"الموجة الثالثة" من الملاريا المقاومة للعقاقير تقبع على الحدود بين تايلاند وكمبوديا

يحذر خبراء الصحة العامة والعلماء من أن الموجة الرئيسية الثالثة في التاريخ من الملاريا المقاومة للعقاقير يمكن أن تنتشر عبر آسيا وتنتقل إلى أفريقيا ما لم يتم اتخاذ "إجراءات جذرية"؛ حيث تهدد السلالات المقاومة للأدوية على الحدود بين تايلاند وكمبوديا فعالية العلاج وتمثل تحديات تعوق جهود الاحتواء.

"الأنباء السيئة هي أن الطفيليات المقاومة للأدوية توجد بالفعل في مساحة أوسع مما كنا نعتقد سابقاً،" كما أفاد نيكولاس وايت، أستاذ الطب الاستوائي في جامعة أكسفورد، ومؤلف الدراسة التي صدرت في يوليو 2014 والتي كشفت عن انتشار طفيليات الملاريا المقاومة للعقاقير في المناطق الحدودية الحرجة في جنوب شرق آسيا (بما في ذلك الحدود بين كمبوديا وتايلاند وبين ميانمار وتايلاند)، وكشفت أيضاً أن مقاومة الأرتيميسينين، وهو العقار الأكثر فعالية في العالم لمكافحة الملاريا، تنتشر الآن على نطاق واسع في المنطقة.

وتجدر الإشارة إلى أن مادة الأرتيميسينين هي علاج فعال ضد الملاريا، ولكن يجب أن تستخدم ضمن مزيج من أدوية عديدة. وفي عام 2007، أصدرت جمعية الصحة العالمية (WHA) قراراً يدعو إلى إنهاء العلاج الأحادي (أو استخدام دواء واحد) لعلاج الملاريا لأن هذه الممارسة كانت تسبب المقاومة. وتوصف الآن جرعة كاملة من العلاج المركب المكون أساساً من مادة الأرتيميسينين (ACT) لمنع تطور مقاومة الأدوية.

وذكر وايت، الذي يرأس أيضاً الشبكة العالمية للمقاومة المضادة للملاريا، أنه على الرغم من ظهور أدلة جديدة عن المقاومة على الحدود بين تايلاند وكمبوديا، لم يفقد الأطباء جميع آمال التوصل إلى علاج فعال. وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الخبر السار هو أنه لا يزال بوسعنا علاجها باستخدام دورات أطول من العلاج المركب المكون أساساً من مادة الأرتيميسينين ويمكننا رسم خريطة لانتشاره باستخدام مؤشر جزيئي".

وقد تم تحديد "مؤشر جزيئي" في غرب كمبوديا في عام 2013، مما أتاح للعلماء لأول مرة الكشف عن طفيليات الملاريا المقاومة للعلاجات الدوائية خارج إطار التجارب السريرية.

ولكن على الرغم من هذا التقدم في رصد الملاريا وتوافر العلاج، يحذر البعض من أن احتواء الملاريا المقاومة للعقاقير سيتطلب "إجراءً جذرياً" لمنع ما أظهر التاريخ أنه انتشار فتاك للمرض بين القارات.

تتبع التهديد

وبحسب معهد باستور، أحد الشركاء في البحث الخاص بالمؤشر الجزيئي للملاريا، "سوف يعزز اكتشاف هذا المؤشر فهمنا لمقاومة الطفيليات لمشتقات الأرتيميسينين، ويحسن رصد انتشار أشكال الملاريا المقاومة للعقاقير، ويؤدي إلى التبني السريع لطرق العلاج الفعالة لمكافحة هذا المرض".

وفي حين يتعرض ما يقرب من 40 بالمائة من سكان العالم لخطر الإصابة بالملاريا، لا يتوفر لقاح حالياً للمرض. وفي عام 2012، قتل هذا المرض 627,000 شخص في مختلف أنحاء العالم. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى الكشف عن 207 مليون حالة في جميع أنحاء العالم في ذلك العام. ويتحور هذا الطفيلي الذي ينقله البعوض لمقاومة عقاقير العلاج الشائعة.

وخلال الفترة من أواخر الخمسينيات إلى السبعينيات من القرن الماضي، كان الكلوروكين هو الدواء الأكثر شيوعاً في الوصفات الطبية، ولكن المقاومة لهذا الدواء انتشرت عبر آسيا وانتقلت إلى أفريقيا، مما أدى إلى عودة ظهور الملاريا ووقوع ملايين الوفيات. وقد تم استبدال الكلوروكين بعقار السلفادوكسين بيريميثامين (SP) في عام 1973، ولكن مقاومة السلفادوكسين بيريميثامين ظهرت في تايلاند بحلول نهاية الثمانينيات وانتقلت إلى أفريقيا. وبحلول عام 2006، أصبح العلاج المركب المكون أساساً من مادة الأرتيميسينين هو العلاج الأمثل للملاريا في كثير من البلدان الموبوءة بالمرض، ليحل محل السلفادوكسين بيريميثامين.

وأعلنت وحدة ماهيدول أكسفورد للبحوث (MORU) التي تتخذ من بانكوك مقراً لها في بيان أصدرته في يوليو 2014: "إننا الآن نواجه احتمال أن يعيد التاريخ نفسه للمرة الثالثة".

وقال باتريك كاتشور، الخبير في علم الأوبئة ورئيس فرع الملاريا في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC): "إذا تفاقمت مقاومة العقاقير التي لوحظت في جنوب شرق آسيا أو انتقلت إلى أفريقيا، يمكن أن تشل جهود مكافحة الملاريا هناك وتمحو التقدم الذي تم تحقيقه على مدار عقد كامل".

وأضاف أن "هذا الجهد العالمي الهائل لتوسيع نطاق علاج الملاريا الفعال والوقاية التي أنقذت أكثر من ثلاثة ملايين شخص في العقد الماضي، يمكن أن يُمحى".

مقاومة العقاقير تؤدي إلى "فقدان الأدوية"

جاء قرار جمعية الصحة العالمية الصادر في عام 2007 والداعي إلى القضاء على العلاج الأحادي للملاريا كرد فعل لظهور أدلة على أن استخدام عقار واحد بمعزل عن الأدوية الأخرى ليس فقط غير فعال، ولكنه يسبب تحور الطفيلي لكي يقاوم مثل هذه الأدوية. وبعد صدور القرار، عملت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة مع شركات الأدوية والإدارات الصحية الحكومية والممارسين الطبيين في محاولة لمنع تداول العلاج الأحادي.


وفي مايو 2014، اعترفت منظمة الصحة العالمية بأنه "على الرغم من تنفيذ عمل تنظيمي شامل وتحقيق تقدم كبير، فإن [العلاج الأحادي بتناول الأرتيميسينين عن طريق الفم] لا يزال متاحاً في العديد من البلدان"، ودعت الى "تكثيف العمل" للقضاء على استخدام هذه العلاجات.

كما تم ربط المقاومة بالعلاجات المزيفة أو دون المستوى والاستخدام غير المقنن للأدوية المضادة للملاريا، والهجرة، والتركيبة الجينية غير العادية لطفيليات الملاريا في غرب كمبوديا.

وأوضح راندال باكارد، أستاذ التاريخ الطبي في كلية جونز هوبكنز بلومبرغ للصحة العامة في الولايات المتحدة، أن "هناك أشكالاً متعددة من حركة السكان والتعرض للأمراض في [جنوب شرق آسيا]. هذا، جنباً إلى جنب مع توافر الأدوية المزيفة على نطاق واسع، يحد من الخدمات الصحية التي يمكن أن تعالج المرضى على نحو فعال، وتسويق العلاجات الأحادية حول المنطقة الحدودية إلى أرض خصبة لسلالات الملاريا المقاومة للعقاقير".

وحذر من أن بعض هذه العوامل الدافعة أكبر بكثير من أن تسمح حتى بمحاولة السيطرة عليها.

"ومن الصعب أن نرى كيف يمكن تحويل اقتصاد منطقة مثل جنوب شرق آسيا للحد من هجرة اليد العاملة. وعلى المدى القصير، قد يتطلب الأمر إيجاد طرق لفحص العمال واكتشاف الأنواع المقاومة للعقاقير، أو توفير علاج جذري لجميع العمال قبل مغادرتهم المناطق التي توجد بها سلالات مقاومة للعقاقير،" كما أشار باكارد.

من جانبه، أفاد كاتشور أنه مع انتشار المقاومة "يصبح ذلك أمراً مهماً بشكل خاص بسبب وجود عدد قليل جداً من الأدوية البديلة المتوفرة أو قيد التطوير التي لا تعتمد على عقار مضاد للملاريا يحتوي على مادة الأرتيميسينين"، وهي ظاهرة يشار إليها باسم "فقدان الأدوية".

وأفادت منظمة الصحة العالمية في عام 2014: "لا يوجد دواء بديل جاهز لدخول السوق في السنوات القليلة المقبلة ليحل محل العلاج المركب المكون أساساً من مادة الأرتيميسينين".

وأكد وايت خلال حديثه مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "المشكلة هي أننا نفقد الأدوية. لقد حققنا تحسينات كبيرة وأنقذنا حياة مليون شخص منذ عام 2000، ولكن هذا يمكن أن يتغير والمستقبل غير مضمون".

الدعوة لاتخاذ "إجراء جذري"

ويدعو الوضع الملح الحالي إلى اتخاذ خطوات غير تقليدية للقضاء على الملاريا، وفقاً لوايت. "في هذه المسألة، نتطلع إلى منظمة الصحة العالمية لتولي القيادة، ولكنها منظمة سياسية أكثر منها طبية، ومن الصعب للغاية بالنسبة لهم اتخاذ هذا النوع من الإجراءات الجذرية،" كما قال وايت، مشيراً إلى أن وضع استراتيجية "تستهدف التخلص من الملاريا" يمكن أن يكون نهجاً في محاولة القضاء على الملاريا في المنطقة.

"وهذا يعني إعطاء الأدوية المضادة للملاريا للجميع في المنطقة الموبوءة. لقد تم تنفيذ ذلك مرات عديدة من قبل، وهو إجراء مثير للجدل، ولكن لا يمكنني التفكير في طريقة أخرى للتخلص من هذا المرض بسرعة. لكن هذا سيكون صعباً للغاية لأن المؤسسات العالمية عادة ما تكون محافظة جداً،" كما أوضح.

فعلى سبيل المثال، تم القضاء على الملاريا في بعض جزر المحيط الهادئ في عام 1996 عن طريق تنفيذ برنامج شمل جولات متعددة من التوزيع الجماعي للأدوية بدءاً من عام 1991. مع ذلك، أُثيرت شكوك حول تعميمها بعد الكشف عن إصابات في عام 1999.

كما توشك الصين على القضاء على جميع سلالات الملاريا من خلال استراتيجية تعتمد بشكل كبير على المعالجة الافتراضية لعدد كبير من السكان.

وعلى الرغم من النتائج والتوصيات التي توصلت إليها دراسة وايت، فإن منظمة الصحة العالمية لا تخطط لتغيير توصياتها.

وفي هذا الصدد، قال سوني كريشنان، مسؤول المناصرة والاتصالات الطارئة في منظمة الصحة العالمية في بنوم بنه، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لا تزال مشتقات الأرتيميسينين هي علاجات الخط الأول الأكثر فعالية، ولم نتوصل بعد إلى بديل أفضل". وأضاف أن هناك أيضاً خطراً من أنه إذا تم علاج الناس بعقاقير لا تشمل الأرتيميسينين، مثل مالارون، يمكن أن تصبح طفيليات الملاريا مقاومة لهذا النوع من العقاقير أثناء فترات الاستخدام الطويلة.

وفي السياق نفسه، يؤكد المركز الوطني لمكافحة الملاريا في كمبوديا، الذي يخضع لإشراف وزارة الصحة، أن العلاج المركب المكون أساساً من مادة الأرتيميسينين لا يزال فعالاً في كمبوديا، وإن كان هناك انخفاض في الحساسية في المناطق الغربية. والجدير بالذكر أن كمبوديا سجلت 12 حالة وفاة بسبب الملاريا في عام 2013.

clc/kk/cb-ais/dvh