الفقراء في الريف المصري يراقبون سياسات السيسي

مضى أكثر من شهرين على تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد السلطة في مصر بشكل رسمي، في أعقاب الانتخابات التي فاز بها بأغلبية كبيرة، وإن كان إقبال الناخبين ضعيفاً. وخلال كلمته الأولى للشعب بعد تولي منصبه، ركز السيسي على محنة المزارعين في البلاد وفقراء الريف، ووعد بتطوير القطاع الزراعي وتوفير المزيد من الأراضي الصالحة للزراعة ودعم المواطنين الذين هم في أمس الحاجة إلى المساعدة.

ورفعت كلماته سقف الآمال في المناطق الريفية، التي غالباً ما تكون مهملة، في أن يتمكن السيسي من استخدام ولايته القوية للإقدام على إصلاحات رئيسية لتحسين حياتهم، خاصة بعد أكد العديد منهم دعمهم له خلال الانتخابات.

مع ذلك، يقول محللون أن خطط السيسي لا تزال غامضة حتى الآن، ويشيرون إلى أنه ما زال من المبكر جداً معرفة الأثر الذي ستحققه سياساته على الزراعة. وفي الواقع، بينما تمضي حكومته قدماً في خططها لخفض دعم الوقود وغيره من السلع، تتنامى المخاوف من أن الفقر في الريف قد يتزايد.

صعيد مصر على رأس الأولويات

وفي أول حديث له مع وسائل الإعلام في شهر مايو الماضي، تحدث السيسي، الذي كان لا يزال مرشحاً رئاسياً في ذلك الوقت، عن إعادة تخطيط المحافظات المصرية من خلال خطة "ممر التنمية" التي من شأنها أن تشمل إقامة شبكات بنية تحتية رئيسية جديدة لتمكين المزارعين من استصلاح أكثر من أربعة ملايين فدان جديدة (1.62 مليون هكتار). وأفاد أنه من خلال إدخال أساليب الري العلمية، يمكن للدولة مضاعفة إنتاجها الزراعي.

وقال ريتشارد توتويلر، مدير معهد البحوث للبيئة المستدامة (RISE) التابع للجامعة الأميركية بالقاهرة: "تهدف الخطة إلى خلق فرص عمل جديدة في مجال الزراعة". وأضاف أن مصر لديها 8.6 مليون فدان (3.48 هكتار) من الأراضي الزراعية، وفقاً للهيئة العامة للاستعلامات، ولكن هذه الرقعة الزراعية يمكن أن تزيد بأكثر قليلاً من 40 بالمائة إذا تم تنفيذ خطط السيسي.

ومن الواضح أن الحاجة إلى نهج جديد أكثر إلحاحاً في صعيد مصر، وهو تلك المنطقة الريفية الشاسعة التي تقع في جنوب البلاد. تعد هذه المنطقة موطناً لحوالي 40 بالمائة من سكان مصر ولكنها تضم أيضاً 70 بالمائة من الفقراء في البلاد، وفقاً للبنك الدولي.

وبالمثل، يعاني السكان من بعض أعلى معدلات الأمية وسوء التغذية ووفيات الرضع، في حين أن فرص الوصول إلى المياه الصالحة للشرب والمرافق الصحية محدودة. ويتهم سكان الصعيد السلطات المركزية في القاهرة منذ فترة طويلة بإهمال منطقتهم، ويرون أن الميزانية المركزية لا تخصص أموالاً كافية للجنوب.

وفي السياق نفسه، أكد ضياء عبده، مدير برنامج التنمية الزراعية في المبادرة المصرية للتنمية المتكاملة (النداء)، أن "الخدمات الأساسية سيئة للغاية". ويهدف المشروع، الذي يتم تمويله من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، من بين أمور أخرى، إلى بناء قدرات المزارعين المحليين ودعم المشاريع الريفية، ولكن عبده يعترف بأن حالة البنية التحتية يمكن أن تقف عائقاً أمام عملهم، موضحاً أنه "لا يمكن تحقيق أي تنمية حقيقية دون تحسين هذه الخدمات".

المياه والصرف الصحي

ومن بين أهم المخاوف التي تواجه المزارعين في الريف المصري شبكات المياه السيئة، إذ لا يحصل سوى أكثر قليلاً من واحد من كل 10 أشخاص في المناطق الريفية بصعيد مصر على المياه النظيفة والصرف الصحي، وفقاً لتقارير المبادرة المصرية للتنمية المتكاملة. وبالنسبة للمزارعين، يمكن أن يسبب هذا فشل المحاصيل، بينما تضاعف المياه غير النظيفة من معدلات إصابة فقراء الريف بأمراض الجهاز الهضمي والسرطان أو الفشل الكلوي. وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت هبة حندوسة، العضو المنتدب للمبادرة المصرية للتنمية المتكاملة أن "الأولوية الأكثر إلحاحاً لسكان الريف هي وجود بنية صرف صحي تحتية ملائمة". وقد عبّر المزارعون في المنطقة المحيطة بمدينة قنا الجنوبية، مثل رمضان عبد الراضي، عن ذلك بالقول: "ليست لدينا شبكة صرف صحي تغطي جميع المناطق".

ومن بين المشاريع المقترحة من قبل المبادرة المصرية للتنمية المتكاملة إنشاء شبكة جديدة من قنوات الري الكبيرة. ويعتمد القرويون الفقراء أساساً على أنظمة الصرف الصحي التقليدية التي يتم فيها إنشاء حفر الصرف الصحي من دون قاعدة أسمنتية، وغالباً ما يؤدي ذلك إلى تسرب مياه الصرف الصحي إلى المياه الجوفية. "لدينا قنوات صغيرة بها مصائد من العشب والحشائش،" كما أفاد صلاح أحمد، وهو أحد أعضاء مجلس إدارة المبادرة المصرية للتنمية المتكاملة، في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، مضيفاً أن الشبكة الجديدة سوف تساعد على تعزيز الاقتصاد في صعيد مصر.

ولكن لم يتم اتخاذ الكثير من الخطوات الملموسة في هذا الاتجاه حتى الآن. وقالت أمل إسماعيل، مديرة مديرية الزراعة بمحافظة قنا، أنهم ينتظرون تأكيد التطورات الجديدة من الحكومة المركزية، مضيفة أن "هناك قواعد تنظيمية حكومية عديدة تنطبق على مشاريع الصرف الصحي والمياه والزراعة، ولكن لا توجد مشاريع محددة للمياه والصرف الصحي والأنشطة الزراعية في الوزارة".

المخاوف الغذائية

ومن بين المجالات الأخرى التي تركز عليها أي حكومة تسعى لمساعدة فقراء الريف، الأمن الغذائي. وقد أشارت دراسة استقصائية عن دخل وإنفاق واستهلاك الأسرة في مصر في عام 2011 إلى أن 74.3 بالمائة من الأسر في صعيد مصر تعاني من انعدام الأمن الغذائي المزمن. وفي كثير من الأحيان، تلجأ أشد الأسر فقراً إلى شراء الأطعمة الأقل من حيث التكلفة والقيمة الغذائية، مما يؤدي إلى إصابتهم بأمراض خطيرة.

وقالت أمل، وهي معلمة في مدرسة خاصة في قرية العزايزة، أن العديد من طلابها يعانون من فقر الدم، الذي يمكن أن ينتج عن نقص الحديد أو الفيتامينات في النظام الغذائي. وأضافت قائلة: "في الوقت الراهن، لدينا 149 طفلاً في حاجة إلى الغذاء الصحي، من بينهم 92 حالة خطيرة".

لقد كان أحد الأخطاء التي كررتها الحكومات السابقة هو التركيز على البرامج ذات النطاق الكلي دون فهم دقيق للاحتياجات المحلية للمجتمعات الريفية في البلاد


ونظراً لكون المزارعين في المنطقة يمتلكون تقليدياً حيازات صغيرة، فإنهم يزرعون عدداً قليلاً نسبياً من المحاصيل، ولديهم قيمة سوقية منخفضة، وفقاً للصندوق الدولي للتنمية الزراعية. ويكمن الحل البسيط لتخفيف هذه الأزمة، وإن كان قصير المدى، في تشجيع المزيد من الإنتاج من خلال استخدام الأسمدة. وقد اقترح السيسي خلال حملته الانتخابية عمل ذلك بالتحديد، لكن الآثار لم تظهر بعد.

وفي الوقت الحالي، يستطيع صغار المزارعين الحصول على كمية محدودة من الأسمدة مقابل 70 جنيهاً (10 دولارات) لكل كيس، ولكن سعرها يصل إلى ضعف هذا المبلغ في السوق والخطط التي ترمي إلى زيادة الدعم تبدو مرغوبة. وقال محب القس هارون، وهو مدرس زراعة في مدرسة تقنية بقرية العزايزة: "نحن بحاجة إلى مزيد من الأسمدة، فالحكومة تعطينا كيسين فقط بينما ينبغي أن نحصل على ستة أكياس. مع ذلك، تشير تقارير جديدة من مصر أن أسعار الأسمدة قد ترتفع، في الواقع، بدلاً من الانخفاض.

كما يمكن توسيع نطاق المشاريع الصغيرة الأخرى لمساعدة فقراء الريف. فقد أدخلت المبادرة المصرية للتنمية المتكاملة مؤخراً إنتاج الدواجن في قريتين فقيرتين قرب قنا، عن طريق توزيع 30 كتكوتاً لكل أسرة من أفقر 20 أسرة وتشجيعهم على تربية الدجاج. وكذلك دشنت المنظمة مشروع حدائق السطح لزيادة التوعية بالأمن الغذائي. وقال محمد، وهو أحد العاملين في المشروع، أن "الفكرة هي أن نبين للناس كيفية الاستفادة من سقف منزلهم عن طريق زراعته والحصول على طعام منه. إنه عمل سهل ورخيص، وأي عائلة تستطيع أن تنفذ حدائق السطح".

وفي سياق متصل، قال محمد السيد، مدير الدعم الفني في وزارة التنمية المحلية، أنهم يأملون في زيادة الدعم الفردي للمزارعين لمساعدتهم على تنمية أعمالهم. وأضاف أن "أحد التحديات الرئيسية في صعيد مصر هو الاستثمار في المزارعين وتطوير قدراتهم من خلال التدريب المستمر والتنمية الزراعية المستدامة".

الصحة والتعليم

وهناك مجالات أخرى بحاجة ماسة إلى إصلاحات أيضاً. ففي قطاع الصحة، تعد الخدمات العامة ضعيفة، وهناك نقص في الأدوية الأساسية في المجتمعات الريفية. وأخبر قرويون شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عن اضطرار أشخاص إلى الانتظار لساعات طويلة لإجراء عملية جراحية عاجلة، ونقص الأسرّة في المستشفيات، وسوء حالة المرافق الصحية.

وبالمثل، في مجال التعليم، تفتقر المؤسسات إلى القدرة على استيعاب الطلاب، ومن الشائع وجود فصول تضم 70 طالباً أو أكثر، ومعدلات التسرب العالية تعني أن معدلات الأمية لا تزال تزيد عن 30 بالمائة في معظم مناطق صعيد مصر، وتصل إلى ضعف مثيلاتها في القاهرة وغيرها من المدن الكبرى.

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال كميل عبده، مدير جمعية الصعيد للتربية والتنمية، أن العديد من الأطفال يكملون المرحلة الابتدائية، ولكنهم يبقون لفترة وجيزة فقط في المدارس الثانوية. وأوضح أن "الآباء يرغبون في حصول أطفالهم على التعليم الأساسي، ولكنهم أقل اهتماماً [بالمرحلة الثانوية] لأن أطفالهم يكونون قد كبروا". وتدير جمعية الصعيد للتربية والتنمية واحدة من 14 مدرسة في محافظة أسيوط، ويُضرب بها المثل - لحصول الطلاب على درجات أعلى بشكل ملحوظ في الاختبارات وانخفاض معدلات التسرب عن أي أماكن أخرى. وقال عبده أن بعض التقنيات المستخدمة بسيطة، ويمكن نقلها بسهولة إلى مدارس أخرى، مثل: المزيد من الدعم الفردي للأطفال وتتبع المعلمين للطلاب عبر السنين، وفصول دراسية أصغر حجماً. وهناك تقنيات أخرى أكثر صعوبة، مثل التصدي لارتفاع معدلات تسرب الإناث تقليدياً عن طريق عقد لقاءات مع أسرهن للتأكيد على أهمية التعليم.

ويبدو أن السيسي قد أدرك حجم التحدي، على الأقل من حيث المبدأ، وقال خلال خطاب تنصيبه أنه يريد "التركيز على توفير رعاية طبية متميزة لكبار السن جنباً إلى جنب مع تطوير قطاع التعليم، الذي يشمل الطالب والمعلم بما يحتاجه من مكتبات وملاعب ومسارح، والارتقاء بالتعليم الفني ودعمه، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل".

نهج من أعلى إلى أسفل

مع ذلك، أفاد حاتم زايد، مسؤول البرامج في المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أنه يشعر بالقلق من أن الحلول المقترحة في كثير من المجالات لا تزال غامضة حتى الآن. وأضاف أن خطط خفض دعم الطاقة والغذاء، التي بدأ السيسي بالفعل تنفيذها، ستزيد من إفقار الملايين. وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي في العام الماضي إلى أن إلغاء الدعم المرتفع للغذاء قد يرفع معدل الفقر في البلاد بنحو 10 بالمائة.

وقد "ذكر السيسي أن الأمن الغذائي سيكون أحد الأولويات. مع ذلك، فإن السياسات [التي قدمها] لا تظهر ذلك،" كما أكد زايد في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

وبينما قد يكون السيسي أظهر التزاماً حقيقياً بالإصلاح، فإن كلاً من زايد وتوتويلر حذرا من أنه بدا وكأنه قد ورث نهج من أعلى إلى أسفل الذي ميز الحكومات المصرية السابقة في عهد الديكتاتور المخلوع حسني مبارك.

وقال زايد: "لقد كان أحد الأخطاء التي كررتها الحكومات السابقة هو التركيز على البرامج ذات النطاق الكلي دون فهم دقيق للاحتياجات المحلية للمجتمعات الريفية في البلاد".

من جانبه، حدد توتويلر تنمية المشاركة المحلية كإحدى المجالات الهامة فيما يتعلق بقضايا مثل الزراعة والمياه والري. وتنطوي هذه الفكرة على تولي الأشخاص المزيد من المسؤولية عن إدارة مواردهم الخاصة بشكل جماعي من خلال الجمعيات المحلية المجتمعية.

"سيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كانت الحكومة ستشجع سياسات اللامركزية وبناء القدرات المحلية،" كما أفاد توتويلر، مضيفاً أن "هذا لن يكون تغييراً كبيراً في الاتجاه، ولكنه قد يخفف من حدة بعض المشاكل المتعلقة بسكان الريف".

وسيواصل فقراء الريف، الذين ارتفعت آمال الكثيرين منهم بعد انتخاب السيسي، الانتظار لمعرفة ما إذا كانت وعود الرئيس الجديد جوفاء أم لا.

ab/jd-my/cb-ais/dvh"