مخاوف صحية بعد الفيضان في باكستان

مع استمرار انحسار المياه بعد الفيضانات التي ألحقت أضراراً بأكثر من 2.5 مليون باكستاني، يحذر خبراء الصحة من أزمة أخرى قد تتكشف جراء تعرض آلاف المجتمعات لخطر الأمراض التي تنقلها المياه ونواقل الأمراض.

ويسلط آخر تقرير لمنظمة الصحة العالمية حول فيضان باكستان الضوء على المخاطر الكبيرة لتفشي مرض حمى الضنك والملاريا والكوليرا بين الآلاف من الأسر التي تحيط بها مساحات كبيرة من المياه الراكدة. ويتضاعف الخطر نتيجة نقص المياه النظيفة ونظم الصرف الصحي والنظافة فضلاً عن انعدام الأمن الغذائي ونقص الأدوية.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال محمد فؤاد خان، منسق الطوارئ والفريق الصحي في منظمة الصحة العالمية في إسلام آباد، أنه "بسبب المياه الراكدة التي تمثل أرضية خصبة لتكاثر البعوض يصبح خطر تفشي حالات حمى الضنك والمالاريا والكوليرا كبيراً لأن مصادر المياه ملوثة"، محذراً من أن أولى موجات التفشي قد تحدث في غضون أسابيع.

وفي قرية إنديانا في منطقة جهانغ في البنجاب، قال بشير أحمد وهو أب لخمسة أطفال أن أطفاله يعانون من الإسهال والالتهابات ومشكلات في العين. وكان منزل بشير قد جُرف بالكامل مع محاصيله بسبب الفيضان وبات ينام وأسرته في العراء. وعن حال أسرته قال: "لقد أكلنا بالكاد منذ أيام وأنا قلق على أطفالي. لا يوجد أدوية أو صيدلية إلا على بعد مسيرة يوم كامل". 

2.5 مليون شخص متضرر

ويعد الفيضان الأخير الذي بدأ في الأسبوع الأول من سبتمبر، هو الأسوأ في البلاد منذ عام 2011. ويعتقد أنه قد أثر على إقليم البنجاب الذي يعتبر "سلة الغذاء" في البلاد، أكثر من أي فيضان آخر في الأربعين عاماً الماضية.

فقد أدى الفيضان إلى فقدان نحو 2.4 مليون فدان (971,000 هكتار) من المحاصيل الزراعية. كما قتل أكثر من 350 شخصاً، وفقاً للإحصاءات الرسمية، ولكن بعض المراقبين يعتقدون أن العدد قد يكون أكبر من ذلك ولن يُعرف على وجه التحديد إلا بعد اكتمال المزيد من التقييمات التفصيلية. ولم يتم الوصول إلى بعض الأماكن النائية إلا منذ أيام قليلة حيث أدى الفيضان إلى غرق الكثير من الطرق التي غمرتها المياه، وهو ما أدى إلى زيادة صعوبة تقييم الحجم الحقيقي للأضرار.

ومن المحتمل أن تزداد المشاكل سوءاً قبل أن تنحسر المياه مع تنامي حالات المرض بحيث تمثل خطراً حقيقياً الآن، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

وأشار تقرير منظمة الصحة العالمية أيضاً إلى ارتفاع حالات الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي الحادة والإسهال والأمراض الجلدية التي انتقلت عن طريق أهالي القرى في اثنين من أكثر المناطق تضرراً في البنجاب وهما حافظ آباد وجهانغ. وبعد مرور أيام قليلة على الفيضان، الذي شهد في بعض المناطق ارتفاع المياه إلى 10 أقدام مما تسبب في جرف قرى بأكملها، واجهت فرق تقييم الطوارئ من جمعية الهلال الأحمر الباكستاني أطفالاً يعانون من الإسهال وأمراض العيون والأعراض المبكرة للأمراض الجلدية.


يمكنك أن ترى في عيون الأطفال أنهم ليسوا على ما يرام. فهم يعانون من الحمى ولديهم أعراض الأمراض الجلدية. كما يعاني الكثير من الأطفال في القرية من الإسهال. وأراهم يضعفون يوماً بعد يوم

ومع انحسار مياه الفيضان في اتجاه الجنوب، واجهت فرق الهلال الأحمر الباكستاني مزيداً أهالي القرى الذين لم يتلقوا أي مساعدات بعد مرور أكثر من أسبوع على حدوث حالة الطوارئ. ولا يملك أهالي القرية هنا في رشيد بوروالا إلا القليل من الطعام وقد شاهدت الفرق هناك أطفالاً يعانون بشكل واضح من الأمراض الجلدية والأمراض الأخرى.

وقال محمد إعجاز وهو مزارع وأب لثلاثة أطفال من قرية رشيد بوروالا في منطقة جهانغ، أن منزله قد تضرر بشدة جراء الفيضان الذي أتلف أيضاً أفدنته الثلاثة المزروعة بقصب السكر. وما تزال الحقول المحيطة بقريته الصغيرة غارقة في المياه الراكدة بعمق ثلاثة أقدام. وقال إعجاز لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "يمكنك أن ترى في عيون الأطفال أنهم ليسوا على ما يرام. فهم يعانون من الحمى ولديهم أعراض الأمراض الجلدية. كما يعاني الكثير من الأطفال في القرية من الإسهال. وأراهم يضعفون يوماً بعد يوم. ولكن لا يوجد دواء وأقرب صيدلية تقع في مدينة جهانج على بعد حوالي 10 أميال (16 كيلومتراً)".

وفي حين قادت وكالات الحكومة المحلية والوطنية جهود الإخلاء والإنقاذ، تم تدعيم جمعية الهلال الأحمر الباكستاني من قبل الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وهو من أولى المنظمات الإنسانية الدولية التي استجابت لحالة الطوارئ.

نداء الطوارئ

وقد ركزت المساعدات الفورية على سلسلة من عمليات توزيع الأغذية. ومنذ ذلك الحين، تم التوسع في العمليات التي تقوم بها جمعية الهلال الأحمر الباكستاني وأطلق الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر نداءً دولياً للحصول على تمويل إضافي بقيمة 3 ملايين دولار وذلك لتقديم الدعم إلى أكثر من 227,000 شخص. وستركز عمليات الاتحاد على زيادة توزيع المواد الغذائية ومواد الإغاثة وتوفير المياه وخدمات الصرف الصحي، وتعزيز الصحة والنظافة، والدعم النفسي والمساعدة في توفير المأوى في حالات الطوارئ.

وقال غورخماز هيزونوف، رئيس بعثة الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في باكستان أن "نداء الطوارئ سوف يكمل استجابة الهلال الأحمر الباكستاني لمواجهة الفيضانات وذلك من خلال توزيع المواد الغذائية وتقديم الخدمات الصحية في الوقت الذي سيتم فيه تنفيذ أنشطة تعزيز النظافة. وهذه هي الاحتياجات العاجلة التي تم تحديدها بواسطة التقييم الأولي السريع المتعدد القطاعات الذي قامت به السلطات.

ومن المعروف أيضاً أن المنظمات الدولية غير الحكومية تشارك في أنشطة الاستجابة لحالات الطوارئ حيث تقوم بالتنسيق مع السلطات المحلية المعنية وخاصة في المناطق المتضررة من الفيضان التي يوجد لهم فيها مشروعات قائمة بالفعل. وقالت نرجس خان، استشارية الاتصالات والسياسات للمنتدى الإنساني الباكستاني، الذي يمثل أكثر من 50 منظمة دولية غير حكومية تعمل في أنحاء البلاد أن "المنظمات الدولية غير الحكومية تواصل العمل على الأرض من خلال الشركاء وتقوم بتقديم مساعدات الطوارئ بصورة مباشرة في البنجاب وآزاد جامو كشمير، حيث تقدم خدماتها في مجال الأمن الغذائي وسبل العيش وتوفير المأوى في حالات الطوارئ وتوزيع المواد غير الغذائية والصحة والمياه والصرف الصحي والنظافة. كما يوجد منظمات أخرى جاهزة ومستعدة للعمل. وبمجرد أن تنتهي الحكومة من تقرير التقييم الأولي السريع المتعدد القطاعات والموافقة عليه ستقوم المنظمات بالعمل مع سلطات إدارة الكوارث في الأقاليم والجهات الفاعلة الأخرى من أجل دعم الخطوات القادمة.

الدعم الدولي

في الوقت نفسه تتسارع وتيرة الجهود الرامية إلى تعزيز سبل التنسيق لتلبية الاحتياجات العاجلة والتحرك نحو تعاف طويل الأجل. وقد تم إخطار المسؤولين الحكوميين بنتائج التقييم الأولي للأضرار التي سببتها الأمطار الموسمية الأخيرة والاحتياجات العاجلة في جلسة إحاطة خاصة تم فيه دعوة الوكالات الدولية للتعاون وتقديم ما لديها من أفكار. وبعد ذلك قالت الحكومة أنها تهدف إلى خلق إطار عمل للتعافي من آثار الفيضان ودعت المجتمع الدولي إلى تقديم أفكاره من خلال الجهات المانحة الغربية التي حضرت الاجتماع الذي عقد في 3 أكتوبر.

وقد وصفت أنيت هيرنز القائمة بعمل رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في باكستان الخطة الحكومية بأنها "ايجابية" حيث أضافت أن "وزير المالية محمد إسحق دعا إلى تقديم أفكار من جانب المجتمع الدولي لإنشاء آلية فعالة للتعافي من الفيضانات بطريقة شفافة".

وقالت هيرنز أنه نتيجة لذلك سيدعم برنامج الأمم المتحدة الانمائي تقييم الاحتياجات المفصل للتعافي من الفيضان من خلال العمل جنباً إلى جنب مع الجهات الحكومية على المستوى المحلي والوطني، بينما سيقوم البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي بدعم تقييم الاحتياجات الناجمة عن الأضرار.

وتتحرك بالفعل العديد من المجتمعات المتضررة من الفيضانات نحو التعافي بحسب قول هيرنز، مضيفة أن احتياجاتهم ستكون أساسية في تشكيل مبادرات الدعم والتنسيق مع الهيئات الحكومية الوطنية والمحلية في الأسابيع والأشهر المقبلة.

ag/jd/cb-hka/dvh