تحليل: إتاحة البيانات للناس!

أصبحت الاحتجاجات ضد سوء تقديم الخدمات مثل المياه ودورات المياه والصحة والتعليم تحتل جزءاً كبيراً من المشهد في جنوب أفريقيا وبالتالي لم تعد أخباراً جديدة. ومع استمرار سوء الخدمات، تستمر الاحتجاجات كذلك، وتتواصل الحلقة المفرغة من زحف الفقر وتصاعد الإحباط.

ولكن "التدقيق الاجتماعي أو المراجعة الاجتماعية" - وهو نوع جديد من نشاط المجتمع المدني يساعد على تمكين المجتمعات من جمع المعلومات المالية التي تحتاجها للضغط من أجل إحداث تغيير حقيقي- قد يحول هذه الاحتجاجات إلى أكثر من مجرد كلام ساخن، وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى المساعدة في حدوث تحسن ملموس في أسلوب حياة هذه المجتمعات أنفسها. ويتم النظر إلى التدقيق الاجتماعي حول العالم باعتباره وسيلة لتمكين الناس من مراقبة أداء البرامج التي تستهدفهم والمساعدة في ضمان عدم تعرضها للفساد أو التعثر أو سوء الإدارة، وأن تنجح في تقديم ما هو مطلوب منها بالفعل.

ففي مدينة كايلتشا في كيب تاون، على سبيل المثال، وجد التدقيق الاجتماعي الخاص بدورات المياه المحمولة الذي قامت به مجموعة ثلاثية من المنظمات غير الحكومية والمجتمعات المتضررة، أن هناك نقصاً شديداً في مقاولي دورات المياه وتمكنت المجموعة من جمع أدلة موثقة ومفصلة لإثبات ذلك.

وبقيادة ائتلاف العدالة الاجتماعية الذي يعمل جنباً إلى جنب مع مجموعة "نديفونا أوكاوزي" وبمساعدة شراكة الموازنة الدولية (IBP) التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، قامت المجموعة بالعديد من حملات التدقيق لإثبات أن المجتمع لا يستطيع الحصول على صرف صحي سليم. وعلى الرغم من توقيع المدينة عقوداً صارمة مع مقدمي المناقصات لتوفير حلول دورات المياه المحمولة، إلا أن البحث الخاص بالمجتمع أثبت أنه لا يوجد عدد كاف من دورات المياه، وأنها كانت معطلة، ولا يتم تنظيفها بشكل مناسب، وتشكل "أخطاراً تهدد حياة أكثر المجتمعات فقراً وضعفاً في المدينة".

وكشف التدقيق الاجتماعي كذلك أنه لا يوجد لدى المدينة خطة طويلة الأمد قابلة للتطبيق لتوفير الصرف الصحي– وهو حق أساسي من حقوق الإنسان- لجميع سكانها. وتستمر الحملة التي تتضمن إجراءات قضائية ومظاهرات، بينما أقرت مدينة كيب تاون بأن خططها الخاصة بالصرف الصحي تحتاج إلى تحسين وإلى المزيد من الرقابة.

محاسبة الحكومة

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال جاريد روسو، نائب مدير منظمة نديفونا أوكاوزي، أن الهدف في نهاية المطاف هو "بناء حركة تدقيق اجتماعي في جنوب أفريقيا. نريد أن نتمكن من الانخراط مع الحكومات المحلية في تقديم الخدمات. نريدهم أن يقدموا لنا البيانات لنرى في ذلك شكلاً مشروعاً من أشكال الرقابة المجتمعية. إن الأمر يتعلق بتعليم المجتمعات كيفية فهم البيانات حتى يعرفوا ما الذي يتم دفعه وبالتالي يتمكنوا من استخدام تلك المعلومات في إجراء التدقيق ومحاسبة الحكومة". وقال روسو أن هناك اهتماماً من بعض الأوساط في الحكومة الوطنية لتعزيز هذا الشكل من "رقابة المواطن لتقديم الخدمات".

وفي الهند تشارك الحكومة أكثر في التدقيق الاجتماعي بنتائج متباينة. وكان لمنظمة سمرثان غير الحكومية الريادة في إدخال التدقيق الاجتماعي في تلك البلاد مع محاولاتها لجعل قانون ضمان التوظيف الريفي الوطني حقيقة واقعة. وكان برنامج الحق في العمل- وهو الأكبر في العالم- منذ البداية يعاني من مشاكل البيروقراطية والفساد على نطاق واسع. وقد دفع ذلك بمنظمة سمرثان التي تعمل في ولايتي ماديا براديش وشهاتيسغار إلى إجراء تدقيق اجتماعي على مستوى القرية "لمتابعة الإجراءات وإنفاق الأموال".

وقد سلط التدقيق الاجتماعي الضوء على سوء الإدارة والفساد في كل مرة: فالنخب المحلية تقوم باختلاس الأموال والناس يحرمون من الوظائف. وقد تفاقمت المشاكل بفعل ثقافة الفساد بين المسؤولين وثقافة التبعية بين المزارعين الفقراء غير المتعلمين الذين يخشون طرح الأسئلة أو تحدي السلطات المحلية، طبقاً لما ذكره يوجيش كومار، المدير التنفيذي لمنظمة سمرثان.

وعلى الرغم من رد الفعل العنيف من قبل المسؤولين المحليين الذين حاولوا تخريب عمل منظمة سمرثان، إلا أن الاهتمام الإعلامي في النهاية جعل الحكومة أكثر انفاتحاً نحو محاولة تسوية المشكلات ويتم الآن إجراء تلك التدقيقات الاجتماعية بالشراكة مع الحكومة. ولكن كومار قال أن العديد من التدقيقات "تحدث ببساطة على الورق" وهي غير منتشرة بقدر كاف وتتفاوت في جودتها. ولكنه أفاد أنه "يتم تدريجياً بناء ثقافة التدقيق الاجتماعي للشفافية والمحاسبة. وبمجرد أن نقوم بتدقيق اجتماعي جيد، يدرك أهل القرية قيمته. وسيأتي الضغط الأكبر عندما يكون هناك إرادة سياسية قوية لذلك وعندما يتبنى كبار السياسيين فكرة التدقيق الاجتماعي".

مخاطر الاحتيال

وقد قامت برامج مشابهة في غانا والمكسيك بفضح أوجه الضعف في البرامج الحكومية لمساعدة الفقراء بوسائل التدقيق من قبل المجتمع المدني والمشاركة في عملية وضع الموازنة.

وقد أظهرت حملة الدعم الميداني في المكسيك كيف أن البرنامج الحكومي لتقديم الدفعات النقدية إلى المزارعين المحتاجين قد أفاد في نهاية المطاف الأثرياء منهم فقط. وقد دفع ذلك الحكومة إلى وضع قواعد جديدة لجعل العملية أكثر شفافية والحد من خطر الاحتيال.

وفي غانا توصلت مؤسسة تنمية المشاريع الاجتماعية إلى أن لم يتم تنفيذ برنامج التغذية المدرسية كما ينبغي. ومن خلال جهودها، قامت المجتمعات المحلية بالمشاركة في مراقبة البرنامج. ونتيجة لذلك تحسنت أيضاً الخدمات الأساسية مثل إمدادات المياه ومرافق دورات المياه والخدمات الصحية والتعليمية.

ويشمل المثال الآخر الملحوظ للتدقيق الاجتماعي في جنوب أفريقيا حملة العمل من أجل العلاج التي تم تأسيسها في عام 1998. وقد أدى تحليل موازنة الحملة إلى إجبار الحكومة على تقديم أدوية مضادات الفيروسات القهقرية إلى النساء الحوامل لمنع انتقال فيروس نقص المناعة البشرية إلى أطفالهن قبل الولادة. وقد تمكنت الحملة من إيضاح أن الإدارة الصحية يمكنها بالفعل تحمل نفقات الأدوية. ونتيجة لذلك، تم منع مئات الآلاف من الوفيات ويوجد الآن لدى الدولة برنامجاً علاجياً ضخماً بمضادات الفيروسات القهقرية يستهدف أكثر من 1.2 مليون شخص.

نحو موازنات أكثر شفافية

وعلى الرغم من أن المجتمع المدني قادر على لعب دور في مراقبة كيفية إنفاق الموازنات، إلا أن على الحكومات أن تلعب دورها من خلال فتح سجلاتها المالية وإشراك المواطنين في قرارات الإنفاق والقيام بعمليات التدقيق على مدى فاعلية إنفاق الأموال. وتقوم شراكة الموازنة الدولية بإصدار مؤشر نصف سنوي يقوم بتصنيف 100 دولة يقوم بدراستها طبقاً لمدى شفافية موازناتها.

وأحد أسباب عدم تحقيق الحكومات للأهداف الانمائية للألفية هو أنها لا تنفق الأموال العامة بشكل صحيح، كما أفاد فيفيك رامكومار، مدير مبادرة الموازنة الشفافة والدعوة الدولية في شراكة الموازنة الدولية. وقال أن جزءاً من المشكلة هو أن الغموض مازال يكتنف تخصيص وإنفاق الموازنات في العديد من الدول. ومع وضع الركود العالمي لضغوط على المساعدات المقدمة من الدول المانحة فإن الحكومات في الدول النامية تقع تحت ضغوط متزايدة من أجل تلبية مطالب تقديم الخدمات بأنفسها. وأضاف رامكومار أن "ما نراه هو أنه إذا تم القيام بذلك بطريقة منفتحة وشفافة وإذا تم تقاسم المعلومات مع الجمهور، فإنه سيتم وضع الأولويات بطريقة تعكس بشكل حقيقي الاحتياجات الوطنية".


"ما نراه هو أنه إذا تم القيام بذلك بطريقة منفتحة وشفافة وإذا تم تقاسم المعلومات مع الجمهور، فإنه سيتم وضع الأولويات بطريقة تعكس بشكل حقيقي الاحتياجات الوطنية" 
وتشمل عملية الموازنة العديد من القرارات الكبرى والصغرى التي تحدث طوال العام. وقال رامكومار أنه "على الرغم من أن بعض من تلك القرارات يتطلب فهم متطور للتمويل العالمي... فإن ذلك ليس كل ما يتعلق بالموازنة". فهناك العديد من القرارات السياسية التي تتطلب دعم ومشاركة المواطنين لتلك القرارات. وأشار أيضاً إلى أن ضريبة المبيعات على سبيل المثال يتم دفعها من قبل الفقراء والسكان المهمشين أنفسهم، مضيفاً "أنهم يتحملون وطأة القرارات التي يتم مناقشتها وتنفيذها على مستوى أعلى". وسيكون هناك المزيد من الدعم والمشاركة مع "ثقافة الثقة" عندما يتم التشاور مع المواطنين على طول الطريق. وقال رامكومار أنه "على المستوى المنخفض لا يحتاج المواطنون إلى أن يكونوا متعلمين بدرجة عالية لكي يعرفوا ما إذا كانت الموارد يتم تستخدم بشكل صحيح في مناطقهم".

ويفيد مؤشر شراكة الموازنة الدولية لعام 2012 أن الدول الأكثر انفتاحاً وشفافية في موازناتها هي نيوزيلندا وجنوب أفريقيا والمملكة المتحدة والسويد والنرويج وفرنسا، في حين أن الدول التي تأتي في القاع هي الدول الغنية بالنفط مثل السعودية وغينيا الاستوائية وميانمار وقطر. وقد أشار رامكومار إلى أن الدول التي تعتمد على الموارد المستخرجة كالنفط لا تتطلب قاعدة ضريبية من السكان ولذلك يكونون أقل مساءلة أمامهم. ولكن الدول الأخرى مثل أفغانستان التي تعتمد على الإعانات والمكسيك التي تعتمد على النفط والغاز ودول الشرق الأوسط مثل الأردن والبلدان في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مثل أوغندا وجنوب أفريقيا لديها درجات عالية مقارنة بنظرائها. كما أن الاقتصادات الناشئة في الجنوب العالمي مثل البرازيل والهند وجنوب أفريقيا واندونيسيا لديها أداءً أفضل من نظرائها في الشمال مثل اليونان وأسبانيا وإيطاليا والبرتغال وهو ما يثبت وجهة النظر التي تتبناها شراكة الموازنة الدولية وهي أن "أي حكومة لديها الإرادة السياسية للارتقاء بالإصلاحات يمكنها جعل موزانتها شفافة بشكل مناسب".

والاتجاه هو بالتأكيد نحو الانفتاح والشفافية بدلاً من السرية. ومنذ 15 عاماً مضت كانت معظم الحكومات تحيط موازنتها بالسرية خوفاً من تعطيل الأسواق. ولكن "أسطورة أن الموازنة تحتاج إلى وضعها بطريقة سرية من قبل عدد قليل من نخبة الأفراد في وزارة المالية قد تم تحطيمها الآن" كما ذكر رامكومار.

ولكن على الرغم من التقدم البطيء فإن نتائج الدراسة التي تمت في عام 2012 لا تزال مع ذلك "تقدم صورة قاتمة عن شفافية الموزانة والمشاركة والمحاسبة. فغالبية الدول التي شملتها الدراسة تقدم معلومات غير كافية عن موازنتها وتقدم فرصاً قليلة للمشاركة الشعبية في الموازنة". وإذا لم تتم زيادة وتيرة التغيير فقد يستغرق الوقت جيلاً على الأقل بالنسبة لمعظم الدول لتحقيق شفافية الموزانة، "وهذا يمكن أن يعني جيلاً من الفرص الضائعة والموارد المهدرة".

pg/cb-hka/dvh