الدروس المستفادة من تفشي فيروس كورونا

قبل بضعة أشهر فقط، كان تهديد الإصابة بفيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS) يبدو متصاعداً في أجزاء كبيرة من منطقة الخليج، إذ كان يتم الإبلاغ عن عشرات الحالات الجديدة كل شهر، وقد أفاد فريق رئيسي شكلته منظمة الصحة العالمية بأن "الوضع قد تفاقم من حيث خطورته وإلحاحه".

ولكن في الأسابيع الأخيرة، بدا الأمر وكأن هذا التهديد يتراجع، ولم تظهر سوى حالتين جديدتين فقط في الأسابيع الستة الماضية في المملكة العربية السعودية. وفي حين كان للتغيرات الموسمية بعض التأثير، يبدو أيضاً أن التغير في الاستراتيجيات التي اتبعتها المملكة العربية السعودية لمواجهة هذا المرض تؤتي ثمارها. فما سبب هذا الانخفاض في الحالات؟ وما هي الدروس التي يمكن استخلاصها عند مواجهة الأمراض المعدية الأخرى مثل الإيبولا؟

بداية بطيئة

يعتبر مرض متلازمة الشرق الأوسط التنفسية وثيق الصلة بالتهاب الجهاز التنفسي الحاد (سارس) الذي أودى بحياة أكثر من 700 شخص في جميع أنحاء العالم في عامي 2002 و2003. وقد تم التعرف على هذا الفيروس الذي يصيب الجهاز التنفسي أول مرة قبل عامين ونصف، وقد ظهرت أكثر من 800 حالة في جميع أنحاء العالم حتى الآن، كما تسبب في ما يقرب من 300 حالة وفاة.

وقد تم الإبلاغ عن ظهور حالات في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية، وفي شهر يونيو الماضي، تأكد ظهور المرض لأول مرة في الولايات المتحدة بعد احتجاز اثنين من العاملين في مجال الرعاية الصحية لدى عودتهما من المملكة العربية السعودية لإصابتهما بالمرض. ولا يوجد علاج لهذا المرض حتى الآن، على الرغم من أنه غالباً ما يمكن احتواؤه بطرق السيطرة والوقاية الفعالة.

وتجدر الإشارة إلى أن المملكة العربية السعودية كانت قاعدة المرض منذ بدايته نظراً لظهور أكثر من 50 بالمائة من الحالات هناك. ووفقاً لمعظم الروايات، كان رد فعل المملكة الأولي لهذا المرض بطيئاً. واتُهمت السلطات السعودية بالتقليل من أهمية التهديد أو عدم أخذه على محمل الجد، بعد أن ألمح بعض الخبراء إلى أن عدد الوفيات كان يمكن خفضه لو كان رد فعل السلطات السعودية أسرع.

وقد شكل العاملون في المجال الصحي على وجه الخصوص نسبة عالية من الحالات؛ مما يعني أن المستشفيات لم تتبع الآليات الأمنية والصحية الصحيحة. ووجد تحقيق بقيادة منظمة الصحة العالمية أن السبب الرئيسي لتصاعد حالات متلازمة الشرق الأوسط التنفسية في المملكة العربية السعودية يرجع إلى العدوى الثانوية - أي من إنسان إلى إنسان - التي عادة ما تحدث في المستشفيات بسبب سوء تنفيذ تدابير مكافحة العدوى.

ويُعرف نمط العدوى الذي ينتشر فيه الفيروس باسم "العدوى الرذاذية" - الرذاذ المحمول جواً من إفرازات الأنف أو الحلق أو الرئتين. وقال مامنور مالك خبير علم الأوبئة في منظمة الصحة العالمية، الذي أكد أنه يتحدث بصفة شخصية بحتة، أن إجراءات مكافحة العدوى غير اللائقة بين العاملين في مجال الرعاية الصحية والزوار ساعدت على "سرعة انتشار" الفيروس.

ويتفق سفيان رجب، مدير الأبحاث في مجموعة أبحاث الأمراض المعدية والصحة العامة (IDPH) - وهي مجموعة أبحاث مقرها لندن وتركز على الأمراض المعدية - مع الرأي القائل بأن المستويات العالية للعدوى الثانوية توحي بأن المعايير الصحية سيئة، مضيفاً أنه "لأمر يثير القلق أن يتم الإبلاغ عن كل هذه الإصابات المستشفوية [حالات العدوى التي تحدث في المستشفيات]".

وفي السياق نفسه، اتهم النقاد السلطات بعدم الالتزام بالشفافية. وقال جيريمي يودا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة مينيسوتا دولوث، الذي أجرى أبحاثاً واسعة النطاق حول حوكمة الصحة العالمية، أن المصارحة ضرورية لمنع انتشار المرض بسرعة، ولكن في البداية على الأقل، كان يُنظر إلى الحكومة السعودية على أنها بطيئة وغير حريصة بالقدر الكافي على العمل مع "الحكومات والمنظمات الأخرى".

تغيير الاستراتيجية

ولكن في الأشهر الأخيرة، يبدو أن السلطات السعودية بدأت تغير تكتيكاتها لكي تتعامل مع هذا المرض بشكل أكثر جدية. وفي شهر أبريل، أقال العاهل السعودي وزير الصحة والمستشارين الرئيسيين في الوزارة، وتولى عادل بن محمد فقيه منصب وزير الصحة.

وكان من أول قراراته تأسيس مجلس استشاري للعمل على احتواء المرض.

وأشاد رجب بعمل الوزير الجديد، قائلاً أن فقيه حدد ثلاثة مراكز متخصصة في الرياض وجدة والمنطقة الشرقية للتعامل مع المرضى المصابين بفيروس كورونا كجزء من التحرك نحو المصارحة. كما اتخذت الحكومة تدابير لضمان موثوقية المعلومات وسرعة الإبلاغ عن طريق تطوير نظام الإبلاغ الإلكتروني عن الحالات، فضلاً عن تحسين آليات إبلاغ وزارة الصحة عن الحالات الجديدة.

وأكد رجب أن قرار التعامل مع هذا المرض بشكل أكثر جدية كان له عظيم الأثر، مضيفاً: "لقد شهدنا تغيراً كبيراً في نظم الصحة العامة وزيادة تبعث على الثقة في التدابير الفعالة للوقاية من العدوى ومكافحتها. ويمكن أن يعزى الانخفاض في حالات الإصابة إلى إجراءات المكافحة الوبائية الفعالة، واقتفاء أثر المخالطين، ومراقبة المرض ومكافحة العدوى".

ولكن هناك نظريات أخرى عن أسباب تراجع معدلات الإصابة بهذا المرض، وفي مقدمتها أنه مرض موسمي. ويشير مالك إلى الاعتقاد بأن الفيروس يأتي من الإبل، وبالتالي فمن الممكن أن يرتفع عدد الحالات بين شهري مارس ومايو عندما تلد النوق. مع ذلك، فقد قال أن العلماء "لم يحددوا بعد مدى موسمية المرض".

"عندما يحدث تفش، ينبغي أن يكون نظام الرعاية الصحية قادراً على الاستجابة بسرعة ... وينطبق الكثير من هذه الدروس على تفشي الإيبولا الحالي"


وبالمثل، لا يعني انخفاض عدد الحالات أن المرض قد انهزم. وفي هذا الصدد، حذر رجب من أن موسم الحج في شهر أكتوبر القادم، عندما يتوافد أكثر من مليوني مسلم على مكة المكرمة، يمكن أن يشهد ظهور حالات جديدة. وأضاف "إن الطبيعة المزدحمة للحج، إلى جانب التنوع الدولي، توفر البيئة المناسبة لانتشار الأمراض المعدية".

لكنه أضاف أنه طالما "يتم تنفيذ تدابير فعالة"، يبقى التهديد محدوداً، خاصة وأن الحالات التي تم الإبلاغ عنها خلال شهر رمضان وموسم العمرة هذا العام لم تشمل "سوى عدد قليل من حالات متلازمة الشرق الأوسط التنفسية".

وفي السياق نفسه، اتخذت الحكومة إجراءات لزيادة الوعي بين الأشخاص الذين يؤدون فريضة الحج، كما ينصح الأطباء النساء الحوامل وكبار السن والأطفال بعدم المشاركة. وستقوم الحكومة أيضاً باستخدام نقاط تفتيش المراقبة الصحية القائمة على الحدود للكشف عن أي حالات جديدة.

تعلم الدروس

وفي عالم يضم أكثر من 7 مليار نسمة، يصبح تفشي الأمراض أمراً لا مفر منه، ولكن يمكن ويجب تعلم الدروس، وفيروس الإيبولا، الذي أعلنت منظمة الصحة العالمية مؤخراً أنه أصبح حالة طوارئ صحية دولية، هو مثال على ذلك. فهناك العديد من أوجه التشابه بين فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية وفيروس الإيبولا. فمن المعتقد أن كليهما يأتي من الحيوانات ويتطلب اتصالاً وثيقاً مع شخص مصاب لنقل العدوى، كما لا يوجد لهما علاج في الوقت الحالي. وقد حصد فيروس الإيبولا أرواح 1,400 شخص حتى الآن ولكن الاستجابة الأولية كانت بطيئة.

من جانبه، يرى رجب أن أهم الدروس المستفادة من متلازمة الشرق الأوسط التنفسية وأمراض أخرى كانت "اليقظة والاستعداد". وفي حين أن أولئك الذين يعملون في قطاع الرعاية الصحية يعرفون أن هذه قضايا شائعة، يبدو للأسف أن رد الفعل البطيء من جانب السلطات السعودية يتكرر في غرب أفريقيا.

وبينما أعلنت ليبيريا وسيراليون وغيرها من البلدان الآن حالة الطوارئ، يقول الأطباء أن رد فعلها كان بطيئاً في الأشهر الأولى، وأن إنكار حجم المشكلة كان هو القاسم المشترك بينها.

وقال رجب أن "تفشي الأمراض لا يحدث بين عشية وضحاها. انظر إلى الإيبولا، فقد تم الكشف عن الحالات الأولى في غينيا خلال ديسمبر 2013".

وفي حين قد يكون فات الأوان الآن لاحتواء فيروس الإيبولا في وقت مبكر، توضح متلازمة الشرق الأوسط التنفسية أيضاً أهمية الوعي والتعاون الدولي. وقد اتفق جميع الخبراء الذين تحدثت إليهم شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) على أن أفضل طريقة للحد من تفشي المرض هي المصارحة والشفافية والتنسيق. وقال مالك أن أفضل طريقة للسيطرة على تفشي المرض هي "التعاون والتنسيق الجيد مع القطاع الصحي".

وأشار يودا إلى فيروس سارس، الذي كانت الحكومة الصينية حريصة في البداية على التهوين من خطورته، كمثال آخر على مخاطر عدم أخذ الفيروسات على محمل الجد. وأضاف قائلاً: "لم نتمكن من السيطرة على التفشي إلا بعد أن توقفت الحكومة الصينية عن محاولة التستر على السارس وتعاونت بنشاط مع منظمة الصحة العالمية والشركاء الدوليين الآخرين".

وأكد يودا أن "الجمع بين موارد مجتمع الصحة العامة الدولي وخبراته يتيح لنا الاستفادة من المعرفة الجماعية،" مشيراً إلى أهمية بناء أنظمة الرعاية الصحية وتطويرها.

وقال أيضاً: "عندما يحدث تفش، ينبغي أن يكون نظام الرعاية الصحية قادراً على الاستجابة بسرعة ... وينطبق الكثير من هذه الدروس على تفشي الإيبولا الحالي".

وبينما يمكن تطبيق تلك الدروس، إلا أن النقاد يقولون أن الاستجابة لا تزال غير كافية. وفي 15 أغسطس، أصدرت منظمة أطباء بلا حدود نقداً لاذعاً للدعم الدولي لتلك البلدان المتضررة من الإيبولا، واصفة الاستجابة بأنها "غير كافية بشكل خطير". ودعت منظمة أطباء بلا حدود إلى "تعبئة دولية فورية وهائلة للموارد الطبية - البشرية والتقنية - لدعم ليبيريا وسيراليون".

my/jd/ha-ais/dvh