جمهورية أفريقيا الوسطى: البحث عن العدالة

في الوقت الذي تكثف فيه المحكمة الجنائية الدولية جهودها في جمهورية أفريقيا الوسطى، متعهدة بتقديم مرتكبي أعمال العنف للعدالة، تُبذل جهود منسقة لمكافحة الإفلات من العدالة في البلاد. ولكن حالة انعدام الأمن السائدة في مناطق عديدة في الدولة تجعل التوصل إلى أي حلول سريعة أمراً مستبعداً في الوقت الحالي.

وقد أعلنت فاتو بنسودا، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في شهر سبتمبر أن المحكمة على استعداد لفتح تحقيق ثان في جمهورية أفريقيا الوسطى. ووفقاً لبنسودا، فإن التحقيق المبدئي الذي أجري في شهر فبراير قد قاد إلى "جمع معلومات مهمة من مصادر عدة وتحليلها بدقة"، وأكد بما لا يدع مجالاً للشك حق المحكمة الجنائية في التدخل بموجب نظام روما الأساسي. وقالت بنسودا أن "قائمة الأعمال الوحشية بلا نهاية" مؤكدة أنها "لا تستطيع تجاهل هذه الجرائم المزعومة".

ويبدو أن التحقيقات المبدئية قد انتهت الآن وأن المحكمة عازمة على إجراء تحقيق كامل، ولكن لا يوجد بعد أي مؤشر من لاهاي حول الفترة التي قد يستغرقها التحقيق حتى يتم تحديد المشتبه بهم ويتم إصدار أوامر بالقبض على المتهمين ومحاكمتهم.

أفراد السيليكا ومكافحة البالاكا مطلوبون بسبب جرائم حرب

ويقدم تقرير مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الصادر في 24 سبتمبر عرضاً مفصلاً لانزلاق جمهورية أفريقيا الوسطى إلى دوامة الحرب الأهلية منذ أغسطس 2012، والدور الذي يلعبه متمردو السيليكا وميليشيات مكافحة البالاكا الذين حاولوا التصدي للتمرد. ويصف تقرير المحكمة الجنائية الدولية فترة من الاضطهاد والمذابح التي استهدفت المواطنين العاديين بشكل روتيني على أساس الانتماء العرقي والديني. كما تؤكد الوثيقة تقارير سابقة من منظمات مثل هيومان رايتس ووتش، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH)، وشهادات من نشطاء حقوق الإنسان في جمهورية أفريقيا الوسطى. وتتهم بنسودا نفسها مقاتلي السيليكا ومكافحة البالاكا بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بما في ذلك القتل والاغتصاب، والتشريد القسري، والاضطهاد، والنهب، وهجمات ضد البعثات الإنسانية، واستخدام الأطفال دون سن 15 عاماً في القتال".

لجنة الأمم المتحدة تدعو لحوار بين المسيحين-والمسلمين

وقد توصلت لجنة التحقيق الدولية في انتهاكات حقوق الإنسان في جمهورية أفريقيا الوسطى، التابعة للأمم المتحدة، التي أُنشئت بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2127 في ديسمبر 2013، إلى استنتاجات مماثلة. وبعد أول زيارة لها للدولة في مارس 2014 ودراسة لاحقة للمتابعة في شهري أبريل ومايو، قدمت اللجنة تقريرها المبدئي في يونيو. وقد سلط هذا التقرير الضوء على انتشار حالات الإعدام خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري، والتعذيب والاحتجاز والاعتقال التعسفي. وحذر بيرنارد منى، رئيس اللجنة الكاميروني الجنسية، والذي شغل في السابق منصب نائب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، من أن "خطاب الكراهية" يؤجج التوتر، داعياً إلى إجراء حوار عاجل بين المسلمين والمسيحيين.

أعضاء الهيئات القانونية يعيشون في خوف وتوتر

وتحظى المحكمة الجنائية الدولية بدعم واضح من حكومة الرئيسة المؤقتة كاترينا سامبا بانزا. وقد تحدثت حكومة سامبا بانزا في بيان صدر في 30 مايو، في إشارة للوضع في جمهورية أفريقيا الوسطى إلى المحكمة الجنائية الدولية، عن "حالات متعددة من الجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الانتهاكات البشعة لحقوق الإنسان التي ارتكبت منذ عام 2012".

وفي الوقت الذي يكتسب فيه العمل الذي تقوم به المحكمة الجنائية الدولية زخماً، لفت دعاة حقوق الإنسان والخبراء القانونيون، النظر مراراً وتكراراً، إلى أوجه القصور الواضحة في نظام العدل في جمهورية أفريقيا الوسطى.

   "إنشاء نظام عدالة فعال وسجون وقوات الشرطة وغيرها من المؤسسات الرئيسية للدولة، من الصفر تقريباً، هي مهمة ضخمة ومعقدة ولن تكون سهلة"


والجدير بالذكر أن القضاة قد منحوا زيادات في الأجور عندما تولى الرئيس ميشال دجوتوديا مقاليد السلطة في مارس عام 2013. مع ذلك، يعمل نظام العدالة، كما هو الحال بالنسبة لقطاعات أخرى من الإدارة، بأقل من قدراته العادية، ويواجه صعوبات هائلة حيث يشكل الافتقار إلى الموارد الأساسية عقبة رئيسية. بيد أن الأهم من ذلك هو المخاطر التي يواجهها القضاة وغيرهم بشكل يومي. وقال المدعي العام المساعد في الدولة لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إذا حاول القضاة القيام بعملهم بشكل صحيح، سوف يصبحون هم وأفراد أسرهم مستهدفين...وأولويتنا في الوقت الراهن هي إنقاذ أرواحنا".

وقد اشتكى مسؤول في وزارة العدل من أنه "لا توجد ضمانة أمنية حتى في قاعات المحاكم...نظراً لأن أقارب الذين يواجهون اتهامات غالباً ما يأتون إلى المحكمة لممارسة الضغط".

وقد هرب العديد من المعتقلين من السجن وانضموا إلى صفوف الجماعات المسلحة المختلفة. وفي ظل عدم قدرة الشرطة والمؤسسات العسكرية على أداء مهامها بشكل صحيح، قام جنود من العملية العسكرية "سانغاريس" التي تقودها فرنسا، بإلقاء القبض على مقاتلين من ميليشيات مكافحة البالاكا. ولكن السلطات أفرجت عن أحد كبار قادة مكافحة البالاكا، ويدعى باتريس إدوارد نجايسونا، في وقت لاحق.

وفي زيارة لها إلى بانغي في أبريل عام 2014، حذرت نافي بيلاي، مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في ذلك الوقت، من أن جمهورية أفريقيا الوسطى تتسم "بالإفلات التام من العقاب، وأنه لا توجد هناك عدالة، ولا قانون ولا نظام إلا الذي توفره القوات الأجنبية".

الحاجة إلى عدالة محلية

ودعت بيلاي إلى ضرورة إجراء إصلاحات قانونية كبيرة وإنشاء لجنة وطنية لحقوق الإنسان، ولكنها حذرت في الوقت ذاته من أن "إنشاء نظام عدالة فعال وسجون وقوات الشرطة وغيرها من المؤسسات الرئيسية للدولة، من الصفر تقريباً، هي مهمة ضخمة ومعقدة ولن تكون سهلة".

من جانبها، انتقدت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في يوليو 2014، بعنوان "جمهورية أفريقيا الوسطى: وقت المساءلة"، نهج المجتمع الدولي المتردد بشأن التحديات التي تواجه العدالة وحقوق الإنسان في جمهورية أفريقيا الوسطى.

وشددت منظمة العفو الدولية على ضرورة قيام جمهورية أفريقيا الوسطى بدور أكبر في تحقيق العدالة، وإلا فإن عليها مواجهة عواقب ذلك: "إذا لم تقم جمهورية أفريقيا الوسطى بإجراء تحقيقاتها وملاحقاتها القضائية الخاصة بها، فإن العديد من المجرمين بموجب القانون الدولي سوف يستمرون في الإفلات من العقاب عن جرائمهم".

محكمة جنائية خاصة ببانغي

كما شملت توصيات منظمة العفو الدولية أيضاً إنشاء محكمة "مختلطة"، تتألف من مواطنين من جمهورية أفريقيا الوسطى وأجانب، قائلة أن إنشاء مثل هذه الهيئة من شأنه أن يساعد في بناء الثقة والمصداقية في قطاع العدالة الوطنية.

ويبدو أن جمهورية أفريقيا الوسطى تسير في هذا الاتجاه. ففي أغسطس، وقعت الحكومة وبعثة الأمم المتحدة في الدولة (بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى) اتفاقاً بشأن تشكيل محكمة خاصة، تتألف من قضاة من جمهورية أفريقيا الوسطى وخبراء قانونيين من الخارج. وفي حين أن المحكمة الجنائية الدولية سوف تسعى لمحاكمة مرتكبي الجرائم الأكثر خطورة في جمهورية أفريقيا الوسطى، سوف تتصدى المحكمة الخاصة لانتهاكات حقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك أعمال العنف الجنسي وانتهاكات حقوق الطفل. وسوف يعتمد تأسيس المحكمة على إصدار قانون من قبل البرلمان الانتقالي في جمهورية أفريقيا الوسطى، الذي يعرف باسم المجلس الانتقالي الوطني. وينبغي أن يتم إقرار مثل هذا القانون قبل نهاية عام 2014، وفقاً لمصادر في وزارة العدل تحدثت معها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

تأسيس وحدة لإجراء تحقيقات متعمقة

وفي أبريل 2014، أعلنت الحكومة إنشاء "وحدة خاصة للتحقيقات والإرشادات". ويمتد تقرير الوحدة، التي تعمل تحت إشراف المدعي العام لمحكمة الاستئناف، إلى أبعد من النزاع الأخير، لتغطي الفترة من الأول من يناير 2004، تسعة أشهر في حكم فرانسوا بوزيزيه الذي دام 10 سنوات. ولا تقتصر التجاوزات التي تم التحقيق فيها على إدارة واحدة فقط، إذ تشمل "الجرائم الخطيرة" التي يجب التحقيق فيها جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم العدوان. ووفقاً للمرسوم الذي أنشئت بموجبه، تتكون الوحدة من موظفين قانونيين بما في ذلك القضاة والمدعون العامون، جنباً إلى جنب مع 20 ضابطاً من ضباط الشرطة القضائية من الدرك والشرطة الوطنية. وعلى الرغم من أن الوحدة قد لاقت ترحيباً من قبل الخبراء القانونيين ودعاة حقوق الإنسان، إلا أن هناك مخاوف بالفعل بشأن افتقارها إلى الموارد الكافية وقدرتها على إجراء تحقيقات متعمقة، لاسيما خارج منطقة بانغي.

وكانت هناك تحفظات مماثلة بشأن "لجنة التحقيق المختلطة" التي أنشئت في مايو 2013 خلال فترة حكم الرئيس ميشال دجوتوديا التي لم تدم طويلاً. وقد منحت اللجنة التي كان يرأسها قاض رفيع المستوى في جمهورية أفريقيا الوسطى، هو فلاماريون غابا، دوراً بارزاً إلى ماتياس موروبا، رئيس مرصد حقوق الإنسان. وقد تمت الاستعانة بأعضاء آخرين من قوات الدرك والجيش. وعلى الرغم من أن اللجنة قد تلقت العشرات من الشكاوى والطلبات المتعلقة بالأضرار من قبل ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم أخرى، فقد أثيرت شكوك حول فعاليتها. ويبدو أن اللجنة لم تعد تعمل.

إقناع المشككين

وعلى الرغم مما سبق فإن عزم المحكمة الجنائية الدولية المُعلن بملاحقة مجرمي الحرب وإنشاء مؤسسات جديدة داخل جمهورية أفريقيا الوسطى لم يفلح في إقناع الجميع.


هذه هي المرة الثانية التي تشارك فيها المحكمة الجنائية الدولية في جمهورية أفريقيا الوسطى. ففي عام 2004، طلبت حكومة بوزيزيه تدخل المحكمة الجنائية الدولية ضد جان-بيير بيمبا، السياسي الكونغولي وزعيم المتمردين السابق، حيث زعمت أن قوات من حركة تحرير الكونغو التابعة لبيمبا قد ارتكبت انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان في عامي 2002 و2003 بعد تجنيدها من قبل الرئيس أنجي-فيليكس باتاسي آنذاك.

وتجدر الإشارة إلى أنه تم اعتقال بيمبا في بلجيكا في مايو 2008، ويواجه تهمتين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وثلاث تهم بارتكاب جرائم حرب. وقد بدأت محاكمته في نوفمبر 2010. ومن المقرر، وفقاً للمحكمة الجنائية الدولية، الانتهاء من البيانات الشفوية في نوفمبر 2014.

وقال رجل الأعمال بنيامين جريكوي لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن هذه التأخيرات محيّرة: "لقد مرّت سنوات الآن منذ أن أُلقي القبض على بيمبا ولم تنته محاكمته حتى الآن. لماذا؟ ومتى سيصدر الحكم عليه؟"

ويبدو جريكوي متشككاً أيضاً في التزام الحكومة بالتحقيق في الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان، حيث قال: "لقد تم إجراء العديد من التحقيقات منذ فترة حكم بوزيزيه، وخلال عهد دجوتوديا، وحتى اليوم في عهد مدام سامبا بانزا، ولكن دون أي نتائج حقيقية". وأضاف أن "الأمر بيد سكان أفريقيا الوسطى، عليهم أن يضعوا أسلحتهم ويتوقفوا عن قتل بعضهم البعض. وإلا فإننا سنظل عالقين في تحقيقات بلا فائدة".

من ناحية أخرى، بدا جوزيف بيندومي، رئيس رابطة حقوق الإنسان في جمهورية أفريقيا الوسطى أكثر إيجابية، حيث قال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نحن نعتقد، على مستوى رابطة حقوق الإنسان هنا، أن هذه المبادرات تلاقي ترحيباً لأن العدالة هي السلاح الأكثر فعالية في حالات الصراع".

"في كل مرة نجد فيها تحركاً من قبل منظومة العدالة الدولية، من المحكمة الجنائية الدولية على سبيل المثال، ينبغي أن نشعر، نحن دعاة حقوق الإنسان، بالتفاؤل لأننا نعلم أن الهدف من وراء كل هذه التحركات هو وقف الأعمال الإجرامية. ولإنهاء الحرب، يجب أن يكون هناك تهديد بالعقاب. أعرف أن هذا الأمر قد يستغرق وقتاً طويلاً، ولكن يجب على سكان أفريقيا الوسطى التحلي بالصبر. ويتعين عليهم التشبث بالأمل بأن أولئك الذين ارتكبوا انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان سيحاسبون على أفعالهم يوماً ما".

cdk/cs/am/cb-ais/dvh