مخيم بانتيو في جنوب السودان يواصل اجتذاب النازحين

يفتقر ال47,000 شخص الذين فروا إلى قاعدة تابعة للأمم المتحدة في بانتيو بجنوب السودان إلى معظم الأشياء. في بعض أجزاء من المخيم، يضطر 158 شخصاً لاقتسام مرحاض واحد. وتتصبب النساء والأطفال عرقاً لساعات في انتظار دورهم عند البئر. كما دمرت أمطار أغسطس الفرش والملابس التي أصبح استبدالها ضرباً من المستحيل.

الشيء الوحيد الموجود بكثرة هو المياه الخضراء السامة، التي خلفتها أمطار الشهر الماضي، وهي بركة راكدة تغطي معظم أنحاء المخيم وتتدفق إلى داخل بيوت الناس كلما هبت عاصفة جديدة.

تجدر الإشارة إلى أن هذا وضع صعب بصفة خاصة على فئات معينة - كبار السن والأمهات غير المتزوجات والأشخاص ذوي الإعاقة - لأنهم لا يمتلكون سوى القليل من الموارد التي يستطيعون الاعتماد عليها عندما تكاد تنفد المواد الغذائية أو عند الحاجة إلى شراء دواء. تقدم وكالات الإغاثة، التي تعمل بأكثر من طاقتها، بعض المساعدات، ولكن الناس لا يزالون مضطرون لتقديم تنازلات، سواءً كانت المخاطرة بسلامتهم لجمع الحطب خارج المخيم أو استبدال حصصهم الغذائية مقابل الدواء عندما يمرض أحد الأطفال.

ومع ذلك، لا يزال الناس يتوافدون، بما في ذلك 500 آخرين وصلوا في الأسبوع الماضي بحثاً عن قدر من الأمن وبعض الخدمات، التي لم يعودوا قادرين على الحصول عليها في المناطق المحيطة ببانتيو.

وفي السياق نفسه، قال سوبود فيجابوري، مدير المياه والصرف الصحي في منظمة كونسيرن وورلدوايد (Concern Worldwide)، التي تعد واحدة من أولى الوكالات التي بدأت العمل في المخيم، أن المشكلة هي الخوف والغذاء. ولهذا، فقد استمروا في السير على الأقدام لعدة أيام بغرض الوصول إلى هنا من حيث كانوا يختبئون."

وصلت نيالادا ماليوت في يوليو. كانت هذه الأرملة الأم لسبعة أبناء قد أصيبت بثلاث طلقات نارية في منتصف يناير عندما مر أحد الخطوط الأمامية عبر منزلها الريفي. وتلقت علاجاً لمدة أسبوع قبل أن تقتحم مجموعة من الرجال المسلحين المستشفى وتجبر جميع المرضى على الفرار. ثم هربت مع أطفالها إلى مستنقع، ولمدة ستة أشهر، كانوا يعيشون على عصيدة رقيقة مصنوعة من زنابق الماء المجففة.

وعندما بدأت أعراض سوء التغذية تظهر على إبن ماليوت الأصغر، قررت أن تقطع الرحلة الخطرة إلى قاعدة الأمم المتحدة. وصلوا بأمان وسرعان ما التحق ابنها البالغ من العمر عامين ببرنامج التغذية الذي تديره منظمة كونسيرن، لكنها تخشى أن أطفالها الآخرين لا يحصلون على القدر الكافي من الطعام.

وقد انضمت الآن إلى صف من النساء اللاتي تغادرن المخيم كل صباح لجمع الحطب خارج المخيم. وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة ذكرت أن عشر نساء تعرضن للاغتصاب خارج القاعدة منذ نهاية أغسطس، فإن ماليوت اختارت المجازفة لأنها إذا تمكنت من كسب بعض المال الإضافي عن طريق بيع الحطب، سوف تستطيع تحمل نفقات غذاء تكميلي للحصص الغذائية المصنوعة من الذرة التي تحصل عليها الأسرة من برنامج الأغذية العالمي (WFP).

وهي لا تشعر بالندم على مجيئها إلى المخيم، ولكنها تشكو من أن "الخدمات هنا ليست كافية، وأنا متعبة للغاية".

سوء استعداد

لم يكن أحد مستعداً لمواجهة هذا المستوى من الاحتياجات في بانتيو. في بداية النزاع في جنوب السودان، في منتصف ديسمبر، فتحت الأمم المتحدة قواعدها للناس الباحثين عن الأمان، ولكن يوجد الآن أكثر من 100,000 شخص في 10 مخيمات، تُعرف أيضاً باسم مواقع حماية المدنيين.

ومن جانبه، قال ديرك سيغر، الذي يرأس فريق الحماية في بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان : "حتى وقت ليس ببعيد، كانت بانتيو واحدة من أقل اهتماماتنا تقريباً. وفي شهر أبريل تقريباً، كان لدينا حوالي 2,000 شخص في موقع حماية المدنيين. كان عدداً قليلاً جداً وكانت لدينا مساحة هائلة."

في 15 أبريل وقعت معركة شديدة الوحشية في عاصمة ولاية الوحدة، شملت مذبحة راح ضحيتها مئات الأشخاص الذين كانوا يلتمسون ملاذاً آمناً في أحد مساجد البلدة. وتزامن فرار عشرات الآلاف من الناس إلى موقع حماية المدنيين مع بداية الأمطار الموسمية، مما جعل إدخال أي تحسينات على المخيم، الذي بُني في أحد سهول الفيضانات، ضرباً من المستحيل. كما أصبح من الصعب هبوط أي طائرات سوى المروحيات على المدرج الترابي في البلدة، مما أبطأ وتيرة وصول الإمدادات.

ومنذ ذلك الحين، تحاول المساعدات الإنسانية تلبية الاحتياجات المتزايدة. توجد حالياً 16 وكالة تعمل في المخيم، وأكثر من 70 عامل إغاثة. كما توجد أربع عيادات صحية، ولكنها لا تفي بجميع الاحتياجات الطبية.

في البداية، تم إعطاء الأولوية لإدخال الجميع في الملاجئ والبدء في إطعامهم. وبحلول يونيو، كان ثلاثة أطفال على الأقل يموتون كل يوم بسبب سوء التغذية. وبينما نجحت مراكز التغذية في السيطرة على هذه الأرقام، نشأت مشكلة الإسهال المائي الحاد، التي ترتبط على الأرجح بالمياه الراكدة. وفي أسبوع واحد في وقت سابق من هذا الشهر، سجلت وكالات الإغاثة 131 حالة.

الفيضانات تدمر البنية التحتية للمخيم

وفي الوقت نفسه، انهار جزء كبير من البنية التحتية للمخيم أثناء الفيضانات، فغمرت المياه المنازل وانهارت كتل المراحيض. ووفقاً لتقديرات فيجابوري من منظمة كونسيرن، يوجد في الوقت الراهن نقص يصل إلى 900 مرحاض على الأقل. وعندما تبلغ العواصف ذروتها، ينام بعض الناس وقوفاً لأسابيع في كل مرة.

ومع ذلك، فإن هذا أفضل من الخروج. يتمركز جنود الحكومة حول المدينة، بينما تشير تقارير إلى أن المتمردين يقبعون خارج المخيم. وهناك شائعات بأن القتال قد يبدأ في أي لحظة.

وفي هذا الصدد، قال سيغر: "من الواضح جداً مدى هشاشة الوضع الأمني ومدى خوف الناس من أن تسوء الأمور، لأنه لن يكون هناك شخص عاقل يرغب في البقاء."

تتقاسم اليزابيث نيادوم كوخاً مع شقيقتها وأطفالهما الثمانية في منتصف موقع حماية المدنيين. جاءوا في مايو لأن إبن نيادوم الأكبر، جيمس، معاق ولا يستطيع التحرك بسهولة. وكان العثور على شخص يحمله إلى بر الأمان يزداد صعوبة كلما اندلع القتال.

تلفح بركة كريهة الرائحة بابهم، وكلما هطلت الأمطار، تقوم الشقيقتان بإفراغ الكوخ من المياه، بينما يتجمع الأطفال، بما في ذلك جيمس، على السرير الوحيد. وإذا ارتفع الماء في أي وقت فوق مستوى إطار السرير، فلن تستطيع نيادوم انقاذ جميع الأطفال من الغرق.

"أحياناً نضطر إلى العمل طوال الليل لإزالة الماء،" كما أفادت، ولكن هذه ليست مشكلتها الرئيسية في الوقت الراهن. فبحسب تشخيص أحد العاملين في مجال الصحة، أصيب أحد أبنائها الآخرين، غاتويتش، بالملاريا، ولكن الأدوية نفدت من العيادة، ولذلك اضطرت إلى سحب جزء من المبلغ الصغير الذي تدخره لدفع ثمن علاجه. وإذا حدثت مشكلة أخرى، سوف تضطر إلى البدء في بيع حصصهم الغذائية.

ومع ذلك، فإنها تثني على الجماعات الإنسانية التي تعمل في المخيم. وأخبرت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) "إنهم يقومون بعمل جيد، ولكن المشكلة تكمن في وجود عدد كبير من الناس وأمطار غزيرة."

تخمير الكحول

وفي الوقت نفسه، قرر آخرون أقل رضى بهذا الوضع أن يأخذوا زمام الأمور بأيديهم.

على سبيل المثال، تحتاج ثياني بابيني إلى المال الآن. رأت هذه المرأة البالغة من العمر 62 عاماً الفيضانات تجرف معظم ممتلكاتها في الشهر الماضي، وليست لديها المقدرة على شراء بدائل من السوق الصغيرة ذات الآسعار الباهظة التي نشأت في موقع حماية المدنيين. وهي مقتنعة بأن وكالات المعونة سوف تتجاهلها بسبب سنها إذا ما قامت بأي توزيعات.

في وقت سابق من هذا الشهر، قررت أن تأخذ مخزون الذرة الذي حصلت عليه من برنامج الأغذية العالمي وتستخدمه لتخمير الكحول. تعتبر هذه الممارسة غير قانونية في المخيم لأن السلطات تخشى أنها سوف تشجع على العنف، ولذلك فإن بابيني تقوم بمعظم العمل في الصباح الباكر، قبل بدء الدوريات التي تقوم بها شرطة الأمم المتحدة. إنها عملية طويلة تستغرق عدة أيام، لكنها قالت أنها تستحق الوقت وفقدان المواد الغذائية.

وقد تمكنت من بيع الكوب الواحد من الشراب البني القاتم مقابل 5 جنيه جنوب السودان - أي حوالي 1 دولار أمريكي. وبعد بيع دفعة واحدة، تمكنت من شراء الخضروات والزيت والملح من السوق لتكملة حصصها الغذائية. وقد بدأت بالفعل تخمير الدفعة المقبلة، وتخطط لاستخدام الأموال في المستقبل لبناء كوخ جديد في منطقة أعلى بالمخيم حتى لا تفقد أي ممتلكات جديدة بسبب الفيضانات في المستقبل.

وقالت في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية: "أنا أعلم أن الكحول يمكن أن يسبب المتاعب، لكن هذه هي طريقتي الوحيدة لإيجاد عمل."

المهام المقبلة

يدير بروس سبيريس من مجلس اللاجئين الدنماركي مخيم بانتيو، وهو يعلم أنهم لا يستطيعون إسعاد الجميع، ولكن هناك خطة قصيرة الأجل لمواجهة الأسابيع المتبقية من موسم الأمطار. تركز الخطة على ضخ الماء قدر الإمكان وتحسين الوضع الصحي. ولكن موسم الجفاف، الذي عادة ما يبدأ في شهر أكتوبر، سيكون حاسماً.

وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية أن المهام الرئيسية ستركز على جعل موقع حماية المدنيين "أكثر مقاومة للفيضانات في موسم أمطار العام المقبل". وسوف يتطلب هذا جلب الرمال والتربة لرفع مستوى جزء كبير من المخيم. ويرى بعض عمال الإغاثة أنه نظراً لاكتظاظ المخيم، قد يقتضي هذا أيضاً نقل كل أسرة على حدة. وفي خضم هذه الإصلاحات، يخططون لتوزيع المراحيض ونقاط المياه والخدمات الصحية بطريقة أكثر توازناً.

وأضاف سبيريس أن الأمطار في جنوب السودان عادة ما تبدأ في شهر أبريل، وهو ما يعني أن "لدينا 20 أسبوعاً لإعادة تنظيم المخيم بطريقة أكثر أماناً"، أو نواجه نفس الوضع في العام المقبل.

ag/cb-ais/amz 
"