لا عدالة ولا سلام في شمال مالي

يكافح آلاف الشماليين الذين عانوا من انتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة احتلال شمال مالي للحصول على العدالة وسط مخاوف من أن مناخ الإفلات من العقاب مستمر وأن سيطرة الحكومة على العديد من مناطق الشمال هشة في أحسن الأحوال.

وكان سكان الشمال قد تعرضوا للعديد من الانتهاكات كالاختفاء القسري والتعذيب والإعدام الميداني والاعتداء الجنسي، وقد ارتكبت معظم هذه الجرائم بعد مارس 2012، عندما احتل المتطرفون الإسلاميون أجزاءً واسعة من تلك الأراضي.

التحقيقات بدأت، ولكن بتردد

وقال جيوم نجيفا، رئيس قسم حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (MINUSMA): بدأت للتو التحقيقات في الجرائم التي ارتكبت خلال فترة الاحتلال وفي أعقابه. وبينما تعثرت جهود القضاة والمدعين العامين بسبب عدم استقرار الوضع الأمني في الشمال، لم يحصل العديد من الضحايا على المساعدة القانونية الكافية أو لم يتمكنوا من الوصول إلى القضاء".

وقد أدى وصول القوات المحتلة في مارس 2012 إلى نزوح آلاف الأشخاص الذين فروا نحو الجنوب أو إلى البلدان المجاورة. وتعرض أولئك الذين بقوا إلى تطبيق متشدد للشريعة الإسلامية. وتضمنت العقوبات على جرائم مثل السرقة والزنا الاعتقال التعسفي والجلد وبتر الأطراف وحتى القتل. وتعرضت النساء للاستهداف بشكل خاص، وواجهن الضرب والاعتقال لعدم ارتدائهن الحجاب، كما جنّدت الجماعات المسلحة الأطفال للقتال.

تركة الاحتلال


وعندما استلم الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا منصبه في سبتمبر 2013، وعد بمتابعة الجرائم التي ارتكبت خلال فترة الاحتلال ووضع حد لثقافة الإفلات من العقاب التي امتدت لفترة طويلة.

ولكن هناك تراكماً كبيراً للحالات التي يتوجب التعامل معها، حيث قال سلوم تراوري، رئيس منظمة العفو الدولية في مالي: "لقد قمنا بتوثيق أكثر من 500 حالة انتهاك في الشمال منذ بدء الصراع في يناير 2012". وقد سجلت منظمة العفو الدولية والجمعية المالية لحقوق الإنسان (AMDH) ومنظمة هيومان رايتس ووتش فيما بينها المئات من حالات الاعتداء الجنسي وبتر الأطراف والإعدام بإجراءات موجزة.

وتشمل الحالات إعدام أكثر من 150 من جنود الجيش المالي في أغويلهوك في يناير 2012، الذي يُزعم أنه ارتكب على يد الحركة الوطنية الانفصالية لتحرير أزواد MNLA))، بالتعاون مع حليفها في ذلك الوقت، وهي جماعة أنصار الدين. ونفت الحركة الوطنية لتحرير أزواد بشدة أي علاقة لها بما حدث في أغويلهوك. ولكن قوات الحركة متهمة أيضاً بارتكاب أعمال عنف جنسي وتجنيد للأطفال في صفوف الجماعات المسلحة.

وأشار دريسا تراوري، وهو موظف قانوني لدى الجمعية المالية لحقوق الإنسان في باماكو إلى 50 حالة اغتصاب يُزعم أنها ارتكبت على يد الحركة الوطنية لتحرير أزواد. كما قُدّمت شكاوى ضد إسلاميين كبار من بينهم قائد الشرطة الإسلامية في غاو، أليو موحاماتو توريه، ونظيره في تمبكتو، هوكا هوكا.

أما إلى الجنوب من المناطق المحتلة، فتشير منظمة العفو الدولية والجمعية المالية لحقوق الإنسان إلى حالات تم الإبلاغ عنها في القرى في منطقة موبتي التي استضافت جاليات كبيرة من النازحين الشماليين.

القضاء غير جاهز بعد

وفي حين تقر الحكومة وتحديداً وزارة الدفاع بضرورة التعامل مع الجرائم التي ارتكبت خلال الصراع، إلا أنه من غير الواضح بالضبط حتى الآن كيف ومتى سيحدث ذلك.

ووفقاً للجمعية المالية لحقوق الإنسان، سعى عدد من أسر الضحايا إلى تطبيق العدالة لفقدان أو إصابة أفراد الأسرة، وقد تمت أغلبية تلك الحالات بمساعدة محامين محليين. كما قدمت أكثر من 30 أسرة شكاوى وبلاغات لدى الشرطة والدرك بخصوص أشخاص مفقودين، إلى جانب إرسال خطابات مكتوبة إلى النيابة العامة لإيضاح تفاصيل الجرائم.

ولكن الآليات القانونية معقدة. ويشير المراقبون إلى أوجه القصور في النظام القانوني لمالي، الذي يفتقر إلى عدد كاف من القضاة والمدعين العامين وخبراء الطب الشرعي وتعوقه القيود اللوجستية والمالية. وغالباً ما تحتاج القضايا إلى شهادة من الشهود يتم تسليمها للمحققين الرسميين، ولكن ليس من السهل الحصول على مثل هذه الشهادات في الوقت الحاضر.

وأضاف جيوم نجيفا قائلاً: "أدى استمرار الاشتباكات وانعدام الأمن إلى جعل السفر إلى الشمال لإجراء التحقيقات من قبل القضاة وخبراء الطب الشرعي أمراً صعباً". ولا تزال الأوضاع الأمنية صعبة، فعلى الرغم من توفير قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ونحو 1,000 جندي فرنسي بعض الاستقرار في الشمال، لكن لا تزال هناك هجمات تحدث في العديد من المناطق الشمالية التي وقعت فيها هذه الانتهاكات. ففي 3 أكتوبر، قتل تسعة من جنود من قوات حفظ السلام وأصيب ثلاثة آخرون في انفجار قنبلة مزروعة على طرف الطريق في كيدال. وأدى هذا إلى رفع عدد قوات حفظ السلام الدولية في مالي الذين قتلوا منذ تولي بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي زمام الأمور من قوة الاتحاد الافريقي التي تدعى بعثة الدعم الدولية في مالي بقيادة أفريقية (AFISMA) في يوليو من العام الماضي إلى 30 قتيلاً.

أين هي المحاكم؟

ونشرت وزارة العدل في مالي مراكز معلومات متنقلة في الشمال لجمع شهادات الضحايا وتوفير بعض الدعم للضحايا. ومن حيث المبدأ، تحال الحالات المبلغ عنها مباشرة إلى المحاكم في الشمال للمحاكمة، ولكن هذه المحاكم ليست جاهزة للعمل حتى الآن. فعندما أعدت الجمعية المالية لحقوق الإنسان قضايا ضد أفراد الشرطة الإسلامية في غاو وتمبكتو، اضطر شهود العيان إلى الذهاب للجنوب إلى باماكو، التي تستضيف المحكمة المفوضة بالتعامل مع الجرائم التي ارتكبت في الشمال.

ويتوفر الدعم لأولئك الذين يسعون للحصول على العدالة من قبل عدة منظمات غير حكومية دولية ووطنية تعمل على متابعة انتهاكات حقوق الإنسان. ولكن هناك القليل من التمويل لمتابعة العمل وعرض القضايا على المحاكم. فالتكاليف القانونية باهظة بالنسبة لمعظم الماليين. وغالباً ما تقع متابعة القضايا مع السلطات المحلية على عاتق الأفراد.

الجنود يواجهون المساءلة أيضاً

ولا يقتصر القلق بشأن انتهاكات حقوق الإنسان على الشمال، فالجناة المزعومين ليسوا حصراً من المقاتلين الجهاديين والانفصاليين. ففي نوفمبر 2013 رفعت الجمعية المالية لحقوق الإنسان أول قضية بالنيابة عن 23 ضحية من ضحايا الانتهاكات المرتكبة من قبل القوات المسلحة في مالي عقب انقلاب عسكري في العاصمة باماكو في مارس 2012 الذي شهد معارك بين فصائل الجيش المتنافسة مع بعضها البعض.

وقد جمعت منظمة هيومان رايتس ووتش شهادات تظهر تورط جنود ماليين في انتهاكات خطيرة، بينما وعدت السلطات المالية باتخاذ إجراءات عندما يكون ذلك مناسباً. لكن كورين دوفكا، الباحثة البارزة في شؤون غرب أفريقيا لدى منظمة هيومان رايتس ووتش، حذرت من أنه لم يتم التحقيق إلا في عدد قليل من الحالات، ولم يقدم أياً من المسؤولين المزعومين عن عمليات الابتزاز إلى العدالة.

وحذر مختار ماريكو، رئيس الجمعية المالية لحقوق الإنسان، من الحالات التي اختفى فيها المدنيون أو تم اعتقالهم من قبل القوات المسلحة المالية. وأضاف قائلاً: "لقد تم تجاهل استفسار الأسر عن مكان أقاربهم أو لم يتم الإجابة عن أسئلتهم. ويخشى آخرون مجرد التقدم بالسؤال".

وانتقد ألو نامفي، المدعي الحكومي المعين للتعامل مع الجرائم التي ارتكبت خلال فترة احتلال الشمال، التقاعس الذي تبديه كل من المحاكم والدرك في التعامل مع الجرائم. وحذر نامفي قائلاً: "لقد تم تجاهل طلبات موظفي القضاء للدرك للتحقيق في بعض الجرائم المرتبطة بالنزاع ولم يتم حتى الآن البت في الشكاوى المقدمة إلى المحاكم".

التوقيف لا يعني بالضرورة الملاحقة القضائية


ولكن تم اتخاذ بعض الإجراءات، وإن كان ذلك بنتائج متباينة. فوفقاً للأرقام الصادرة عن السلطات المالية، تم القبض على 495 رجلاً على الأقل من الرجال الذين يعتقد أنهم أعضاء في جماعات مسلحة منذ يناير 2013. غير أنه قد تم الإفراج عن ما يصل إلى 300 منهم منذ ذلك الوقت. وفي بعض الحالات، لم يتمكن المحققون من تأكيد هوياتهم أو ارتباطهم بالفصائل المقاتلة. وتم إطلاق سراح آخرين في تبادل للأسرى بين الجماعات المسلحة وحكومة باماكو. وكان قائد شرطة تمبكتو السابق هوكا هوكا بين أولئك الذي أفرج عنهم. وهناك تقارير عن مغادرة الكثيرين ممن شاركوا في احتلال الإسلاميين للمنطقة البلاد بكل بساطة.

يشعر ألو نامفي بالإحباط بسبب عدم تطبيق العدالة وأوضح قائلاً: "هناك حالات شهد فيها الشهود والضحايا وفتحت النيابة قضية، ولا يزال الجاني حرّاً طليقاً".

ويرى جيوم نجيفا أملاً في التغيير، حيث قال قائلاً: "تعود مشكلة الإفلات من العقاب إلى أيام الاستقلال عن فرنسا قبل أكثر من 60 عاماً. فلقد واجهت اتفاقات السلام السابقة صعوبات في النظر في مسألة حقوق الإنسان؛ وفي بعض الحالات، لم تتم محاكمة الجناة على الإطلاق. ولكن هذه المرة، أعتقد أن هناك إرادة سياسية للتعامل مع الجرائم التي ارتكبت خلال النزاع المسلح".

وقال مختار ماريكو أنه لا يجب أن يتمكن المذنبون من التهرب من العدالة: "نحن قلقون من أن يتم الإفراج عن الشخصيات الكبيرة والقادة المسؤولين عن تلك الأعمال، بينما يبقى آخرون في السجن". وشدد ماريكو على ضرورة قيام المحاكم بوظائفها، حيث قال: "يجب أن لا يتم الإفراج عن السجناء قبل أن تحصل السلطات القضائية على الوقت الكافي لإنهاء تحقيقاتها".

الشمال يبقى عرضة للخطر

وهناك قلق أيضاً بشأن وقوع فصل جديد من العنف في الشمال، فقد ساعدت الشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان والانتهاك المنهجي للطوارق والعرب في تغذية التمرد الذي اندلع في يناير 2012. وحذر نشطاء حقوق الإنسان من أن تصرفات مجموعات صغيرة من الجهاديين، الذين يقومون بشن الهجمات ونصب الكمائن في الشمال، سيؤدي إلى موجات جديدة من عمليات الانتقام من قبل الجيش المالي، من خلال استهداف الطوارق والعرب مرة أخرى بشكل عشوائي. ففي 24 سبتمبر تم اعتقال مجموعة من الرجال الطوارق من قبل أعضاء في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، في منطقة كيدال. واتهم الرجال بأنهم مخبرين للقوات الفرنسية. وبعد بضعة أيام عثر القرويون على رأس أحد الرجال في كشك في السوق المحلية.

وختم ماريكو حديثه قائلاً: "في كثير من الحالات ... يعرف السكان والعدالة أين هم الجناة ولكنهم لا يرغبون في الإبلاغ عنهم، وخاصة إذا كانوا من نفس المجموعة العرقية. وإذا لم يتم تطبيق العدالة، فسيسعى آخرون إلى الانتقام".

kh/aj/cs-aha/dvh

"