ضرورة إعادة التفكير في التمويل الإنساني للمنظمات غير الحكومية الوطنية

حيث أن فعالية المعونة الإنسانية ستكون في صدارة جدول أعمال مؤتمر القمة العالمي للعمل الإنساني في عام 2016، تدور أحاديث كثيرة حول كيفية إصلاح التمويل الإنساني لجعله أكثر شمولاً للمنظمات غير الحكومية الوطنية، ولكن العزوف عن المخاطرة سيعوق التقدم، حسب المحللين.


فخلال الفترة من عام 2009 إلى عام 2013، تلقت المنظمات غير الحكومية المحلية والوطنية 1.6 بالمائة من المساعدات الإنسانية المقدمة من طرف الجهات المانحة الدولية للمنظمات غير الحكومية بصفة عامة، وهو ما يمثل 0.2 بالمائة من إجمالي المعونات الإنسانية شاملة، حسب بحث أجرته منظمة مبادرات التنمية. وقد تكون النسب المئوية الفعلية مختلفة بالنظر إلى أن هذه الأرقام تمثل فقط المساعدات التي تم إبلاغها لنظام التتبع المالي الخاص بالأمم المتحدة. ومع ذلك، يتفق الجميع على أن هذه النسبة منخفضة، خاصة بالمقارنة مع قطاع التنمية، الذي يتوجه إلى المنظمات غير الحكومية الوطنية الآن بمعدلات أكبر بكثير.

وفي هذا السياق، أفاد غيوم لو دوك، مدير التنمية والاتصالات في التحالف من أجل العمل الطبي الدولي (ALIMA)، وهي منظمة غير حكومية لديها شراكات مع منظمات غير حكومية وطنية، أن هذا المستوى من التمويل المتدني يرقى إلى درجة الإقصاء، مشيراً إلى أنه حتى المنظمات غير الحكومية القوية المتخصصة فنياً - مثل منظمة رفاه المرأة والطفل في النيجر (BEFEN) ومنظمة التنبيه الصحي (Alerte Santé ) في تشاد - لا تستطيع الوصول إلى معظم التمويل الدولي بطريقة مباشرة. ونتيجة لذلك، "فإن النظام يقيم القدرة على إدارة وتقديم الخدمات على أساس جنسية المنظمة، وليس على أساس نوعية الموظفين أو سجلهم العملي"، حسب لو دوك الذي أضاف أن "الموظفين المؤهلين الذين عملوا لدى منظمة أطباء بلا حدود في بلدان أخرى وأرادوا العودة إلى ديارهم، لم يتمكنوا من العثور على أية وظائف في بلدانهم".

ومن جانبه، يرى ماكيمير تامبيري، رئيس منظمة التنبيه الصحي غير الحكومية التشادية، التي تعتمد على الأموال التي تحصل عليها من خلال التحالف من أجل العمل الطبي الدولي وكذلك على بعض التمويل المؤسسي صغير النطاق، أن هذا الاستبعاد يقلل من فعالية المعونة. وأوضح في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "المنظمات غير الحكومية الوطنية المؤهلة تستطيع التدخل بسرعة أكبر من المنظمات غير الحكومية الدولية. نحن موجودون هناك بالفعل [في البلاد]، ولدينا الخبرة، ونستطيع القيام بالعمل بتكلفة أقل. وإذا تم إعطاء المال بصورة مباشرة، فإن ذلك سيسرع وتيرة الاستجابة."

كانت منظمة التنبيه الصحي تدير برنامج تغذية في مخيمات جنوب تشاد للعائدين واللاجئين من جمهورية أفريقيا الوسطى وتقدمت بطلب تمويل دولي لتوسيع نطاقه، لكنها اضطرت إلى إنهائه قبل موعده نظراً لعدم الرد عليها.

في أول تقرير عن التمويل الإنساني للمنظمات غير الحكومية الوطنية، الصادر بعنوان "المعونة في أصعب مراحلها"، تنتقد المنظمة غير الحكومية المعروفة باسم الوكالة الكاثوليكية للتنمية الخارجية (CAFOD) نظام التمويل الحالي بشدة عندما يتعلق الأمر بنهج المنظمات غير الحكومية الوطنية: "التمويل الدولي للمنظمات غير الحكومية الوطنية لا يصلح لهذا الغرض. إنه لا يمكن التنبؤ به، ومتقلب، ويصعب الحصول عليه، وغير كاف، ولا يكفي لدعم التعزيز وتنمية القدرات، الذي هو أمر أساسي لتحسين التأهب والقدرة على الاستجابة والقدرة على الصمود في مواجهة الكوارث."

تحصل معظم المنظمات غير الحكومية الوطنية على التمويل من خلال المنظمات غير الحكومية الدولية أو وكالات الأمم المتحدة في بعض الأحيان، حسبا ذكر المحللون. ولكن بعض التمويل الدولي المباشر متاح: خاصة الصناديق المجمعة القطرية، التي أقيمت في عدة بلدان وتعمل بشكل جيد، وخاصة في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية (DRC).

وتجدر الإشارة إلى أن نسبة أموال الصناديق المجمعة التي تصل إلى المنظمات غير الحكومية الوطنية قد ازدادت تدريجياً خلال السنوات الأخيرة.

المخاطر المتصورة

تخطط شبكة ابدأ (Start Network)، وهي منظمة غير حكومية تهدف إلى تحسين فعالية المعونة من خلال إصلاح نهج التمويل الطارئ، من بين أمور أخرى، إلى تمويل المنظمات غير الحكومية الوطنية مباشرة في نهاية المطاف. ولكن في الوقت الراهن، "بسبب العزوف عن المخاطرة في الحكومات المانحة"، توجه الشبكة نصف أموالها على الأقل إلى المنظمات غير الحكومية الوطنية من خلال اتفاقات فرعية تنص على تحمل المنظمات غير الحكومية الدولية للمخاطر القانونية المتعلقة بالتنفيذ، كما أفاد منسق الشبكة شون لاوري.

ويمكن أيضاً أن تتواصل المنظمات غير الحكومية الوطنية مع الحكومات الوطنية لطلب التمويل الإنساني - وقد شجعت حكومات تشاد والفلبين وإثيوبيا وغيرها هذا النهج خلال السنوات الأخيرة، لكن وكالات إدارة الكوارث الوطنية نفسها تكون في كثير من الحالات بحاجة إلى دعم أو استثمار مباشر أكثر من قبل المانحين، كما يقول المحللون.

وفي الوقت نفسه، تمتنع معظم الجهات المانحة الكبيرة عن توجيه التمويل إلى المنظمات غير الحكومية الوطنية بسبب المخاطر المتصورة ذات الصلة. لا تزال دائرة المساعدات الإنسانية والحماية المدنية (ECHO) التابعة للاتحاد الأوروبي ملزمة قانوناً بتمويل المنظمات غير الحكومية التي وقعت اتفاقية الشراكة الإطارية فقط، وبالتالي أثبتت امتلاكها للقدرة التشغيلية والإدارية، وهو ما يتجاوز نطاق معظم المنظمات غير الحكومية الوطنية.

تقدم وزارة التنمية الدولية البريطانية (DFID) التمويل بصورة رئيسية من خلال الشركاء والصناديق المجمعة، على الرغم من أنها على وشك إعادة النظر في التمويل الوطني للمنظمات غير الحكومية، وفقاً لمصادر هناك، ويضطر الشركاء والموردون إلى زيادة شفافيتهم عندما يتعلق الأمر بتوضيح دور المنظمات غير الحكومية المحلية. وتهدف وزارة التنمية الدولية في نهاية المطاف إلى أن تكون قادرة على تتبع المساعدة الإنمائية الرسمية على امتداد سلسلة تقديم المعونة، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية الوطنية، لإظهار الأماكن التي يتم إنفاق الأموال فيها.

وفي الوقت نفسه، تبذل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) جهوداً متضافرة لتوجيه المزيد من الأموال عبر المؤسسات الحكومية والمحلية من خلال مبادرتها "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية إلى الأمام".

وقالت ليزا دوتن، رئيسة صندوق الأمم المتحدة المركزي لمواجهة الطوارئ (CERF)، أن تحمل المخاطر هو الذي يوجه تواصل الجهات المانحة مع المنظمات غير الحكومية الوطنية. "في نهاية المطاف، يتعين على الجهات المانحة أن تشعر بالراحة مع مستوى المخاطر الذي تتبعه من خلال السلسلة. ما هو مستوى تحملها؟ وإذا غيرت مسارها، قد يصبح التمويل المباشر الإضافي متاحاً،" كما أضافت.

إدارة المخاطر

إن التدقيق المسبق في حسابات المنظمات غير الحكومية الوطنية، الذي حاولت الصناديق الإنسانية القطرية في جمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال عمله، هو وسيلة فعالة لإدارة المخاطر، وينبغي أن تمتد إلى الممولين الآخرين، كما أفادت آن ستريت، مستشارة الشؤون الإنسانية في الوكالة الكاثوليكية للتنمية الخارجية.

وتوصي الوكالة الكاثوليكية للتنمية الخارجية أيضاً بأن تحسن الجهات المانحة ووكالات الأمم المتحدة الوعي بالأموال المتاحة للمنظمات غير الحكومية الوطنية، وإنشاء صناديق مجمعة تستهدف على وجه التحديد المنظمات غير الحكومية الوطنية، وإجراء تقييم لقدرات المنظمات غير الحكومية الوطنية في كل بلد على حدة، وتعديل العقود لكي تكون أكثر ملاءمة للمنظمات غير الحكومية الوطنية.

ومن جانبها، قالت جيسيكا الكسندر من قسم تحليل السياسات والابتكارات في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن تدريب موظفي المنظمات غير الحكومية الوطنية بحيث تكون على دراية أكبر بالتمويل المتاح وكيفية الوصول إليه يجب أن يكون أحد الأولويات في السنوات المقبلة، مشيرة إلى أن بناء القدرات هذا ينبغي أن يطبق أيضاً على سلطات إدارة الكوارث الوطنية، التي تتولى قيادة الاستجابة بشكل متزايد.

وأكدت ستريت أنه ينبغي إنشاء متطلبات إبلاغ أكثر صرامة لتتبع أثر التمويل غير المباشر للمنظمات غير الحكومية الوطنية. وأضافت أن "عدداً قليلاً جداً من متلقي التمويل لديهم القدرة، ناهيك عن الالتزام بمتطلبات، على تقديم حتى المعلومات الأساسية حول الأموال التي يمررونها إلى المنفذين من الطرف الثالث، ولذلك لا توجد طريقة لإجراء تقييم منهجي لحسن تالوقيت أو الملاءمة أو تأثير التمويل."

وأضافت ستريت، التي تساعد في عقد سلسلة من المناقشات العالمية لرسم خريطة أولويات الإصلاح، أن تقرير الوكالة الكاثوليكية للتنمية الخارجية وتوصياتها تكتسب زخماً.

وبينما يتفق الجميع على أن هناك حاجة إلى قدر من التغيير في التمويل الدولي للمنظمات غير الحكومية الوطنية، يؤكد الكثيرون على أهمية الجهات الفاعلة المختلفة على امتداد سلسلة الصفقات عندما يكون التمويل غير مباشر. وقالت الكسندر من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية: "عادة ما يتغاضى الناس عن القدرة التي يمكن للمجتمع الدولي أن يجلبها [لدورة التمويل] - الوسيط يمكن أن يكون سمسار الحلول - يمكن أن يوفر المساءلة، ويشدد على أهمية المبادئ الإنسانية والشفافية، من بين الأدوار الحيوية الأخرى."

وتوافقها الرأي دوتن من الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ، قائلة: "إذا كان كل جزء من أجزاء السلسلة يعمل جيداً، فإنه سيضيف قيمة جديدة". لكن ستريت كانت أكثر تشككاً، ووصفت سلاسل الصفقات الطويلة واسعة الانتشار بأنها "غير فعالة ومكلفة".

وتقليدياً، كان التعاقد من الباطن على التمويل الإنساني يعني أن 7 بالمائة من المبلغ المتعاقد عليه تُنفق على التكاليف الإدارية. ولكن لا ينبغي النظر إلى النفقات العامة باعتبارها نوعاً من الهدر، كما أكد لو دوك من التحالف من أجل العمل الطبي الدولي. "يمكنني أن أدير برنامجاً بنفقات عامة لا تتعدى 1 بالمائة، لكنني لا أستطيع ضمان الجودة، وبالمثل قد تخصص بعض الوكالات نسبة 25 بالمائة للنفقات العامة ولكنها أكثر كفاءة،" كما أخبر شبكة الأنباء الإنسانية، مشيراً إلى أن "7 بالمائة لا تكفي بالضرورة لتوفير التطوير الوظيفي اللازم لمواصلة تأهيل الموظفين - وهو الأمر الذي يمكن أن يضاعف كفاءة المشروع 50 مرة".

إن تقييم المزايا النسبية للتمويل المباشر مقابل التمويل غير المباشر يتطلب المزيد من الدراسة. لكن لو دوك يرى أن هناك شيئاً واحداً واضحاً، وهو أن الجهات المانحة يتعين عليها مواكبة العصر ومتغيراته. وأضاف قائلاً: "في منطقة مثل غرب ووسط أفريقيا، تنشأ المنظمات غير الحكومية الجديدة طوال الوقت. لذا فإن السؤال هو: هل تستطيع الجهات المانحة إعادة تكوين نظام يتيح لها أخذ هذه الجهات الفاعلة بعين الاعتبار؟ لأنها سوف تضطر إلى عمل ذلك في مرحلة ما."


 


aj/cb -ais/amz