تفاقم انعدام الأمن الغذائي في منطقة الساحل


أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن معدلات الأمن الغذائي وسوء التغذية قد تدهورت في جميع أنحاء منطقة الساحل، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الصراع المستمر وعدم الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى وشمال مالي وشمال شرق نيجيريا.

فقد انضم ما يقرب من خمسة ملايين شخص إلى صفوف الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي منذ بداية العام، ليصل المجموع المقدر إلى 24.7 مليون نسمة، أي أكثر من ضعف الرقم المسجل في عام 2013، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

وقال روبرت بايبر، منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في منطقة الساحل: "لقد ولّد الارتفاع الكبير في مستويات انعدام الأمن في جميع أنحاء المنطقة خلال العام الماضي عدداً هائلاً من الأشخاص الذين هم بحاجة إلى من يقوم بإطعامهم وإيوائهم وتقديم الرعاية الصحية لهم، وذلك لأنه قد تم إبعادهم عن مصادر رزقهم وبيوتهم. وبطبيعة الحال، كان لهذا الوضع أثر على السوق وبعض أسعار المواد الغذائية أيضاً".

آليات التكيف السلبية

وقد تجاوز نحو 6.5 مليون شخص عتبة الطوارئ حيث انتقلوا من كونهم يعانون من انعدام الأمن الغذائي المعتدل ليواجهوا أزمة غذائية ومعيشية حادة. ويزيد العدد بأربعة ملايين شخص في هذه الفئة عن ما كان عليه في يناير.

وأضاف بايبر قائلاً: "هناك فرق كبير بين المرحلة 2 [انعدام الأمن الغذائي المعتدل]، حين تعاني من انعدام الأمن الغذائي ولكنك تستخدم آليات التكيّف للتعامل مع الوضع، والمرحلة 3 [أزمة غذائية ومعيشية حادة]، حين تبدأ في استخدام آليات تكيّف سلبية قد يكون لها عواقب سلبية جداً على المدى الطويل".

وتشمل آليات التكيّف السلبية اقتراض مبلغ يتوجب سداده من أرباح محصول العام التالي، واستهلاك البذور التي ينبغي حفظها لموسم الزراعة في العام التالي، وتقليل عدد الوجبات اليومية من ثلاث وجبات إلى اثنتين، أو حتى واحدة.

وتابع بايبر حديثه قائلاً: "إنه أسلوب خطر جداً، وهو مصدر قلق كبير بالنسبة لنا".

الإنتاج الغذائي

ويقول الخبراء أنه لا زال من السابق لأوانه تحديد ما ستبدو عليه الحصيلة النهائية لمحاصيل هذا العام، ولكن تأخر هطول الأمطار وعدم انتظامها في معظم أنحاء المنطقة يعني خسارة العديد من البذور قبل أن تكون لديها الفرصة لتنبت وتنمو. ولم تحصل محاصيل أخرى أبداً على فرصة إنهاء دورات نموها، وذلك وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو).

وقال باتريك ديفيد، نائب المنسق المختص بتحليل الأمن الغذائي لدى منظمة الأغذية والزراعة في منطقة غرب أفريقيا والساحل: "ما زلنا نراقب الوضع، نظراً لوجود العديد من المتغيرات [مثل المدة التي سوف يستمر فيها هطول الأمطار والمجتمعات التي تمكنت من إنتاج المحاصيل وماهيتها] التي يجب رصدها لمعرفة ما يحمله المستقبل من ناحية الحصاد في نهاية هذا الموسم الزراعي. ولكن هذه المؤشرات تثير القلق في بعض المناطق".

فقد وجد تقييم أولي مشترك أجراه برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة في أواخر أغسطس أن العجز في هطول الأمطار الذي سجل رقماً قياسياً على طول ساحل المحيط الأطلسي في مناطق جنوب موريتانيا وجنوباً نحو غينيا بيساو، وكذلك مناطق شمال غانا وبنين وتوغو قد أثّر سلباً على الأنشطة الزراعية.

وفي بعض المناطق، مثل ساحل العاج ومالي والنيجر، هطلت الأمطار بغزارة، مما تسبب في تلف المحاصيل والفيضانات.

وفي مناطق أخرى، جاءت الأمطار في وقت مبكر، واستمرت لفترة وجيزة، ثم اختفت لفترة طويلة. وقد قام أولئك المزارعون الذين لديهم القدرة على إعادة البذر بذلك، ولكن الكثيرين ممن لم تكن لديهم القدرة على ذلك، لم يقوموا بإعادة بذر أراضيهم.

وفي حين أنه من المتوقع أن تصل معظم المحاصيل إلى مرحلة النضج الكامل في معظم أنحاء المنطقة بعد بدء هطول الأمطار بشكل ثابت في جميع أنحاء المنطقة في نهاية يوليو، من المتوقع أن يكون الإنتاج الكلي أقل من متوسط إنتاج السنوات الخمس الماضية في غينيا بيساو وغامبيا والسنغال وموريتانيا، وذلك وفقاً لبرنامج الأغذية العالمي.

ووفقاً لنظام الإنذار المبكر بالمجاعة FEWS NET، من المتوقع أيضاً أن تشهد جمهورية أفريقيا الوسطى إنتاجاً غذائياً أقل من المتوسط هذا العام بسبب الصراع الأهلي المستمر الذي عطّل الأنشطة الزراعية في العديد من المناطق.

أسعار المواد الغذائية

وقد انخفض متوسط أسعار المواد الغذائية في جميع أنحاء المنطقة، باستثناء اللحوم، للشهر الخامس على التوالي في أغسطس، وذلك وفقاً لأحدث البيانات من مؤشر أسعار المواد الغذائية الذي تصدره منظمة الأغذية والزراعة. وقد انخفض متوسط أسعار الحبوب 11.7 بالمائة عن المتوسط المسجل في أغسطس 2013.

ولكن برنامج الأغذية العالمي يقول أن الأسعار في بعض الأسواق في مالي وتشاد والسنغال أعلى من المتوسط بسبب الموسم الضعيف الذي استمر أطول من المعتاد هذا العام. وقد ارتفعت أسعار السوق أيضاً في منطقة ديفا في النيجر، نظراً لاستمرار وصول اللاجئين من نيجيريا.

وقال ديفيد: "من المؤكد أن هذا [الارتفاع في أسعار الغذاء] له أثر على كثير من الأسر، ويمكن أن يؤثر حقاً على الأمن الغذائي للأسر الأكثر ضعفاً".

وفي حين أن تفشي الإيبولا لم يؤثر بعد بشكل مباشر في أسعار المواد الغذائية في الساحل، إلا أن إغلاق الحدود والقيود المفروضة على الحركة أثرا على الحركة التجارية، وخاصة على طول حدود السنغال مع غينيا، حيث أدى إغلاق 16 سوقاً إلى خفض حجم التجارة بنسبة تصل إلى 50 بالمائة، وفقاً لبرنامج الأغذية العالمي .

الرعاة

ونظراً لتأخر هطول الأمطار في مناطق مثل موريتانيا وشمال النيجر وتشاد والسنغال وشمال الكاميرون، واجه الرعاة موسماً ضعيفاً لفترة أطول من المعتاد في عام 2014.

وقال بايبر: "لقد كانوا ينتظرون نمو المرعى، لأنه حالما تهطل الأمطار، يبدأ العلف في النمو بطبيعة الحال، ومن ثم تحصل الحيوانات على غذاءها، وتكون هناك إمدادات كافية من مياه الشرب. لكنهم اضطروا إلى الانتظار لفترة طويلة جداً هذا العام".

وقد نفقت بعض الحيوانات ولم تتمكن حيوانات أخرى من النمو أو الحفاظ على صحتها بما يكفي لبيعها والحصول على أرباح مقبولة.

وأضاف ديفيد قائلاً: "لقد تجاوزنا الآن فترة المشقة بالنسبة للرعاة وقد تحسن هذا الوضع بعض الشيء. ولكنهم مروا بوقت عصيب جداً في مناطق معينة، ومن الممكن أن يؤثر هذا على دخل الأشخاص الذين كانوا الأكثر عرضة للخطر".

وقد أدى الوضع الأمني في جمهورية أفريقيا الوسطى وهي منطقة رئيسية لحركة الحيوانات من وإلى منطقة الساحل وشمال نيجيريا، وهي سوق رئيسية لبيع وشراء الحيوانات أيضاً إلى عدم تمكن العديد من الرعاة من اتباع الطرق التجارية المعتادة.

التغذية

ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) يعاني الآن أكثر من 6.4 مليون طفل تحت سن الخامسة من سوء التغذية الحاد في منطقة الساحل، بما في ذلك 1.6 مليون طفل يعانون من سوء التغذية الشديد و 4.8 مليون طفل يعانون من سوء التغذية المعتدل.

وقال بايبر: "سوء التغذية مرتفع ويبقى مرتفعاً في جميع البلدان، ولكنه قد ازداد سوءاً بشكل ملحوظ عند المستويات المعتدلة في شمال شرق نيجيريا،" مضيفاً أن نحو 1.4 مليون طفل جديد أصبحوا يعانون من سوء التغذية منذ بداية العام.

ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، تعزى غالبية هذه الزيادة إلى شمال شرق نيجيريا، حيث أدى العنف والنزاع المتواصل بين حركة بوكو حرام وقوات الأمن النيجيرية والميليشيات المدنية إلى استمرار تهجير الناس بأعداد كبيرة. وهناك الآن ما يقدر بنحو 1.5 مليون شخص نازح في نيجيريا، معظمهم من النساء والأطفال.

نقص التمويل

وأفادت أوتشا أن هناك حاجة لما يزيد عن 1.9 مليار دولار \ لتلبية الاحتياجات الإنسانية في منطقة الساحل هذا العام بارتفاع عن مبلغ 1.7 مليار في 2013 و 1.6 مليار في 2012.

وحتى 17 أكتوبر، تم تمويل خطة الاستجابة الاستراتيجية التي أطلقتها أوتشا بنسبة 39 بالمائة فقط. وقد تم التعهد بدفع 300 مليون دولار إضافي خارج الخطة من أجل تنفيذ المشاريع في الساحل، ليصل مجموع التمويل المقدم للنداء إلى ما يقدر بنحو 50 بالمائة.

وعلّق بايبر على ذلك قائلاً: "لقد تم الالتزام بدفع أكثر من مليار دولار لمنطقة الساحل حتى الآن، ولكن في نهاية المطاف، تستمر الأرقام في الارتفاع، وكذلك تستمر ميزانيتنا بالارتفاع نتيجة لذلك. من الواضح أن التمويل غير كاف لإنجاز المهمة هذا العام، وقد أجبرنا هذا على إجراء بعض التخفيضات الحادة في أجزاء من بعض البرامج".

ويشمل هذا خفض الحصص الغذائية لمجموعات اللاجئين، وتعليق المساعدة للحوامل والمرضعات في بعض البلدان، والاختيار بين التدابير العاجلة والمنقذة للأرواح وبين الاحتياجات الوقائية المهمة على المدى الطويل والتي كثيراً ما يتم تجاهلها، مثل الاستثمار في برامج المياه والصرف الصحي.

وختم بايبر حديثه قائلاً أن "أعداداً متزايدة من الناس في جميع أنحاء المنطقة عرضة للخطر بشكل حاد، لدرجة أن الأمر لا يحتاج إلا لدفعة صغيرة لهم للانتقال من حالة التكيف إلى حالة الأزمة. وهذا يمثل أزمة إنسانية ولكنها أيضاً أزمة حوكمة وأزمة التحديات التنموية الهيكلية الأكثر عمقاً بكثير. لذلك يجب معالجة هذه القضايا بشكل ناجح من أجل البدء في تحويل هذه المؤشرات بالاتجاه المعاكس".

jl/cb-aha/dvh