الخوف ينتاب النساء في مخيمات جنوب السودان

بدأ حظر التجول الذي فرضته جولي فرانسيس على نفسها مع غروب الشمس. تعيش هذه الأرملة والأم لأربعة أطفال في قاعدة الأمم المتحدة التي تقع خارج ملكال منذ شهر ديسمبر الماضي، وهي واحدة من أكثر من 17,000 شخص فروا إلى هناك هرباً من القتال المتقطع في عاصمة ولاية أعالي النيل في جنوب السودان. لكن المخيم المكتظ لا يخلو من المخاطر، خاصة بالنسبة للنساء والفتيات.

تستطيع فرانسيس أن تسمع بعض المراهقين السكارى يطاردون النساء أثناء سيرهن في المسارات المظلمة داخل الموقع. كما رأت الثقوب التي قطعها الرجال في الجدران المصنوعة من القماش المشمع في أماكن الاستحمام حتى يتمكنوا من استراق النظر إلى النساء وقامت بمواساة ضحايا الاغتصاب.

وقالت: "هذا أمر يفوق الاحتمال. إنهم يهاجموننا في مكان المراحيض أو في الليل حيث نقوم بجمع المياه". وقد تم الإبلاغ عن 28 حالة اعتداء جنسي في مخيم ملكال خلال الفترة من يناير إلى يونيو هذا العام، وفقاً لتقييم أصدرته المجموعة العالمية للحماية المشتركة بين الوكالات في أواخر الشهر الماضي. ولكن عمال الإغاثة يقرون بأن الغالبية العظمى من هذه الاعتداءات لا يتم الإبلاغ عنها على الأرجح.

ولذلك قررت فرانسيس أنه من الأفضل دفع إطار السرير أمام مدخل خيمتها بمجرد حلول الظلام. وإذا احتاجت هي أو بناتها للذهاب إلى المرحاض، فإنهن يستخدمن الأكياس.

لكنها لا تعتقد أن هذا من العدل في شيء. "يجب على الناس أن يأخذوا هذا الأمر على محمل الجد. يجب أن يكونوا جادين في المساعدة. لا يزال هناك أناس يحتاجون إلى معرفة أن الاغتصاب ليس عملاً صائباً،" كما أكدت.

وتريد فرانسيس أن تعرف أين الاضواء الكاشفة التي يمكن أن تردع الرجال الذين يختبئون بالقرب من المراحيض، أو دوريات شرطة الأمم المتحدة (UNPOL) المنتظمة لحماية النساء اللاتي يرغبن في زيارة صديقاتهن أثناء الليل أو الذهاب إلى الحمام؟ وتساءلت لماذا يبدو أنها هي الوحيدة التي تتخذ خطوات للتأكد من أنها لن تتعرض للاغتصاب؟

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المشكلة ليست قاصرة على ملكال وحدها. فمنذ اندلاع القتال في جنوب السودان في منتصف شهر ديسمبر، احتشد ما يقرب من 100,000 شخص في 10 قواعد تابعة لبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (UNMISS) في جميع أنحاء النصف الشرقي من البلاد، وأُطلق عليها اسم مواقع "حماية المدنيين" (PoC). وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات رسمية، تقول منظمات إنسانية أن العنف الجنسي والجنساني - بما في ذلك الاغتصاب، ولكن أيضاً الضرب والتحرش والعنف الأسري - موجود بدرجات متفاوتة في كل من المخيمات الكبيرة، وكذلك الاستياء المتزايد بين النساء والفتيات من عدم اتخاذ المزيد من الإجراءات لحمايتهن.

"إحباط متزايد"

"بالطبع هناك إحباط متزايد،" كما أفادت نانا نديدا، مديرة المناصرة والسياسة في منظمة كير الدولية. فهي تتحدث إلى النساء اللائي يعشن في المخيمات عن تجاربهن منذ بدء الصراع. وعن ذلك قالت: "إنهن يشعرن بإحباط شديد من حقيقة أن بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان غير قادرة على توفير نوع الأمن الذي يرغبن فيه".

وأضافت أن أكثر ما يثير الحنق هو وجود استراتيجيات بالفعل تحدد ما ينبغي القيام به. توفر المبادئ التوجيهية لتدخلات العنف الجنساني في الأوضاع الإنسانية، التي تتكون من 87 صفحة والتي جمعتها لجنة من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، توصيات مفصلة، بما في ذلك إضاءة المناطق الجماعية المشتركة، وإنشاء أماكن آمنة تستطيع النساء الذهاب إليها سراً لطلب المساعدة، واستطلاع آراء النساء والفتيات باستمرار حول كيفية تحسين هذا الوضع.

ولكن في الأيام الأولى من الصراع، مع وصول أعداد غير مسبوقة من المدنيين الذين يبحثون عن مأوى في قواعد الأمم المتحدة وإجلاء العشرات من العاملين في المجال الإنساني، كان موظفو بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان يجاهدون لمجرد توفير الخدمات الأساسية.

وفي هذا الصدد، قال ديرك سيغار، الذي يرأس فريق الحماية في بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان: "كان لدينا عدد من الناس أكبر من الذين يمكننا أن نأويهم وكنا بحاجة إلى إيجاد وسيلة تمكننا من استمرار إدارة القاعدة أيضاً". ففي الأيام الأولى للصراع، عندما توافد طوفان من البشر إلى قواعد الأمم المتحدة في جميع أنحاء البلاد، "كانت المسألة تتعلق بمحاولة إدخالهم إلى مكان مستدام من شأنه أن يوفر فقط مساحة كافية لوجودهم هناك".

ولا يزال آلاف الأشخاص يعيشون في ملاجئ شُيدت على عجل في الأيام الأولى من القتال، عندما استحوذت قضايا مثل العنف الجنسي والجنساني على اهتمام أقل من إنقاذ أكبر عدد ممكن من الناس.

تيديال تشاني هو زعيم محلي منتخب يمثل واحداً من الأجزاء الأصلية في مخيم ملكال، المعروف باسم موقع حماية المدنيين 2. يعمل تشاني بشكل وثيق مع شرطة الأمم المتحدة لمواجهة المخاوف الأمنية في منطقته، لكنه قال أنه من المستحيل تقريباً مراقبة جميع الأزقة الموحلة غير المضاءة. وخلص في النهاية إلى "إنها ليست مفيدة لتحقيق الأمن داخل موقع حماية المدنيين".

وقال سيغار أن بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، التي كانت على دراية بهذه المشاكل، بدأت تعمل على تأمين مساحات إضافية من الأراضي وبناء المزيد من المواقع ذات التخطيط الاستراتيجي منذ بداية الصراع تقريباً، ولكن البيروقراطية واستمرار القتال يعرقلان جهودها.

وقد تم افتتاح مخيمات جديدة أخيراً في جوبا وملكال في شهر يونيو الماضي. وفي تلك المساحات الجديدة، تم إيلاء اهتمام بالمبادئ التوجيهية، إذ توجد مراحيض النساء بالقرب من الطرقات المضاءة جيداً وهي منفصلة عن مراحيض الرجال. ومن المقرر فتح موقع آخر في بور عاصمة ولاية جونقلي في وقت لاحق من هذا الشهر.

"انها ليست مسألة بضعة أسابيع أو بضعة أشهر، وسيكون الناس جميعاً سعداء بعودتهم إلى ديارهم. ولهذا السبب قمنا ببناء هذه القواعد، ونحن بحاجة إلى أن نكون قادرين على الحفاظ على سلامة الناس وصحتهم ربما لفترة أطول بكثير،" كما أشار سيغار.

ضيق المساحة

ولكن، على الأقل في ملكال، لا تزال هناك مساحة كافية في الموقع الجديد لجميع النازحين. وعندما توافد المزيد من الناس إلى القاعدة بناءً على شائعات عن شن هجوم آخر الشهر الماضي، اضطروا للجوء إلى الملاجئ نفسها التي كان الناس قد غادروها مؤخراً. وفي بانتيو، التي تعتبر حالياً أكبر موقع للنازحين، حيث تضم أكثر من 47,000 شخص، بات من المستحيل بدء العمل في موقع حماية المدنيين الجديد بسبب الأمطار المستمرة.

وقد أدى هذا إلى تحويل التركيز مرة أخرى إلى تدخلات أساسية أكثر لوقف العنف الجنسي والجنساني. وبينما تعمل البعثة بشكل وثيق مع جماعات الإغاثة، تعتبر قضايا مثل الإضاءة ومواقع المراحيض "مسؤولية إنسانية واضحة للغاية،" كما أشار سيغار.

وقالت نديدا أن القضايا المتعلقة بالمساحة تغل أيدي جماعات الإغاثة - خاصة في بانتيو، حيث "لا يمكنك حقاً وضع خيمة واحدة إضافية". وهذا يعني أنهم لا يستطيعون خلق مساحات دائمة آمنة للنساء. وبدلاً من ذلك، لجؤوا إلى خيارات مؤقتة للاستفادة من الغرف الشاغرة في العيادات الصحية لعقد جلسات الاستشارة النفسية بصورة مؤقتة.

لكنها اعترفت أيضاً أنه بحسب خبرتها، كان من الصعب العثور على الأموال اللازمة لتنفيذ تدخلات مثل تحسين المراحيض وأماكن الاستحمام. وأضافت أن "عدداً قليلاً جداً من الناس كانوا يطالبون بتوفير إضاءة في المرافق".

ولكن قد بدأ هذا يتغير وأصبح عدد أكبر من الناس على دراية بالثغرات. توفر منظمة أوكسفام، على سبيل المثال، المصابيح الشمسية لنحو 6,400 شخص في ملكال، مما سيجعل المكان أكثر أماناً للنساء عند الذهاب إلى الحمام خلال الليل.

وبعد ما يقرب من تسعة أشهر، قالت نديدا أن بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان ووكالات المعونة وقادة المخيم تأخروا كثيراً في معرفة كيفية دعم جهود حماية النساء. ونظراً لاستمرار تعثر محادثات السلام بين الحكومة وحركة التمرد التي يقودها نائب الرئيس السابق رياك مشار في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، حذرت نديدا من أنه "لا توجد نهاية في الأفق لعالم مواقع حماية المدنيين". وحتى إذا تم إصلاح جميع المخيمات، سيظل الأمن يمثل مشكلة.

عدد رجال الشرطة لا يكفي

ولدى بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان ما يقرب من 1,300 شرطي موزعين على كافة المواقع، بما في ذلك وحدات الشرطة المشكلة، التي يتم تدريبها خصيصاً للسيطرة على الحشود. وقد ارتفع هذا العدد من 900 فرد من شرطة الأمم المتحدة تم تخصيصهم أصلاً للبعثة قبل ثلاث سنوات. لكن سيغار أوضح أنه بعد توزيع الضباط على جميع المخيمات، ومن ثم تقسيمهم إلى ثلاث ورديات مختلفة على مدار اليوم، لا يتبقى سوى حفنة يقومون بدوريات فعلية في أي وقت.

وأضاف قائلاً: "يمكنني القول بأن هذا هو أكبر عائق يواجهنا".

في الوقت نفسه، تحطمت الهياكل الاجتماعية التي كان يمكن أن تقدم بعض الحماية للنساء. وقالت ليا كريفتشنيا، كبيرة مديري البرامج في منظمة قوة السلام بدون عنف (Nonviolent Peaceforce)، وهي منظمة غير ربحية تساعد على حماية وإشراك المرأة في بعض المخيمات والمناطق الريفية، أن "العديد من آليات الحماية التي كان من الممكن تطبيقها من قبل ليست متبعة الآن". وهي تشمل الاجتماعات المجتمعية ونظم العدالة التقليدية، التي كان من الصعب إعادة تأسيسها في بيئة المخيمات المزدحمة.

تعيش ريتشل ناييك في قاعدة ملكال منذ شهر فبراير، وهي معلمة سابقة في مدرسة ثانوية وتنظم الآن اجتماعات أسبوعية للنساء في المخيم. وتلقي ناييك باللوم على الشباب الذين تعرضوا لصدمة من جراء أعمال العنف التي بدأت في منتصف ديسمبر ولذلك يرتكبون معظم حوادث العنف الجنسي والجنساني. وقالت أن تجاربهم جعلتهم عدوانيين، وتتفاقم المشكلة بسبب تعاطي الكحول، الذي يلجؤون إليه لتخفيف آثار الفراغ القسري الذي يشوب الحياة في المخيمات. وأضافت أن "التقاليد هنا لا تسمح بالاغتصاب، الذي أصبح متفشياً بسبب الحرب فقط".

وأخبرت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه مع استمرار العنف الجنسي والجنساني، تشعر النساء بالقلق من أن الهجمات قد أصبحت جزءاً من نسيج الحياة في المخيمات. وفي غياب المزيد من دوريات شرطة الأمم المتحدة أو إعادة تصميم المخيمات، قالت أن النساء اللائي يعشن في المخيم على استعداد لتولي مهمة حماية أنفسهن، لكنهن يرغبن في خيارات أفضل من دفع إطار السرير أمام أبوابهن أو التبول في كيس.

سمع سوريندرا كومار شارما الشيء نفسه خلال تقييم ساعد في تنظيمه في أحد مخيمات جوبا قبل بضعة أشهر. كان شارما، كبير المستشارين الفنيين لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي كان يملك بعض الأموال لتنفيذ مشروع تجريبي لتحسين الأوضاع في المخيم. ولذا، سأل مجتمعات النازحين كيف يستطيع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مساعدتهم.

"كان الأمن بالتأكيد واحداً من القضايا الرئيسية التي كانت مصدر قلق للجميع، خاصة النساء والأطفال،" كما أشار. كان أعضاء المجتمع داخل القاعدة قد تولوا بالفعل تقسيم أنفسهم إلى لجان أمن مجتمعية، ولكنهم كانوا بحاجة إلى مساعدة لتغطية المخيم بفعالية أكثر ومنع الجريمة - وخاصة العنف الجنسي والجنساني.

وقد نظمت شرطة الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي معاً دورة تدريبية لمدة أسبوع على أساسيات كيفية مراقبة المخيم بفعالية والتعامل مع العنف الجنسي والجنساني. وهم يسيرون دوريات منذ شهر تقريباً الآن. وقال شارما أنه من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان معدل الجريمة قد انخفض أم لا، لكنه يأمل في ذلك.

وأضاف أن اللجان الأمنية المجتمعية تناسب الحاجة إلى "إيجاد حل لهذه المشكلة في إطار الثوابت القائمة". وأكد أنه يسعدهم تصدير هذا التدريب للمخيمات الأخرى، إذا كان بمقدورها الحصول على تمويل لذلك النشاط. وأضاف قائلاً: "إذا جاء الحل من الداخل، وإذا كانوا يريدون أن يفعلوا شيئاً بأنفسهم، فإننا سندعمهم في ذلك. أعتقد أن ذلك سيكون مستداماً".

ag/cb-ais/dvh