تمويل هزيل لمنطقة الساحل

تحتاج منطقة الساحل إلى المزيد من دعم المانحين للمساعدة في سد الفجوة التمويلية البالغة 1.5 مليار دولار خلال هذا العام، وحماية سبل عيش نحو 20.2 مليون نسمة الذين يتعرضون لخطر انعدام الأمن الغذائي. يأتي هذا في الوقت الذي تشير فيه بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن الجهات المانحة لم تقدم سوى 30 بالمائة فقط من إجمالي مبلغ الـ 2.2 مليار دولار المطلوب، الذي تضمنه النداء الإنساني لمكافحة الجوع وسوء التغذية وتعزيز قدرة المجتمعات في المنطقة على الصمود.

وتعليقاً على ذلك، قال روبرت بايبر، منسق الأمم المتحدة الإنساني لمنطقة الساحل: "يمكنني وصف تمويل هذا الجهد كله بأنه هزيل جداً...نحن نعاني عجزاً كبيراً في التمويل، بل إن المهمة قد أصبحت أكثر صعوبة، حيث ارتفع حجم الميزانية المطلوبة منذ بداية السنة".

ونظراً لتدفق اللاجئين جراء الأزمة المستمرة في جمهورية أفريقيا الوسطى إلى بلدان الساحل المجاورة، تم إضافة 200 مليون دولار إلى النداء الأولي بغية تقديم المساعدة المنقذة للحياة لأكثر من 2.4 مليون من اللاجئين والنازحين داخلياً والعائدين الذين يعيشون الآن في المنطقة، فضلاً عن المجتمعات المضيفة التي تستوعبهم.

تنامي الاحتياجات

وفي السياق ذاته، قال ستيفان دويون، ممثل الاستجابة الإقليمية لحالات الطوارئ في منظمة أطباء بلا حدود: "إضافة إلى الحالات المتكررة المعتادة في منطقة الساحل، أصبح الصراع في شمال نيجيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى مقلقاً جداً هذ العام، وكذلك الأمر بالنسبة للآثار الجانبية في تشاد والكاميرون المجاورتين ... يحتاج اللاجئون إلى الكثير من المتطلبات، التي تمثل احتياجات إضافية ينبغي أن نعمل على تلبيتها".

وتجدر الإشارة إلى أنه منذ بداية هذا العام، ارتفع أيضاً عدد الأشخاص الذين تجاوزوا عتبة انعدام الأمن الغذائي إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد، حيث قفز هذا العدد من 2.5 مليون نسمة في شهر يناير ليصل إلى ما بين 5 إلى 6 ملايين نسمة الآن، وذلك مع حلول الموسم الأعجف.

وأضاف بايبر قائلاً: "لقد بدأنا هذا العام بأعداد كبيرة، والاتجاه للأسف، في طريقه للزيادة وليس النقصان".

وهذا الوضع يُعرّض المزيد من الأسر الضعيفة بالفعل في منطقة الساحل لخطر اللجوء إلى استراتيجيات سلبية للتكيف مع الأزمة، مثل الهجرة والتسول وبيع الماشية أو الأصول التي يمتلكونها وتقليل عدد الوجبات اليومية.

ارتفاع معدلات سوء التغذية

ولا تزال معدلات سوء التغذية المتوسط والحاد بين الأطفال ممن هم دون سن الخامسة "مرتفعة بشكل مستعص" لدى حوالي 3.5 مليون و1.5 مليون، على التوالي.

وفي حين يقول الخبراء أنه من المبكر جداً التوصل إلى أي توقعات مؤكدة حول إنتاج المحاصيل هذا العام، إلا أن هناك قلقاً بشأن بعض أجزاء منطقة الساحل، بما في ذلك المناطق الساحلية من السنغال وغامبيا وموريتانيا، والمنطقة المحيطة ببحيرة تشاد، التي لا يوجد فيها رغم مرور أكثر من شهر على موسم الأمطار المعتاد، سوى القليل من الأمطار. وعلى الرغم من أن الأمطار قد بدأت تهطل في أجزاء أخرى من هذه الدول في الوقت المحدد، إلا أنها إما توقفت منذ ذلك الحين، أو أنها تهطل في فواصل زمنية طويلة، ما تسبب في موت البذور التي زرعت.

كما أن تأخر موسم الأمطار لفترة أطول من المعتاد يعني أيضاً موسماً أعجفاً بالنسبة للرعاة، الذين يعتمدون على مياه الأمطار في نمو العشب الذي تتغذى عليه ماشيتهم.

وحول هذا الوضع، قال باتريك ديفيد، المحلل المتخصص في شؤون الأمن الغذائي في المكتب الإقليمي لتعزيز القدرة على الصمود، وحالات الطوارئ والتأهيل لغرب أفريقيا ومنطقة الساحل التابع لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) أن "الوضع الحالي في منطقة الساحل صعب جداً، ونحن الآن بصدد الدخول في فترة أكثر صعوبة".

وأضاف أن العديد من الأسر قد استنفدت بالفعل المخزونات الغذائية المتبقية من العام الماضي واضطرت للشراء من السوق، حيث يتسبب ارتفاع أسعار الغذاء في زيادة الضغط على الموارد المحدودة أصلاً.

من جانبها، تقول منظمة الأغذية والزراعة أنها تعمل على بناء القدرات في منطقة الساحل من خلال أنشطة متنوعة مثل دعم تربية الحيوانات والزراعة وبنوك الحبوب والوصول إلى الائتمان وغيرها من برامج الحماية الاجتماعية الأخرى.

مع ذلك، فقد تم جمع 7.5 مليون دولار فقط، أو ما يعادل 14 بالمائة من مبلغ 116 مليون دولار وهو المبلغ الذي تضمنه النداء الذي أطلقته منظمة الأغذية والزراعة (المدرج في النداء المشترك بين الوكالات لمنطقة الساحل). وعلى الرغم من أن هذا المبلغ يساوي تقريباً الفجوة التمويلية لشهر يوليو من العام الماضي التي وصلت 14.8 بالمائة، إلا أنها تعتبر أقل بكثير من نسبة الـ 25 بالمائة التي تم جمعها في مثل هذا الوقت في عام 2012.

وقال ديفيد: "نحن فعلاً بحاجة إلى الاستمرار في توخي اليقظة بشأن قضية الجوع في منطقة الساحل وعلى الجهات المانحة مواصلة جهود الاستجابة، لأن تلك الأسر الضعيفة التي تعاني حالياً من انعدام متوسط في الأمن الغذائي، والتي تفتقر إلى الدعم أو التي بلغت معاناتها الحد الأقصى، قد تلحق في العام المقبل بتلك الأسر التي تعاني من انعدام حاد في الأمن الغذائي".

ويقول برنامج الأغذية العالمي أنه يعاني صعوبات مماثلة. ففي حين أنه حاول الحفاظ على استمرارية عمل كافة برامجه، إلا أنه تم تقليص العديد منها بسبب وجود عجز يقدر بنحو 230 مليون دولار عبر جميع الدول التي يعمل فيها.

وتأكيداً لهذا قال بينوا ثيري، المدير القطري لبرنامج الأغذية العالمي في النيجر: "من الصعب حقاً بالنسبة لنا مواصلة تنفيذ هذه البرامج دون وجود تمويل كاف".

وأضاف أن برنامج الأغذية العالمي في النيجر، على سبيل المثال، يعتزم استهداف ما يقرب من مليوني شخص بحلول عام 2014، ولكن حتى الآن لم يتمكن سوى مساعدة 500,000 شخص بسبب معوقات التمويل.

التنافس على التمويل

ولعل أحد أسباب الفجوة الحالية هذا العام هي أن دول منطقة الساحل تتنافس للحصول على التمويلات في ظل تنامي الاحتياجات في شتى أنحاء العالم.

وعلى الصعيد العالمي، ازدادت احتياجات التمويل الإنسانية من مبلغ 12.8 مليار دولار في عام 2013، حيث تم جمع 8.3 مليار منها، إلى 16.9 مليار في عام 2014. وترجع هذه الزيادة بشكل رئيسي للأزمة الدائرة حالياً في سوريا، التي قفزت احتياجاتها إلى أكثر من 4 مليار في العام.
وفي هذا الإطار، قال بايبر أن "هذا يضع ضغوطاً هائلة على ميزانيات الجهات المانحة...ومن غير الواضح ما هي الجهات التي يمكن اللجوء إليها، خصوصاً أن أكبر الدول المانحة [وهي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية واليابان والمملكة المتحدة] قد قدمت مواردها بالفعل".

وللمساعدة في تلبية بعض من هذه الاحتياجات التي لم يتم تلبيتها بعد، قدم الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ التابع للأمم المتحدة مبلغ 30.5 مليون دولار في 23 يوليو بغية المساعدة في جهود الإغاثة في سبعة دول في منطقة الساحل.

مع ذلك، تستمر الجهات المانحة الأخرى "بالشعور بالإجهاد"، فقد أوضح بايبر أن "الجهات المانحة تواصل مراقبة هذه الأرقام وهي ترتفع وتريد الاطمئنان بأن أموالها تستخدم بشكل سليم، ولعل الأهم من ذلك، هو أن يكون هناك سبيل للخروج من هذه المعاناة بعد إنفاق استثماراتها المالية".

وفي ظل وجود هذه الفجوات المتكررة في التمويل، يتعين على الحكومات أن تبدأ في لعب دور أكبر في معالجة انعدام الأمن الغذائي وتعزيز قدرة الأشخاص المتأثرين على الصمود.

الخروج من دوامة الأزمة

ويرى بايبر أنه "عاماً تلو العام، نعود إلى المناطق نفسها، وإلى المجتمعات نفسها، بل إلى الأسر نفسها، يجب على الحكومات أن تطور شبكات أمان على المدى الأطول وأن تكون قابلة للتنبؤ بها لدعم هؤلاء الناس".

وهذا يتطلب معالجة بعض القضايا الأساسية الرئيسية التي تجعل من الصعب على السكان الخروج من دوامة الأزمة، بما في ذلك توسيع فرص الحصول على الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم والمرافق الصحية والاستثمار في استراتيجيات التكيف مع التغير المناخي، مثل تخفيف آثار الفيضانات، وبحوث البذور والاستثمار في مشاريع إدارة المياه، مثل شبكات الري.
إضافة إلى ما سبق، يتعين على الحكومات أيضاً البدء في تخصيص المزيد من الأموال لجهود الاستجابة لحالات الطوارئ، ويجب على صانعي السياسات أن يعطوا الأولوية للفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع. مع ذلك، فإن هذا الأمر صعب من الناحية المالية في ضوء تزايد احتياجات تمويل ميزانية الأمن.

ويرى ثيري أنه "على الرغم من أن العديد من الدول تضع حالياً الأمن الغذائي والتغذية في صدارة قائمة الأولويات الخاصة بها، إلا أنها ما زالت تفتقر إلى الأموال وفي أحيان كثيرة إلى القدرة على تنفيذ هذه المشاريع. لذا، إذا كنا نريد حقاً تعزيز القدرة على الصمود وإنقاذ الناس، فيتوجب علينا ضخ استثمارات أكثر مما نقوم به الآن".

وفي حين أن هناك مؤشرات على زيادة مشاركة الحكومات في بعض الدول، مثل بوركينا فاسو، التي تقوم للمرة الأولى بتمويل مدخلات برنامج يعالج سوء التغذية الحاد، فإن هذا الأمر غير كاف.

وختاماً، لخص بايبر المطلوب من الجهات المانحة بقوله: "نحتاج حقاً أن يواصل المانحون مسارهم...لقد كانوا أسخياء حتى الآن، ولكن يجب أن يستمروا في دعم هذه المنطقة، التي لا تزال تواجه تحديات هائلة، ودعم هذا الجهد من أجل إخراج المنطقة من دوامة الأزمات هذه".

jl/aj/cb-kab/dvh