"سوء معاملة" المهاجرين المحتجزين قد يؤذي الأطفال مدى الحياة

يجري حالياً احتجاز عدد متزايد من الأطفال المهاجرين في البلدان التي يطلبون اللجوء إليها، على الرغم من تزايد الأدلة العلمية التي تؤكد أن مثل هذا الاحتجاز يؤدي إلى مشاكل متعلقة بالنمو وصعوبات نفسية طويلة المدى.

وكانت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل قد أعلنت في عام 2013 أن احتجاز الأطفال المهاجرين "لا يصب أبداً في مصلحة [الأطفال] وليس له ما يبرره"، بينما أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الاحتجاز ينبغي أن يتم مع الالتزام "بأخلاقيات الرعاية - وليس إنفاذ القانون". مع ذلك، ذكرت مقالة تم نشرها في مجلة "ذا لانسيت" في يونيو 2014، أن أكثر من 60 دولة تحتجز الأطفال المهاجرين، مما يتسبب في "آثار ضارة على النمو والصحة العقلية والجسدية للأطفال".

ولذلك، رداً على الارتفاع الأخير في أعداد الأطفال المهاجرين، وجه المحللون انتقادات لاذعة لهذا الأسلوب عندما اكتشفوا أن الولايات المتحدة تحتجز أعداداً كبيرة من الأطفال المهاجرين. فخلال الفترة من أكتوبر 2013 إلى سبتمبر 2014، تم القبض على 68,541 طفلاً قاصراً غير مصحوب على طول الحدود الجنوبية، أي بزيادة قدرها 77 بالمائة عن العام السابق؛ وذكر 70 بالمائة منهم أنهم احتجزوا لفترات أطول من المسموح بها قانونياً، وهي 72 ساعة. وترى منظمة هيومان رايتس ووتش أن "مجموعة واسعة من الدراسات البحثية تربط بين احتجاز المهاجرين وعواقبه على الصحة العقلية للأطفال، بما في ذلك الضرر الذي يستمر إلى ما بعد فترة الاحتجاز".

وعندما أعلنت أستراليا، موطن "عملية الحدود السيادية" السيئة السمعة، في 19 أغسطس 2014 أنها ستطلق سراح بعض الأطفال المهاجرين من الاحتجاز، واجهت الخطة انتقادات بسبب القيود المصاحبة لها - الوصول قبل 19 يوليو 2013، والحد الأقصى للسن 10 سنوات - لأن مثل هذه الخطوة تؤدي في الواقع إلى تفاقم مشاكل الصحة العقلية. وأفادت كارين زوي، طبيبة الأطفال ورئيسة قسم صحة الطفل المجتمعية في مستشفى سيدني للأطفال في أستراليا، أن خطة الإفراج الجديدة "ستؤثر على 16 بالمائة فقط من أولئك الموجودين حالياً رهن الاحتجاز"، وحذرت من أنها قد "تزيد من اليأس الذي يشعر به الـ745 طفلاً الآخرين (84 بالمائة) الذين تم استبعادهم من قرار الافراج".

وأضافت زوي في حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "ما نراه في الأطفال المحتجزين هو مجموعة ضخمة من تجارب الطفولة غير المواتية (ACE) لفترة طويلة من الزمن،" مشيرة إلى تجارب الطفولة غير المواتية، التي تعرفها منظمة الصحة العالمية للأمم المتحدة على النحو التالي: "بعض مصادر الإجهاد النفسي الأكثر كثافة وحدوثاً التي قد يعاني منها الأطفال"، بدءاً من الإهمال ووصولاً إلى العنف. وأكدت زوي أنه "كلما زاد تعرضهم لذلك، ساءت حالتهم في مرحلة البلوغ من حيث الصحة الجسدية والعقلية".

أدلة متزايدة

وجدت دراسة أجريت في عام 2014 ونُشرت في المجلة الطبية الأسترالية أن غالبية أفراد العينة التمثيلية من أطباء الأطفال في البلاد "يعتبرون الاحتجاز الإلزامي شكلاً من أشكال سوء معاملة الأطفال". وحتى الـ18 بالمائة من المستطلعين الذين "وافقوا بشدة" على احتجاز الأطفال بشكل عام، قال 92 بالمائة منهم أن "احتجاز الأطفال طالبي اللجوء وأسرهم هو شكل من أشكال سوء معاملة الأطفال".

وتجدر الإشارة إلى أن الأدلة على الآثار الطويلة الأجل لإساءة معاملة الأطفال تتزايد: ففي عام 2014، وجد تحليل إحصائي أجرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن سوء المعاملة في مرحلة الطفولة، بما في ذلك العنف النفسي بسبب ظروف الاحتجاز، يمكن أن تكون له تأثيرات سلبية على التحصيل العلمي والدخل الشخصي، ويتسبب في "أضرار على المستوى المجتمعي، بما في ذلك التكاليف المباشرة وغير المباشرة بسبب زيادة الإنفاق الاجتماعي وفقدان الإنتاجية الاقتصادية". وعلى سبيل المثال، قدرت دراسة أجريت في عام 2013 التكلفة الاقتصادية لسوء معاملة الأطفال في شرق آسيا والمحيط الهادئ بأكثر من 160 مليار دولار.

"إن احتجاز المهاجرين من الأطفال والأسر يمثل انتهاكاً خطيراً لحقوق الطفل وإخلالاً جسيماً بالعدالة"


واليوم، يزيد عدد الأشخاص الذين تعرضوا للهجرة القسرية (51.2 مليون) عن أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية، وفقاً لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين - معظمهم من أفغانستان وسوريا والصومال، ونصفهم من الأطفال. كما قدم ما لا يقل عن 25,000 طف ل مهاجر غير مصحوب طلبات لجوء في عام 2013. وبحسب تقارير إدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية (UNDESA)، زاد عدد المهاجرين على مستوى العالم من 154 مليون في 1990 إلى 232 مليون في 2013. ويشير التحالف الدولي للمحتجزين (IDC) إلى أن الدول تستجيب على نحو متزايد باحتجاز المهاجرين، وبحسب تقديرات تحالف المنظمات غير الحكومية حول الهجرة، يتضرر حالياً مليون طفل مهاجر من الاحتجاز على مستوى العالم.

التعرض للعنف

ويتعرض الأطفال المهاجرون المحتجزون لجميع عوامل الإجهاد الذهني التي يتعرض لها المحتجزون البالغون. "وكلما طال احتجاز الطفل، كان على الأرجح أنه سوف يتعرض ... لأعمال الشغب والإضراب عن الطعام وحوادث إيذاء النفس،" كما أوضح أوليفر وايت، رئيس السياسات والمناصرة في المنظمة اليسوعية لخدمات اللاجئين في أستراليا.

وفي تايلاند واندونيسيا، وثقت منظمة هيومان رايتس ووتش مشاهدة الأطفال المهاجرين المحتجزين لمعارك وضرب المعتقلين من قبل الحراس. وفي مالطا، التي تتحمل عبئاً ثقيلاً جراء وصول المهاجرين عبر البحر الأبيض المتوسط إلى شواطئها، وجدت هيومان رايتس ووتش أن الأطفال في مرافق احتجاز المهاجرين يعانون من سوء المعاملة على أيدي محتجزين آخرين.

وفي تقرير صدر عام 2013 في جزيرة مانوس، وهي أحد المواقع البحرية التي تدرس فيها أستراليا حالات طالبي اللجوء الذين يصلون بالقوارب، نقلت منظمة العفو الدولية عن أحد مزودي الخدمات في منشأة هناك قوله: "إن هذه الظروف تساهم في مجموعة من مشاكل الصحة العقلية، بما في ذلك الاكتئاب والقلق وقلة النوم والصدمة". وأشارت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقريرها عن ناورو في عام 2013، وهو مركز احتجاز آخر قبالة الساحل الاسترالي، إلى "الصحة النفسية المتردية للأطفال".

ويقول الباحثون أن تأثير الاحتجاز يمكن أن يكون أشد قسوة على الأطفال، الذين يمكن أن تُعاد برمجة عقولهم بحيث تحتفظ باستجابات التوتر التي تستمر حتى سن البلوغ، عندما يتعرضون لضغوطات سلبية متعددة. وترى زوي أن هذه عملية إنشاء "مسارات عصبية"، أو مساحات في الدماغ يتم من خلالها نقل المعلومات بين خلايا المخ.

وأضافت أن "المشكلة في الأساس هي البيئة السلبية التي تهدد السلامة. فمن المرجح أن يكون الطفل الذي لديه مسارات خوف متطورة خائفاً وانطوائياً، مما يؤثر على التعلم وكيفية مواجهتهم للتحديات في السنوات التالية". كما رددت مزاعم اليونيسف بأن "أعمال العنف المعتدلة أو الشديدة يمكن أن تغير نمو الدماغ وتعرض إمكانات الطفل للخطر".

ويشير آخرون إلى عدم وجود فرصة للتعافي من الصدمات النفسية أثناء الاحتجاز.

"فالعملية الطبيعية هي التعافي، ولكن هذا لا يمكن أن يتم إلا في حالات السلامة والأمن،" كما أوضحت بليندا ليديل، الطبيبة النفسية في جامعة نيو ساوث ويلز والتي تعمل في برنامج صدمة وتعافي اللاجئين، الذي يسعى "لفهم الآثار النفسية والعصبية لصدمات اللاجئين ومسارات التعافي".

وقف كامل للاحتجاز

ووفقاً لأرقام الحكومة في شهر أغسطس، كان هناك 876 طفلاً مهاجراً رهن الاحتجاز في أستراليا.

وتدير أستراليا حالياً بعض برامج الاستشارات النفسية للمهاجرين المحتجزين، ولكن منظمة العفو الدولية اتهمت الحكومة بعدم توفير موارد كافية لهذه البرامج. مع ذلك، ترى زوي أنه "حتى تقديم الكثير من المساعدات النفسية لا يمكن أن يمحو آثار التجارب الرهيبة التي يتعرض لها الأطفال".

وفي فبراير 2014، استشهدت لجنة حقوق الإنسان الأسترالية بحقيقة أن عدد الأطفال المهاجرين المحتجزين كان أعلى مما كان عليه خلال الدراسة الأخيرة لهذه القضية في عام 2004، ودشنت التحقيق الوطني في أحوال الأطفال المهاجرين المحتجزين، المقرر الكشف عن نتائجه بحلول نهاية العام الحالي.

وفي السياق نفسه، وجد تحليل بيانات الحكومة في يوليو 2014 من قبل المجلس الأسترالي للاجئين أنه في حين أن إجمالي عدد المهاجرين في الاحتجاز قد انخفض، إلا أن طالبي اللجوء الأطفال كانوا أكثر عرضة للاحتجاز من البالغين، وأن متوسط مدة الاحتجاز تضاعف ثلاث مرات منذ سبتمبر 2013.

وقالت كلية الأطباء الملكية الأسترالية في يونيو 2014 أن نقل الأطفال من أماكن احتجاز المهاجرين هو "السبيل الوحيد لحماية صحتهم".

ويتفق الناشطون المدافعون عن حقوق اللاجئين مع هذا الرأي، مضيفين أن أفضل استجابة هي التوقف عن احتجاز الأطفال المهاجرين على مستوى العالم. وقد أثبتت بدائل احتجاز المهاجرين التي تم تنفيذها في بعض البلدان - بما في ذلك الدعم المادي والقانوني - ليس فقط أنها إنسانية، بل أقل تكلفة من الاحتجاز كذلك.

"إن احتجاز المهاجرين من الأطفال والأسر يمثل انتهاكاً خطيراً لحقوق الطفل وإخلالاً جسيماً بالعدالة،" كما حذرت المنظمات غير الحكومية، بما في ذلك التحالف الدولي للمحتجزين ومنظمة تير ديزوم (أرض الإنسان)، في عرض أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في يونيو 2014.


dm/kk/cb-ais/dvh