اعتادوا على استهلاك الأغذية المزروعة محلياً مثل المحاصيل الجذرية أو الأطعمة المنتجة محلياً، بشكل متزايد إلى استهلاك الأطعمة المصنعة منخفضة التكلفة ومنخفضة القيمة الغذائية التي يتم استيرادها من الخارج.

ويتم استيراد حوالي 27 بالمائة من الطعام الذي يتم استهلاكه في جزيرة فانواتو، وتصل هذه النسبة إلى 91 بالمائة في جزر مارشال.

تناقص المحاصيل الزراعية المحلية

وقال هوجيسكوف أنه مع استمرار تناقص عوائد الزراعة، أصبحت السلع المعلبة التي تحتوي على نسبة عالية من السكريات والملح هي "المواد الغذائية الجديدة".

وقالت سارة تاريوها وهي أم لثمانية أطفال تعيش في ماراو، في الجزء الشرقي لجزيرة جوادالكنال في جزر سليمان أن "التربة هنا ليست جيدة للزراعة. ولحسن الحظ هناك متجر قريب يمكننا أن نشتري منه المكرونة السريعة التحضير والأرز. يأكل ابني (المكرونة السريعة التحضير) نحو ثلاث مرات يومياً".

ويحتوي غذاء البطاطس الحلوة التقليدي على 55 ملغم من الملح لكل وجبة وكمية ضئيلة جداً من الدهون؛ وتحتوي الحصة الواحدة من المكرونة السريعة التحضير على 1,000 ملغم من الملح و20 بالمائة من الدهون.

ووفقاً لتحليل مواطن الضعف الذي قامت به أمانة مجتمع المحيط الهادئ (وهي منظمة حكومية دولية تتألف من 26 دولة)، "تعتبر الآفات الضارة والأمراض، علاوة على انخفاض خصوبة التربة، من بين العوامل الرئيسية التي أثرت على الإنتاج الزراعي في المجتمعات".

وعلى الرغم من أن البيانات الزراعية في هذا الجزء من العالم ضئيلة للغاية، إلا أنها تزخر بشهادات المجتمع.

وكانت محاصيل البطاطس الحلوة والبطاطس تستغرق ثلاثة أشهر منذ زراعتها وحتى حصادها في مقاطعة إيزابيل في جزر سليمان، وكانت جميع البذور المزروعة تقريباً تنتج محصولاً، لكن المزارعين يقولون أن المحاصيل تستغرق على الأقل خمسة أشهر الآن كما ينتج أقل من نصف الحقل المزروع ثماراً.

ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة، "أدى تناقص القدرة التنافسية للمزارعين والصيادين في جزر المحيط الهادئ إلى الحد من قدرتهم على إمداد السوق المحلي والتصدير بأسعار تنافسية".

وتقول منظمة الأغذية والزراعة أن أفضل طريقة للحد من الاعتماد على الواردات الغذائية هي زيادة قدرة المزارعين المحليين، بما في ذلك تحسين البنية التحتية للنقل للوصول للأسواق، وتسهيل الحصول على الائتمان والمواد الزراعية الخام.

ويقول الخبراء أن هناك حاجة لإحداث تغيرات في هيكل الامدادات الغذائية للجزر وذلك لدعم الزراعة المحلية.

وقال هويجزكوف أن العامل الرئيسي لاستهلاك الطعام غير الصحي المستورد، هو أن الطعام الصحي، الذي يتم إنتاجه محلياً ليس وفيراً ولا رخيصاً بدرجة كافية للتنافس مع الواردات المنخفضة السعر، والوقت الذي يتطلبه توصيل المواد السريعة التلف المحلية للجزر المنعزلة – يصل إلى أسبوع بالطائرة والقارب والشاحنات – وهي فترة طويلة جداً لا تتحملها هذه المنتجات.

وقال هويجزكوف أن دعم الإنتاج المحلي من الخضروات والفواكه قد يكون أحد الحلول.

وفي هونيارا، عاصمة جزر سليمان، وجدت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه في الوقت الذي تكلف فيه عبوة المكرونة السريعة التحضير من 26-70 سنتاً أمريكياً، فإن الكاسافا المزروعة محلياً أو درنات البطاطس الحلوة تكلف 21 ضعف هذا المبلغ.

ضرر المرض

ويحذر الخبراء من أن استمرار التوجه الحالي سيؤدي إلى زيادة عبء الأمراض غير المعدية، المسؤولة الآن عن 70 بالمائة من جميع الوفيات في تسع من عشر دول في جزر المحيط الهادئ التي قامت بجمع بيانات الوفيات.

وأخبر العاملون في المجال الصحي شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنهم يلاحظون أن السكان الأصغر سناً أصبحوا يصابون بالسمنة والسكري.

وقال كاما وهو متخصص في التغذية في فيجي أن "أصغر شخص جاء إلى العيادة مصاباً بمرض السكر من النوع 2 كان فقط في الحادية عشرة من عمره".

وقال ستيفين مكجرافي المتخصص في علم الأوبئة ومدير معهد الصحة الدولي في جامعة براون أنه "حتى وقت قريب لم يفهم الناس العواقب الغذائية السلبية للواردات من الأطعمة التي تحتوي على نسبة عالية من الدهون والملح". وتعمل منظمة الصحة العالمية حالياً مع حكومات دول جزر المحيط الهادئ لتطوير معايير السلامة الغذائية، والتأكد من أن جداول الحقائق الغذائية الموجودة على الأطعمة دقيقة ومفهومة لشعوب هذه الجزر.

ولكن آخرين يقولون أن المشكلة أكبر من ذلك.

المصالح الاقتصادية

ويشير الخبراء إلى الحاجة إلى عدد من التغيرات في السياسات. فقد رفعت فيجي وبولينيزيا الفرنسية وناورو وساموا الضرائب على المشروبات الغازية السكرية في العقد الماضي، ولكن مازال من المبكر قياس أي مردود صحي لهذا الإجراء، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

فالمصالح الاقتصادية التي تأتي من وراء الصناعات الغذائية من الدول المصدرة إلى جزء المحيط الهادي تجعل من الصعب حظر المنتجات التي تعتبر غير صحية، كما قال هويجزكوف.

فعلى سبيل المثال عندما حاولت ساموا في عام 2007 منع أذيال الديك الرومي (وهي قطع لحم شعبية غضروفية مكونة من 42 بالمائة من الدهون) التي يتم استيرادها من الولايات المتحدة لأسباب صحية، قامت الولايات المتحدة بعرض القضية على منظمة التجارة العالمية، ثم في عام 2013 أعطت منظمة التجارة العالمية ساموا مهلة قدرها 12 شهر لرفع الحظر من أجل أن تظل عضواً في المنظمة. وبحلول شهر مايو 2013 عادت أذيال الديك الرومي إلى طاولة الطعام في ساموا.

وعلى نحو مشابه، قامت وزارة الصحة في تونغا في عام 2004 بحملة لحظر ضلوع لحم الضأن لاحتوائها على 50 بالمائة من دهون بطن الغنم المستخدم عموماً في إطعام الكلاب في الدولة المصدرة له وهي نيوزيلندا، نظراً لأن هذا الطعام أصبح الغذاء الرئيسي لدى الأسر في تونغا. ولكن تعهد تونغا للانضمام إلى منظمة الصحة العالمية في نهاية المطاف تفوق على المخاوف الصحية وتم إلغاء السياسات في الوقت الذي انضمت فيه البلاد في النهاية إلى المنظمة في عام 2007.

وبعد عقد من الزمان فإن التجارة لا تسهل الأمر على محاولات تحسين الصحة كما أشار روجر ماثيسين وهو استشاري للتغذية في هانوي يعمل في جنوب شرق آسيا. وقال ماثيسين أن "هناك تهديدات ناشئة بما في ذلك فصول النزاع المثيرة للجدل والجديدة في اتفاقيات التجارة الدولية مثل الشراكة عبر المحيط الهادي للصناعات الغذائية للالتفاف حول سيادة الحكومات في تطبيق سياسات حماية الصحة والبيئة".

وقد حاولت الحكومات مقاومة ذلك. فقد أعلنت حكومات منطقة المحيط الهادئ في بيان جاء في اختتام ورشة عمل لشبه إقليم المحيط الهادئ عقدت في فيجي في 2013 حول التجارة والأمراض غير المعدية أنه "لا ينبغي أن تعامل منطقة المحيط الهادئ على أنها مدفن يتم فيه إلقاء المنتجات غير الصحية غير المرغوب فيها في الدول الأخرى"

ويعد وضع معايير إقليمية للغذاء أمراً أساسياً كذلك. فقد أوصت منظمة الصحة العالمية الحكومات في منطقة المحيط الهادئ بعدم السماح لأكثر من 1,600 ملغم من الملح لكل 100 غرام من المكرونة السريعة التحضير و400 ملغم لكل كمية مماثلة من الخبز. وقامت كل من كيريباس وفانواتو بوضع تشريعات وطنية للغذاء تستهدف الملح في المسودات الأولى من التشريعات، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

وقال هويجزكوف أن "معظم الخيارات المستوردة تكون غير صحية، ولكن يمكن للحكومات على الأقل أن تتأكد من أن المنتجات التي يشتريها الناس تمتثل لحد معين من معايير الصحة ونأمل أن لا يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى تكون هناك تشريعات قائمة".

dm/kk/pt/cb-hka/dvh

"