الدروس المستفادة من عملية شريان الحياة في السودان

عندما بدأت عملية شريان الحياة في السودان قبل 25 عاماً، سعت إلى مد يد العون إلى ملايين المحتاجين والعالقين في الحرب الأهلية السودانية الثانية (1989-2005). واليوم، يكافح المجتمع الدولي لحل الأزمة المكلفة في جنوب السودان.

في الأشهر العشرة الماضية، قُتل آلاف الناس، وأصيب عدد أكبر بجراح. كما فر 1.4 مليون شخص على الأقل من ديارهم في جنوب السودان، وعبر حوالي 469,000 شخص الحدود إلى دول إثيوبيا وكينيا والسودان وأوغندا المجاورة. ويجري حالياً تنفيذ عملية إنسانية واسعة النطاق، ويسعى مجتمع المعونة إلى جمع 1.8 مليار دولار أمريكي في عام 2014.

ستلقي شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) نظرة على الدروس التي يمكن، أو سبق بالفعل، الاستفادة منها في عملية شريان الحياة.

التنسيق ثم التنسيق

كانت عملية شريان الحياة أكبر جهد إنساني منسق على الإطلاق و"سمحت بمشاركة الجهات المانحة والمنظمات غير الحكومية التي كانت إما غير قادرة أو غير راغبة في بذل جهود الإغاثة بمفردها أو تحت رعاية جهات أخرى"، كما أشار تقرير صادر عن اتحاد بحوث سبل العيش الآمنة (SLRC)، الذي أضاف أن التعاون بين المنظمات غير الحكومية كان "نتاج عملية شريان الحياة بشكل عام ومفاوضات القواعد الأساسية على وجه الخصوص".

ولا يزال التنسيق حاسماً في استجابة الإغاثة. وقد تم تكليف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بمسؤولية "الجمع بين الجهات الفاعلة الإنسانية لضمان استجابة متسقة لحالات الطوارئ".

وتدعو القواعد الأساسية لعملية شريان الحياة إلى "تقديم المساعدة الإنسانية إلى السكان المحتاجين، بغض النظر عن انتماءاتهم"، كما أفاد دان ماكسويل، وهو أستاذ في جامعة تافتس وقائد فريق اتحاد بحوث سبل العيش الآمنة. كانت وكالات الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة تتفاوض مع الأطراف المتحاربة من أجل الوصول إلى المحتاجين لتسليم الغذاء ومواد الإغاثة الأخرى. وعلى الرغم من تعرض عملية شريان الحياة لانتقادات مستمرة من قبل المجتمع الدولي وأطراف النزاع على حد سواء، فقد استمرت لما يقرب من 16 عاماً، وانتهى العمل بها في عام 2005، بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل.

التواصل مع جميع الأطراف لإزالة القيود الأمنية التي تعوق الوصول

وكما كان الحال في فترة تنفيذ عملية شريان الحياة، تعوق القيود السياسية والأمنية واللوجستية جهود الإغاثة اليوم في جنوب السودان.

ولا يزال الوصول إلى المحتاجين عن طريق البر صعباً خلال موسم الأمطار، مما اضطر المنظمات الإنسانية إلى الاعتماد بشدة على النقل الجوي المكلف على نحو متزايد. ووفقاً لبعض عمال الإغاثة، كان استخدام الأصول الجوية أرخص أثناء عملية شريان الحياة، لأن مواد الإغاثة كانت تُنقل من مناطق التجمع في دول إثيوبيا وكينيا وأوغندا المجاورة. أما في الوقت الحاضر، فإن معظم المساعدات تأتي من جوبا البعيدة عن المناطق المتضررة من الأزمة. وقد بدأ إرسال المساعدات عبر الحدود إلى جنوب السودان من دولة السودان مؤخراً.

وتحتل جنوب السودان المركز الثالث في العالم، بعد أفغانستان وسوريا، من حيث انعدام الأمن بالنسبة لعمال الإغاثة. ووفقاً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، تم الإبلاغ عن 74 حادث وصول في شهر سبتمبر الماضي (مقارنة بـ 58 حادثاً في أغسطس) تشمل في المقام الأول "العنف ضد الأفراد/الأصول مع العديد من حوادث الاعتداء والمضايقة والكمائن/عمليات الخطف وخاصة في ولاية الاستوائية الوسطى، والاعتقال/الاحتجاز والتهديدات في ولايتي الوحدة وجونقلي". وفي شهر أغسطس، تم إسقاط مروحية تابعة للأمم المتحدة في ضواحي بانتيو بولاية الوحدة.

وفي جنوب السودان، يقوم الفريق القطري الإنساني - الذي يضم ممثلين عن الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة والمنظمات غير الحكومية الدولية والصليب الأحمر/الهلال الأحمر - "بالتواصل على نطاق واسع مع جميع أطراف النزاع لإبلاغهم بتأثير القيود المفروضة على الوصول على البرامج الإنسانية"، كما أشار تقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية عن الوصول.

وأضاف أن "فريق الوصول التابع لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) يتواصل مع جميع أطراف النزاع للتغلب على المعوقات وتسهيل وصول المساعدات، بما في ذلك الحصول على ضمانات بتأمين الرحلات الجوية والقوافل".

التفاوض مع أطراف النزاع لتجنب سوء الفهم

وقد مكن التفاوض مع أطراف النزاع عملية شريان الحياة من أن تصبح عملية الإغاثة الأولى في "نزاع غير دولي" نشط، التي "وسعت نطاق إمكانية تقديم الإغاثة في حالات الطوارئ والاستجابة الإنسانية"، كما أشار تقرير اتحاد بحوث سبل العيش الآمنة.

وبالإضافة إلى القدرة على التنسيق والمظلة الرسمية لعملية شريان الحياة، قدم التفاوض على الوصول "مفهوم الحكم الإنساني، أو استخدام الإغاثة الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان للتأثير على سلوك الجهات الفاعلة الحكومية أو غير الحكومية،" كما أفاد التقرير.

كما يبرز تقرير اتحاد بحوث سبل العيش الآمنة أوجه الشبه مع فترة تنفيذ عملية شريان الحياة، عندما كانت الحكومة في الخرطوم تنظر إلى المساعدات المقدمة إلى المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان كوسيلة لتقديم الدعم للمتمردين. وقد اعترف تقييم مستقل أجرته إدارة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (DHA) بأنه: "في حين تعترف اتفاقيات عملية شريان الحياة بالسيادة التامة [للحكومة السودانية]، فإن الممارسة العملية تثبت أن قطاع الجنوب كان يتمتع بحكم ذاتي هش فيما يتعلق بالأطراف المتحاربة". وفي الواقع، كان نقاد عملية شريان الحياة ينظرون إلى التفاوض على الوصول بأنه "تعبير برنامجي عن قبول استمرار العنف".

وتجدر الإشارة إلى أن أطراف النزاع فرضوا قيوداً على أنشطة عملية شريان الحياة، وظل الناس الذين يعيشون في مناطق مثل جبال النوبة - بمحاذاة ما أصبح الآن الحدود الجنوبية للسودان – محرومين من المساعدة.

وكان هناك عدد قليل من "الوسائل البديلة لتقديم المساعدات"، كما ذكر ماكسويل من اتحاد بحوث سبل العيش الآمنة، الذي أضاف أن تجاهل عملية التفاوض على الوصول كان من الممكن أن يشكل خطورة على عمال الإغاثة ويزعزع استقرار العملية برمتها.

وهناك درس حيوي مستفاد من عملية شريان الحياة، كما يقول تقرير اتحاد بحوث سبل العيش الآمنة، ألا وهو الاستمرار في التعامل مع كلا جانبي الصراع، واحترام السيادة في نفس الوقت.

في ثمانينيات القرن الماضي، أدى التفاوض على الوصول مع أطراف النزاع إلى انتقادات بأن عملية شريان الحياة تساعد على إطالة أمد الصراع – حيث كان يُنظر إلى المساعدات المقدمة للنازحين، في ومن الجنوب، على أنها توفر حوافز للفصائل الجنوبية لكي لا تتوقف عن القتال.

وكان يُنظر للتحول في عملية شريان الحياة من تقديم الإغاثة الطارئة فقط إلى مايشبه جدول أعمال التنمية في القطاع الجنوبي بعد عام 1991 "على أنه محاولة من جانب الحكومات الغربية لمساعدة الجبهة/الجيش الشعبي لتحرير السودان على صد الهجمات التي تشنها حكومة الخرطوم"، كما أوضح التقرير.

وفي الأزمة الحالية، أعربت حكومة جوبا عن مشاعر معادية للأمم المتحدة بسبب مفاهيم خاطئة تزعم أن بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (UNMISS) تدعم المتمردين.

الاستفادة القصوى من الشبكات المحلية

وقد واجهت عملية شريان الحياة انتقادات بسبب "تفويت فرص لتعيين موظفين محليين" والفشل في أخذ وجهات نظر المراقبين والمستفيدين السودانيين بعين الاعتبار بالقدر الكافي، وفقاً لتقرير اتحاد بحوث سبل العيش الآمنة.

وأشار لوكا بيونغ، مدير مركز دراسات السلام والتنمية بجامعة جوبا، إلى أنه في ذلك الحين، "كانت المنظمات غير الحكومية الدولية تتحول بحكم الأمر الواقع إلى حكومات. ونسوا المؤسسات الموجودة هناك".

وأضاف بيونغ قائلاً: "إن فكرة أن المؤسسات التقليدية تتحطم أثناء الحرب ليست استنتاجاً نهائياً". ويرى بيونغ أن عدم وجود استراتيجية للخروج يعني أنه عندما انتهت الأزمة وبدأت وكالات الإغاثة في المغادرة، لم يتبق أحد لتنفيذ الأعمال.

وفي السنوات الأخيرة، تم تعيين المزيد من الموظفين المحليين في المنظمات الإنسانية الدولية. وقال منسق الشؤون الإنسانية في جنوب السودان، توبي لانزر في افتتاحية إحدى الصحف في شهر أغسطس الماضي: "قبل الأزمة [ما قبل ديسمبر 2013]، كان 9 من كل 10 موظفين في المنظمات غير الحكومية الدولية في جنوب السودان من مواطني جنوب السودان".

مع ذلك، فقد أثر الصراع على نشر الموظفين المحليين من خلفيات عرقية مختلفة في بعض النقاط الساخنة. وأضاف لانزر أن "التوترات العرقية التي تغذي العنف أفقدت بعض عمال الإغاثة من مواطني جنوب السودان القدرة على العمل في المناطق التي كانت في أمس الحاجة إليهم لأن حياتهم كانت معرضة للخطر".

ولكن الشبكات المحلية ضرورية في الاستجابة الإنسانية. وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال كيبروم تسفاسيلاسي، الذي يقود بعثات الاستجابة السريعة لمنظمة اليونيسف في بعض أكثر المناطق عزلة وانعدماً للأمن في جنوب السودان، أن نشر فريقه يتم فقط بعد أن "يتواصل قادة المجتمع المحلي مع الشركاء على الأرض، ويعلنون أن هناك حاجة إليه".

وعلى الرغم من هذا، لا تزال حكومة جوبا تشعر بالاستياء، وقامت في الأونة الأخيرة بإلغاء تعليمات تحظر توظيف بعض العمال الأجانب لتوفير المزيد من فرص العمل للموظفين المحليين.

الحفاظ على المرونة

في حين أن الإعداد لعملية شريان الحياة تم في سياق مختلف، ولا يمكن أن يقدم سوى بعض التوجيه المحدود بشأن تفادي التصادم مع الإطار السياسي الحالي في جنوب السودان، فإن قدامى الموظفين في الحملات الإنسانية السابقة يقولون أن الدروس لا تزال صالحة للتطبيق. وفي هذا الصدد، أكد جون أشويرث، الذي يتمتع بخبرة واسعة في العمل على بناء السلام في السودان وجنوب السودان، ولكن عبر العمل من خلال مجموعات كنسية وليس من خلال عملية شريان الحياة، أن المرونة كانت عاملاً حاسماً.

وأضاف أشويرث أن نظام عملية شريان الحياة كان "يفتقر إلى المرونة"، وأن "الأوضاع على الأرض يمكن أن تتغير بسرعة، ولكن محاولة إرسال تلك الرسالة إلى قسم الخدمات اللوجستية ... يمكن في واقع الأمر أن يتأخروا عدة أسابيع عن الوقت الحقيقي لوقوع الأحداث".

وفي السياق نفسه، يؤكد تقرير اتحاد بحوث سبل العيش الآمنة أن "توقيت تسليم المساعدات الغذائية غالباً ما كان متأخراً وتعوقه المشاكل اللوجستية وضعف البنية التحتية، فضلاً عن القيود البيروقراطية والسياسية والأمنية والبيئية".

وعلى الرغم من أن الاستجابة الحالية أكثر رشاقة، فإن نقص الموارد غالباً ما يمثل مشكلة.

وقال طارق ريبل، المدير القطري لمنظمة أوكسفام في جنوب السودان: "يمكنك أن تفعل كل شيء إذا كنت تستطيع دفع ثمنه". والجدير بالذكر في هذا الصدد أن خطة الاستجابة لأزمة جنوب السودان، التي تلقت 70 بالمائة من مبلغ الـ1.8 مليار دولار المطلوب، تواجه منافسة من الأزمات الدولية الجارية الأخرى، بما في ذلك تفشي الإيبولا في غرب أفريقيا.

معالجة الأسباب الكامنة واستغلال فرص بناء السلام

وقد واجهت عملية شريان الحياة انتقادات بأنها غير مستدامة، وأنها "استجابت فقط للاحتياجات الفورية وفشلت في معالجة الأسباب الكامنة وراء الأزمة"، كما يشير تقرير اتحاد بحوث سبل العيش الآمنة.

وعلى الرغم من محاولات تشجيع انتاج المزيد من الغذاء المحلي في منتصف تسعينيات القرن الماضي، "لم تكن عملية تقديم المساعدات الغذائية الضخمة في كثير من الأحيان مرتبطة بإدخال أي تحسينات مستدامة على سبل عيش الناس - بل [كان هناك] جدل حول ما إذا كان ينبغي أن تكون مرتبطة بذلك أم لا".

وبينما لم تكن عملية شريان الحياة تهدف إلى إنهاء الأعمال العدائية بين الأطراف المتحاربة في السودان، فقد حققت بعض النجاح في بناء السلام، ويقول النقاد أن هذا النجاح كان من الممكن السعي لمواصلته. "كان هناك اتصال عميق بين عملية شريان الحياة والفرص المتاحة لصنع السلام، حتى لو لم يكن السلام هو هدفها المعلن. تم تدشين هذه العملية لتخفيف المعاناة التي تسببها المجاعة الناجمة عن الحرب. وبالتالي، فإن الحل النهائي للمشكلة كان يكمن في تحقيق السلام،" كما أشار تقرير مراجعة عملية شريان الحياة.

وفي الاستجابة للأزمة الحالية، أصبح دعم سبل كسب العيش عنصراً رئيسياً إلى جانب توفير الغذاء والرعاية الصحية والمأوى والصرف الصحي والاحتياجات الأساسية الأخرى. وفي شهر أبريل الماضي، دعا لانزر أطراف النزاع إلى النظر في قبول"شهر من الهدوء" لتمكين الناس من التحرك بحرية والزراعة أو رعاية الماشية "أو حتى طلب اللجوء إلى الدول المجاورة، إذا رغبوا في ذلك".

وقبل النزاع الحالي، كانت المنظمات الإنسانية في جنوب السودان تحول نشاطها نحو التنمية. وقال أووت دنغ أكويل، الذي كان يشغل منصب وزير الشؤون الإنسانية وإدارة الكوارث في جنوب السودان في ذلك الوقت، خلال حفل إطلاق عملية النداء الموحد لعام 2013: "إن وضع القدرة على الصمود والمؤسسات الوطنية في طليعة أعمال الإغاثة سوف يساعد على جعل دولة جنوب السودان أكثر قدرة على رعاية مواطنيها في أوقات الأزمات". مع ذلك، فقد أدى الصراع إلى تجميد هذه الخطط.

ag/aw/cb-ais/dvh