تحليل: أسباب استمرار زواج الأطفال في نيبال

عندما بلغت رامي بيسووكارما سن الـ 33 كان قد مضى على زواجها 20 عاماً. وعلى الرغم من أن قريتها كاتيغاري في منطقة سورخيت غربي نيبال قد شهدت حملات متعددة ضد زواج الأطفال، لكنها تقول أنه لم يتغير شيء تقريباً.

وقالت بيسووكارما في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): كل ما حدث هو رفع سن الزواج للفتيات من 12 إلى 16 سنة الآن".

وبيسووكارما هي مزارعة كفاف أميّة وأم لخمس فتيات في سن المراهقة وابن يبلغ من العمر 20 عاماً. كما أنها من طبقة المنبوذين التي تسمى "الداليت"، وهي أدنى درجة في النظام الطبقي الهندوسي. وعلى الرغم من وجود قوانين ضد زواج الأطفال وإقامة حملات توعية حول الموضوع، إلا أن لزواج الأطفال تاريخ طويل في نيبال. وتظهر البيانات الوطنية أن زواج الأطفال أمر شائع خاصة بين الداليت - ويعزو الخبراء ذلك لاستمرار الفقر والأمية بين هذه الفئة المهمشة تاريخياً من السكان.

وكانت نيبال قد حظرت زواج الأطفال مثل زواج بيسووكارما في عام 1963 (وحظرت التمييز الطبقي في وقت لاحق في عام 1991). وقد نظمت وكالات الإغاثة والمنظمات غير الحكومية حملات توعية واسعة لوضع حد لهذه الممارسة. مع ذلك، يقول الخبراء، أن مثل هذه الاساليب قد أخطأت الهدف، وأن هناك حاجة للقيام بمحاولات جديدة لمعالجة الفقر والتمييز من أجل وضع حد لآفة زواج الأطفال في البلاد.

وقال تيكارام أشاريا، مدير مركز التوعية الاجتماعية (SAC)، وهي منظمة غير حكومية مقرها في سورخيت: "تعزى معاناة طبقة الداليت إلى الفقر المدقع، كما تسهم معدلات الأمية العالية في زواج الأطفال في مجتمع الداليت. وما لم يتغير ذلك، فلن نتمكن من القضاء على هذه المشكلة على الإطلاق".

ويدير مركز التوعية الاجتماعية برامج مجتمعية تتضمن دروساً تعليمية متنقلة من بيت إلى آخر حول التبعات القانونية والصحية للزواج المبكر في محاولة للحد من زواج القاصرات في منطقة سورخيت، التي يوجد فيها أحد أعلى أعداد زيجات الأطفال بين مقاطعات نيبال الـ 75، وفقاً للتعداد الوطني للسكان والمساكن لعام 2011.

ففي سورخيت وحدها، وجد التعداد أن أكثر من 13,000 أنثى قد تزوجن عندما كانت أعمارهن تتراوح ما بين 10- 14 عاماً، و64,000 غيرهن عندما كانت أعمارهن تتراوح ما بين 15 و19عاماً.

ووفقاً لتعداد عام 2011، هناك أكثر من 750,000 امرأة في نيبال اليوم ممن تزوجن عندما كانت أعمارهن تتراوح ما بين 10 و14 عاماً. وأفادت أكثر من نصف الفتيات/النساء التي تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عاماً (2.7 مليون من 4.3 مليون امرأة) أنهن متزوجات، وهذا يعني أن أكثر من 73 بالمائة من الفتيات قد تزوجن قبل بلوغهن سن الـ 19 عاماً (يستخدم كلاً من التعداد واليونيسف سن 19 عاماً باعتباره نقطة الفصل، وهو ما يتداخل تقنياً مع سن البلوغ).

ولكن الخبراء يقولون أن زواج الأطفال شائع بشكل خاص في مجتمع طبقة الداليت، وذلك وفقاً لتقرير نشرته منظمة إنقاذ الطفولة ومنظمة ورلد فيجن ومنظمة بلان في عام 2012، وأن هناك حاجة للقيام بتدخلات مستهدفة بين طبقة الداليت لعكس هذا الاتجاه المقلق.

مخاطر زواج الأطفال

وأوضحت أولا بيرزينسكا، مدير برنامج نيبال لدى منظمة هير ترن (Her Turn)، وهي منظمة غير حكومية دولية مقرها في كاتماندو أن "الدراسات أظهرت أن الفتيات الصغيرات المتزوجات غالباً ما يعانين من العنف الجنسي والعنف الأسري، والمخاطر الصحية، وعدم توفر الفرص المستقبلية على الإطلاق".

ووفقاً للتقرير المشترك الصادر في عام 2012، تعاني الفتيات اللائي يتزوجن في سن صغيرة من مضاعفات مرتبطة بالحمل، وهبوط الرحم والوفيات النفاسية ووفيات الرضع وسوء تغذية كل من الأم والطفل فضلاً عن المشاكل النفسية، بما في ذلك الاكتئاب والعلاقات الزوجية العنيفة والانتحار.

وقالت ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في نيبال غيليا فاليسي لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "عندما تحمل العروس التي يقل عمرها عن 18 عاماً، فإن فرص الوفاة أثناء الولادة هي أعلى خمس مرات من قريناتها في العشرينات من العمر، وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية للحاجة للضغط من أجل تأجيل سن الزواج بالنسبة لهن".

ووفقاً لتقرير التنمية البشرية في نيبال لعام 2014، تشكل طبقة الداليت 13 بالمائة من سكان نيبال البالغ عددهم 27.4 مليون نسمة. ويعدّ 43.6 بالمائة من طبقة الداليت فقراء للغاية حيث يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم. وتبلغ نسبة الأمية بينهم 48 بالمائة.

وقال الناشط في مجال الحقوق تانكا بيسواكارما، الذي يشغل منصب نائب رئيس منظمة رفاه الداليت غير الحكومية: "هناك حاجة إلى تحسين مؤشر التنمية البشرية المنخفض وأسوأ المؤشرات الاجتماعية بين طبقة الداليت، وما لم يحدث ذلك، فستكون مهمة القضاء على زواج الأطفال صعبة للغاية".

ويشير آخرون إلى أن فقر الأسر يدفع الفتيات الصغيرات إلى الزواج كوسيلة للهروب. وقال المعلمون في سورخيت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنهم غالباً ما يشهدون زواج طالباتهم.

وقال بال باهادور ثابا، مدير مدرسة نيبال راستريا الثانوية في قرية كاتيغاري: "إننا نقلق كل عام من أن يتم تزويج الطالبات من أسر الداليت عندما يصلن إلى عمر 15 سنة". وأضاف أن أكثر من ست طالبات من بين 100 طالبة في مدرسته قد تزوجن في العامين الماضيين.

"يبدو أن مجرد تهديد الأسر والكهنة بالقوانين ليس كافياً. فهناك حاجة إلى اتباع نهج شامل يدمج الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والصحية في برنامج واحد"

وعلى المستوى المحلي، نظمت الحكومة حملات مستهدفة لمكافحة زواج الأطفال في المعابد الهندوسية الرئيسية في جميع أنحاء البلاد من خلال مكاتب مجلس رعاية الطفولة (CWB) وبمساعدة أكثر من 1,000 لجنة من لجان حماية الأطفال في القرى وأكثر من 20,000 نادٍ للأطفال، وذلك وفقاً لمجلس رعاية الطفولة في كاتماندو.

وقال ماهيش نيبالي، مسؤول حقوق الطفل لدى مجلس رعاية الطفولة في منطقة بانكي التي تبعد 500 كيلومتر جنوب غرب كاتماندو: "لقد كنا نشطين للغاية في محاولة منع زواج الأطفال في المعابد من خلال تهديد الآباء والكهنة وبمساعدة من الشرطة،" موضحاً أن المجتمعات المحلية والطلاب ومسؤولون في الحكومة المحلية قد قاموا بشكل منتظم بتهديد الكهنة والأسر التي تحاول تزويج أطفالها بالإجراءات القانونية.

وتابع حديثه قائلاً: "لكن مجرد التهديد باتخاذ إجراءات قانونية لا يكفي،" مضيفاً أن تطبيق القانون كان جزئياً في الوقت الذي تقوم فيه بعض الأسر بعقد مراسم سرية للزواج للتهرب من القانون.

الحملة الحكومية

وفي إشارة إلى الفقر باعتباره الدافع الرئيسي لزواج الأطفال، يقول الخبراء أنه يتعين القيام بالمزيد من أجل دعم أسر طبقة الداليت.

وقال كيرتي ثابا، أخصائي حماية الطفل في منظمة إنقاذ الطفولة  (SCF)، وهي منظمة نيبالية غير حكومية: "يجب إنشاء نظام جديد كلياً يكون فيه كل أصحاب المصلحة الرئيسيين خاضعين للمساءلة".

وأوضح ثابا أنه لا ينبغي أن يعد زواج الأطفال مجرد مسألة حماية ولكن يجب أن يتم دمجه في التدخلات الإنسانية والاقتصادية لأفقر المجتمعات، خاصة مجتمع الداليت.

من جهة أخرى، قال مسؤولون لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن ائتلافاً يضم مؤسسة إنقاذ الطفولة SCF)) ومنظمة كير ومنظمة بنات لا عرائس ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وصندوق الأمم المتحدة للسكان يعمل مع الحكومة لوضع استراتيجية وطنية جديدة تركز حصراً على زواج الأطفال.

وقالت نفيسة بنت شفيق رئيس قسم مشاركة وتنمية المراهقين لدى اليونيسف في نيبال: "يجب أن لا يكون للاستراتيجية الوطنية لإنهاء زواج الأطفال أثر فقط على مستوى السياسة العامة ولكن يجب أيضاً أن تحقق التغيير في النظام العام للحكومة وعلى مستوى القواعد الشعبية للمجتمع، وذلك من خلال إحداث تغيير في معتقدات الناس وأعرافهم الاجتماعية".

وأضافت شفيق أن اليونيسف تقوم أيضاً ببحث معمّق لرسم المناطق الساخنة لزواج الأطفال وتحديد المجتمعات الأكثر ضعفاً والمعرضة للخطر في جميع أنحاء البلاد.

وتقود وزارة المرأة والطفل والرعاية الاجتماعية زمام المبادرة في صياغة الاستراتيجية التي من المقرر أن تكتمل بحلول نهاية عام 2014. وقد وصفها مسؤولو الوزارة بالفعل بأنها "تقدم كبير" لأنها ستكون السياسة الوطنية الأولى التي تعالج زواج الأطفال بشكل استباقي.

وأوضح كيران روباخيتي، رئيس قسم حماية الطفل في الوزارة: "يبدو أن مجرد تهديد الأسر والكهنة بالقوانين ليس كافياً. فهناك حاجة إلى اتباع نهج شامل يدمج الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والصحية في برنامج واحد".

وتهدف الاستراتيجية إلى زيادة فرص الوصول إلى الخدمات الإنسانية، بما في ذلك خدمات الصحة الإنجابية، والمعونات الاقتصادية لأشد الأسر فقراً، والأمن الغذائي وتنظيم الأسرة، بالإضافة إلى حملات التوعية المستمرة.

nn/kk/cb-aha/dvh
"