هل يقوم الاتحاد الأوروبي بما يكفي لمنع موت المهاجرين في البحر؟

كريستي سيغفريد

محررة شؤون الهجرة

أثارت الأخبار التي ذكرت أن ما يقرب من 850 شخصاً قد فقدوا حياتهم في البحر الأبيض المتوسط في نهاية الأسبوع الماضي نتيجة لتحطم خمسة من القوارب التي تحمل المهاجرين جولة جديدة من المناشدات للاتحاد الأوروبي (EU) لتحمل المزيد من المسؤولية عن منع وقوع وفيات في البحر.

وقد شهد البحر الأبيض المتوسط هذا الصيف عدداً غير مسبوق  من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء الذين ركبوا زوارق المهربين المتهالكة في محاولة يائسة للوصول إلى الشواطئ الأوروبية. وتركزت معظم الحركة في الجزء الأوسط من البحر الأبيض المتوسط حيث استحوذت ليبيا على غالبية المغادرين واستقبلت إيطاليا معظم القادمين - حوالي 120,000 حتى الآن في عام 2014، أي أكثر من ضعف الرقم القياسي السابق البالغ 54,000 شخص (خلال عام 2011 في ذروة الربيع العربي).

وقد بلغ عدد الوفيات في البحر الأبيض المتوسط هذا العام أيضاً مستوى جديداً يقرب من 3,000 شخص، بما في ذلك عدد الوفيات من المآسي المتعددة في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، والتي يبدو أن واحدة منها كانت نتيجة تعمد المهربين صدم  وإغراق قارب يقل 500 مهاجر رفضوا الانتقال إلى قارب أقل قدرة على الإبحار.

ومما لا شك فيه أن هذا العدد كان من الممكن أن يزداد لولا عملية البحث والإنقاذ التي نفذتها البحرية الإيطالية وأطلقت عليها اسم عملية بحرنا Mare Nostrum))، والتي بدأت في أكتوبر 2013، بعد أن أودى غرق سفينة بحياة المئات من طالبي اللجوء على مقربة من جزيرة لامبيدوسا الإيطالية. وقد أنقذت عملية بحرنا 70,000 شخص منذ بدئها، ولكنها تكلف 11.5 مليون دولار أمريكي في الشهر، وهي تكلفة تعرب إيطاليا على نحو متزايد عن عدم استعدادها لتحملها بمفردها.

وقد أيدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) الدعوات الإيطالية لمزيد من تقاسم الأعباء واصفة "الوضع المأساوي على الحدود البحرية الأوروبية"، بأنه يتطلب "جهوداً أوروبية عاجلة ومتضافرة، بما في ذلك تعزيز عمليات البحث والإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط".

فرونتكس بلاس

بعد يوم واحد من إصدار هذا البيان من قبل المفوضية في أواخر شهر أغسطس، صدر إعلان عن مفوضة الشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي سيسيليا مالمستروم عقب اجتماع مع وزير الداخلية الإيطالي ليعزز الآمال بخصوص استعداد الدول الأعضاء أخيراً لدعم إيطاليا من خلال مهمة موسعة تقوم بها فرونتيكس، وهي الوكالة الأوروبية المختصة بمراقبة الحدود الخارجية لدول الاتحاد الأوروبي.

ولكن تفاصيل المهمة، التي أُطلق عليها في البداية اسم "فرونتكس بلاس" كانت غامضة. وقالت مالمستروم فقط أنها "تكمل ما تقوم به إيطاليا"، اعتماداً على مدى استعداد الدول الأعضاء للمساهمة والمشاركة. وفسر بعض المعلقين هذا بأن فرونتكس ستتسلم المسؤولية من عملية بحرنا في نهاية المطاف. ولكن، جماعات حقوق المهاجرين سرعان ما نوّهت إلى عدم وجود عبارة "البحث والإنقاذ" في إعلان مالمستروم، وأشارت إلى أن فرونتكس تفتقر إما إلى الصلاحيات أو القدرة على الوفاء بهذه المهام.

وسرعان ما تبين أيضاً أن فرونتكس بلاس ستعمل في المياه الإقليمية الإيطالية فقط، في حين أن الغالبية العظمى من القوارب الغارقة التي تدخلت فيها عملية بحرنا وقعت في المياه الدولية في مواقع ليست ببعيدة عن الساحل الليبي.

وفي هذا الصدد، قال ستيفان كيسلر، كبير مسؤولي السياسات والدفاع عن القضايا لدى الهيئة اليسوعية لخدمة اللاجئين (JRS) في أوروبا، وهو أيضاً الرئيس المشارك لمنتدى فرونتكس الاستشاري المعني بالحقوق الأساسية: "ستكون عملية مراقبة حدود تقليدية بالنسبة لفرونتكس. وستكون عمليات البحث والإنقاذ مجرد مهام ثانوية، وهذا يعني أنه في سياق تلك الأنشطة، إذا تم رصد قارب يعاني من مشكلة، عندها سيتم تنبيه السلطات الوطنية المختصة بالبحث والإنقاذ."

ومن جانبها، أوضحت إيوا مونكوري، المتحدثة باسم فرونتكس، أن العملية الجديدة التي تسمى الآن عملية ترايتون ستجمع بين عمليتين موجودتين حالياً قبالة الساحل الإيطالي، واللتان كان من المقرر أن تنتهيا مع نهاية شهر سبتمبر، وسيتم الآن تمديدهما ودمجهما بدءاً من نهاية نوفمبر. وأكدت أن هذه العملية "ستكون أقرب إلى الشواطئ الإيطالية، ولكنها لن تحل محل عملية بحرنا."

وذكرت في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "عمليات البحث والإنقاذ يتم دائماً تنسيقها من قبل السلطات الوطنية"، مضيفة أن سفن فرونتكس مضطرة وفقاً للقانون البحري للاستجابة لنداءات القوارب التي تواجه محنة عندما تكون بالقرب منها، وأن طواقم خفر السواحل المدربين والمجهزين يكونون على متن تلك السفن، "ولكن هذا لا يندرج تحت ولاية هذه الوكالة."

وتكهن مايكل ديدرينج، الأمين العام للمجلس الأوروبي المعني باللاجئين والمنفيين، بأن الدول الأعضاء قد تكون أحجمت عن التعهد بتقديم الدعم لفرونتكس بلاس على المستوى الذي كانت مالمستروم تأمل به في البداية: "ولكن على الرغم مما قلت، فإن هناك سياسة طويلة الأمد للاتحاد الأوروبي، وخاصة لدى الدول الأعضاء، تتمثل في أنها تريد التركيز على حماية الحدود وليس إنقاذ الأرواح."

عملية بحرنا - عامل جذب؟

في الوقت نفسه، تواجه الحكومة الإيطالية ضغوطاً لإنهاء عملية بحرنا. ولا يستشهد نقادها بتكلفة العملية فقط، ولكن أيضاً بالشكوك في أنها تسهّل مهمة المهربين وتخلق عامل جذب للمهاجرين من خلال انتشالهم من القوارب التي تعاني من مشاكل بالقرب من الساحل الليبي ونقلهم إلى وجهتهم. وحتى مالمستروم  سبت "زيادة كثافة تهريب البشر على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط" إلى عملية بحرنا، وأشارت إلى أن "الناس يوضعون في سفن أقل أماناً ومراكب أصغر حجماً بسبب احتمال إنقاذهم."



رفض كيسلر مثل هذه الحجج قائلاً: "إن الادعاء بأن عملية بحرنا عامل جذب هو نوع من الهراء. فإذا نظرتم إلى الأماكن التي يأتي منها هؤلاء الناس - سوريا وإريتريا والعراق وأفغانستان - فستتفهمون أنهم يفرون سواءً كانت عملية بحرنا موجودة أم لا."

وربطت المتحدثة باسم مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في أوروبا آنا وايت أيضاً بين الزيادة في عدد الناس الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا عن طريق البحر و "العدد المتزايد من الأشخاص الذين يفرون من النزاع والعنف في سوريا وإريتريا والعراق والصومال وغيرها من الدول، فضلاً عن انهيار القانون والنظام في ليبيا.

وأضافت قائلة: "لقد ارتفعت أعداد القادمين عن طريق البحر على نطاق أوسع قبل بضعة أشهر من بدء عملية بحرنا."

ووصفت وايت عمليات البحث والإنقاذ الفعالة بأنها "شديدة الأهمية" لكنها أضافت: "لا يمكن أن تكون هذه هي الاستجابة الوحيدة من أوروبا؛ وينبغي إعطاء الأولوية لزيادة البدائل القانونية الآمنة لتلك الرحلات الخطيرة بالنسبة لأولئك الذين يحتاجون إلى الحماية، وقدرات الاستقبال الكافية."

ووافقها ديدرينغ الرأي قائلاً: "يمكنني القول أن سياسة الاتحاد الأوروبي تسهّل الأمر على المهربين، لأنه لا توجد تقريباً أي سبل قانونية [للوصول إلى أوروبا]، وخاصة فيما يتعلق بالسوريين والاريتريين."

من غير المرجح تغيير السياسات

شكّل الاريتريون ما يصل إلى ربع القادمين إلى إيطاليا بين يناير وأغسطس، وذلك وفقاً لوزارة الداخلية الإيطالية، في حين بلغت نسبة السوريين 21 بالمائة.

وتابع ديدرينغ حديثه قائلاً: "يتم قبول طلبات اللجوء من أكثر من 90 بالمائة من اللاجئين الأريتريين في الاتحاد الأوروبي، ولكن عليهم المخاطرة بحياتهم لوضع أقدامهم على التراب الأوروبي. إنها سياسة سخيفة."

ولا توجد مؤشرات تُذكر على أن عدد القتلى الهائل في عطلة نهاية الأسبوع الماضي سيؤدي إلى تغييرات كبيرة في تلك السياسة. بدلاً من ذلك، تواصل أوروبا تعزيز دفاعاتها ضد المهاجرين غير النظاميين، سواءً كان كثيرون منهم في الواقع من طالبي اللجوء أم لا. ففي العام الماضي، حاولت بلغاريا منع دخول اللاجئين السوريين بشكل رئيسي من خلال سياج نصبته على الحدود مع تركيا. وتم توجيه اتهام لقوات خفر السواحل اليونانية بدفع القوارب التي تحتوي على مهاجرين للعودة إلى المياه التركية. كما أطلقت شرطة الحدود الإسبانية الرصاص المطاطي على المهاجرين الذين حاولوا السباحة إلى الأراضي الإسبانية من المغرب.


  as/cb - ah/ais/amz