هل تشوب العيوب عملية اختيار قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة؟

تكشف التقارير المتعلقة ببنجلاديش والهند ونيبال ونيجيريا، التي صدرت في يوليو 2014 عن معهد المجتمع المفتوح في نيويورك عن وجود إخفاقات في فحص سجلات حقوق الإنسان الخاصة بالجنود في الدول التي تسهم في عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة.

وتعليقاً على هذا الموضوع، قال جيري فاولر، محلل سياسات في مركز المجتمع المفتوح: "هذه أربعة من الدول الأكثر مساهمة بقوات لحفظ السلام في العالم، ولذلك فإن سياساتها وممارساتها على أرض الواقع تشكل أهمية لما يحدث عندما يتم نشر قواتها في الميدان". وتجدر الإشارة إلى أنه يوجد في الوقت الحالي أكثر من 82,000 جندي منتشرين في بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام حول العالم.

من جهتها، قالت كارلا فيرستمان، مديرة منظمة إنصاف ضحايا التعذيب، التي تعمل في مجال حقوق الإنسان وتتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها: "لا يمكنك إرسال أفراد إلى الأماكن الأكثر صعوبة في العالم من حيث استتباب الأمن أو تأمين أضعف الناس إذا كانوا مقصرين في القيام بمهامهم على نحو فعال ووفق القانون في بلدانهم. فهذا من شأنه أن يبعث رسالة إلى الضحايا في مناطق الصراع مفادها أنهم غير مهمين".

وقد أخذت عملية فحص الجنود المرشحين للانضمام إلى قوات حفظ السلام مؤخراً شكلاً رسمياً حيث أقرت الأمم المتحدة، في عام 2012، سياسة خاصة بفحص سجل حقوق الإنسان تتطلب أن تثبت كلاً من الحكومات المساهمة بالقوات والأفراد المجندين خلو سجلاتهم من انتهاكات حقوق الإنسان كجزء من عملية انضمام القوات الجديدة.

وتعليقاً على هذه السياسة، قال ديفيد هاري، مدير قسم السياسات والتقييم والتدريب في إدارتي عمليات حفظ السلام والخدمات الميدانية التابعتين للأمم المتحدة: "تبعث سياسة [2012] بإشارات إلى الدول المساهمة بقوات مفادها أن الأمم المتحدة تأخذ المسائل المتعلقة بالسلوكيات وحقوق الإنسان على محمل الجد...ذلك أنه من الضروري أن تكون الأمم المتحدة المثال الذي يحتذى به فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان، خاصة في البيئات الهشة التي نقوم بإرسال تلك القوات إليها".

مع ذلك، تشتهر بعض الدول المساهمة بأضخم وحدات قوات بعثات الأمم المتحدة بسجلات سيئة في مجال حقوق الإنسان وشاركت قواتها المسلحة خلال السنوات الماضية في جهود مكافحة التمرد المحلية.

ويقول المسؤولون أنه يجري حالياً عملية تطهير لإمدادات قوات حفظ السلام، بينما يدعو الناشطون لعملية رصد دقيقة وتنفيذ صارم من القمة للقاعدة لممارسة الضغط على الحكومات التي تستفيد مالياً من مشاركة جنودها في بعثات الأمم المتحدة. ويقول الخبراء أن الكثير من الجهود الرامية لتحسين عمليات التدقيق والفحص يجب أن تبدأ في البلدان نفسها.

هل يجري تصدير عناصر مسيئة؟

في مارس 2011، كان ليمون حسين، 16 عاماً، يسير لاسترداد أبقار تملكها أسرته في منطقة جهالوكاثي الجنوبية في بنجلاديش عندما مرت بجواره دراجات نارية تقل ضباطاً من كتيبة التدخل السريع. أمسك أحدهم به ونعته بأنه إرهابي.

قال حسين الذي يبلغ الآن 19 عاماً، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لقد قلت لهم أنني لست إرهابياً، أنا طالب...ولكن أحدهم أطلق رصاصة على ساقي اليسرى وانطلقوا مسرعين. بعد ذلك، اضطر الأطباء لبتر ساقي ﻹنقاذ حياتي... أنا ضحية لإرهاب الدولة، ولا يزال الضباط المسؤولون عن هذه الحادثة طلقاء".

وقد واجهت كتيبة التدخل السريع، وهي قوة شبه عسكرية، انتقادات واسعة النطاق-بما في ذلك "ممارسة التعذيب وغيره من أشكال المعاملة السيئة، والاعتقالات التعسفية، والتورط في حوالي 800 عملية قتل خلال السنوات العشر الماضية".

وضباط كتيبة التدخل السريع هم من بين أولئك الذين يتم تعيينهم في بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام.

في 17 فبراير 2004، ألقي القبض على ماينا سونوار، 15 عاماً، بواسطة ضباط الجيش الملكي النيبالي وعذبوا وقتلوا في منشأة تستخدم لتدريب قوات حفظ السلام.

وقد وصل عدد النيباليين الذي يعملون في بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام في هذه السنة، وهي الثامنة منذ اندلاع الحرب الأهلية بين المتمردين الماويين والحكومة الملكية، إلى أكثر من 3,000 نيبالي. ويتفاخر الجيش الملكي النيبالي "بخبرته الكبيرة في عمليات حفظ السلام الدولية" ويقول أنه "لا يزال واحداً من بين عدد قليل من المنظمات في نيبال التي يتم فيها تدريس حقوق الإنسان وممارستها بشكل مؤسسي منذ فترة طويلة".

وبالإشارة إلى حالة سونوار كمثال على ذلك، قالت لويز أربور، متحدثة من كاتماندو في عام 2007، عندما كانت تشغل منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان: "مكتبي حريص على ضمان ألا تشارك قوات أمن الدولة... التي يظهر سلوكها السابق هكذا، في عمليات الأمم المتحدة حتى يتم إجراء تحقيقات شاملة وتتم الإجراءات القضائية المناسبة من خلال المحاكم المدنية".

وقالت مانديرا شارما، التي كانت تدير منتدى مناصرة حقوق الإنسان في نبيال خلال فترة الصراع، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إن أثر بيان أربور قد ظهر على الفور وانخفض عدد حالات الاختفاء". وأضافت: "لقد حذر هذا البيان الجيش، وهو الأمر الذي جعله يشعر بالقلق إزاء دوره في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام".

وفي العام نفسه، اتهمت محكمة نيبالية الجنرال نيرانجان باسنت وثلاثة ضباط يعملون تحت قيادته بقتل سونوار. من جانبها، قامت الأمم المتحدة بطرد باسنت من منصبه في بعثة حفظ السلام في تشاد في عام 2009. ولكن المحللين يقولون أنه على الرغم من تسوية القضية من الناحية الفنية من جانب الأمم المتحدة، إلا أنها قد أظهرت أن ثمة قضايا تتم بشكل ممنهج.

وفي السياق ذاته، ذكرت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير لها حول نيبال عام 2010 أن "الأمم المتحدة قد فقدت مصداقيتها نظراً لتهميش قيمها الأساسية... ففي ظل عدم وجود عملية فحص منتظمة لقوات حفظ السلام سواء من قبل الحكومة أو الأمم المتحدة، فقد تم تعيين عناصر رفيعة المستوى يعتقد أنها مسيئة في وظائف مربحة في بعثات الأمم المتحدة".

سجلات محلية مثيرة للقلق

من جهته، قال ريتشارد جوان، المدير المساعد في مركز التعاون الدولي في جامعة نيويورك: "إذا كان لدى أفراد قوات الأمم المتحدة سجل حافل من التكتيكات العدوانية في مكافحة التمرد في بلدانهم، فإنهم قد يغضون الطرف- بل ربما يساعدون - في ممارسة تكتيكات بنفس القدر من القسوة أيضاً ضد الجماعات المتمردة والميليشيات خلال عملهم في بعثات حفظ السلام".

وأضاف أن "حقيقة أن لدى أفراد الأمم المتحدة سجلات سيئة في مكافحة التمرد بشكل وحشي في بلادهم أمر مقلق بشكل خاص نظراً لتداخل الخطوط الفاصلة بين عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام وبين بعثات مكافحة التمرد نفسها في العديد من البلدان، مثل مالي وجمهورية الكونغو الديمقراطية".

يفتقر مسؤولو الأمم المتحدة إلى القدرة على توجيه اللوم للدول المساهمة بقوات، لاسيما أن الطلب على قوات حفظ السلام مرتفع جداً في الوقت الحالي. يجب أن تأتي الضغوط الحقيقية المطالبة بالتغيير من الجماعات المحلية
وشجب سوهاس شكما، مدير المركز الآسيوي لحقوق الإنسان في دلهي، ومؤلف تقرير فحص قوات حفظ السلام الخاص بالهند، عملية اختيار أفراد قوات حفظ السلام، موضحاً أن الجنود الذين شاركوا في مختلف عمليات مكافحة التمرد في الهند - من جامو وكشمير إلى حركة التمرد الماوية الناكساليت التي عانت منها مناطق من الدولة منذ أواخر ستينيات القرن الماضي - غالباً ما يكونون أكثر المرشحين.

وقال شكما: "عندما يتعين عليك أن تثبت نفسك في واحدة من أكثر المناطق صعوبة في البلاد لكي يتم اختيارك للالتحاق ببعثة حفظ السلام، فتلك إذن عملية اختيار تحبذ أولئك الذين عملوا بالفعل في بيئات تتفشى فيها انتهاكات حقوق الإنسان".

وقد أشار مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي في عام 2013 إلى أن "مستوى الإعدامات خارج نطاق القضاء في [الهند] لا يزال يثير قلقاً بالغاً. وهذا يشمل حالات الوفاة الناجمة عن الاستخدام المفرط للقوة من قبل رجال الأمن".

وذكر تقرير المركز الآسيوي لحقوق الإنسان في دلهي أن "عملية فحص المرشحين للعمل في بعثات حفظ السلام في الأمم المتحدة تعني ضمناً التصدي لاستخدام انتهاكات حقوق الإنسان في عمليات التمرد المحلية...ويبدو أن الهند مترددة في القيام بهذا الأمر".

حوافز معقدة

وحتى يوليو 2014، كانت الحكومات تحصل على 1,332 دولاراً شهرياً لكل فرد يشارك في قوات حفظ السلام. وقال شارما، الناشط النيبالي: "ناهيك عن فخر الأفراد والمؤسسات بالمشاركة في هذه المهام".

وأوضح تقرير المركز الآسيوي لحقوق الإنسان بشأن بنجلاديش بعنوان إرسال فرق الموت للحفاظ على سلام الأمم المتحدة، أن ضباط كتيبة التدخل السريع، رغم أنهم مختارون من قوات أمن أخرى في بنجلاديش، إلا أنهم لا يزالون مؤهلين للتجنيد في قوات حفظ السلام.

وصرح شهريار علام، وزير الدولة بوزارة الشؤون الخارجية في بنجلاديش، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الحكومة فخورة بمساهمة بنجلاديش بنحو 8,846 جندياً في قوات حفظ السلام على مستوى العالم، ونفى الاتهامات الموجهة لبلاده بأنها ترسل أشخاصاً متورطين في انتهاكات حقوق الإنسان في مثل تلك البعثات: "أرفض كلياً ما نشر في تقرير المركز الآسيوي لحقوق الإنسان ولن يثنينا أي شيء عن المشاركة".

وفي إشارة إلى اجتماع عقد مع مسؤولين في قوات حفظ السلام في يوليو 2014، قال شهريار علام أن "[إدارة عمليات حفظ السلام] قالت أن الأمور لا يمكن أن تكون أفضل مما نقوم به".

وأوضح قائلاً: "في كتيبة التدخل السريع، وقعت أكثر من 500 حادثة [متعلقة بسوء السلوك-لكنه لم يوضح منذ متى] وكانت هناك عقوبة للضباط المسؤولين. مثل هذه الأشياء تحدث لجميع القوات. إنها القوة التي نعتمد عليها، وهي التي ساعدت في تحسين تطبيق القانون والنظام في البلاد".

وقد تسببت عملية الاختيار ذاتها لذوي القبعات الزرق في بنجلاديش إلى وقوع أعمال عنف. ففي عام 2009، قتل 74 شخصاً، من بينهم 57 من ضباط الجيش، عندما تمرد أفراد من حرس الحدود البنغالي بسبب استبعادهم من عملية التجنيد في قوات حفظ السلام.

ووفقا لجوان، قد تؤثر الرغبة في المشاركة في قوات حفظ السلام والحوافز المترتبة عليها ليس فقط على سياسة فحص المرشحين في الداخل، بل على أدائهم في الخارج أيضاً.

وأوضح أنه "إذا تم النظر إلى عملية الاختيار للانضمام إلى قوات القبعات الزرق على أنها 'مكافأة' للجنود الذين نجحوا في تنفيذ عمليات مكافحة تمرد شديدة الشراسة... فلن يخاطر هؤلاء الأفراد بطبيعة الحال بحياتهم في خدمة الأمم المتحدة"، وذلك في إشارة إلى تقرير مكتب الأمم المتحدة لإجراءات الرقابة الداخلية لعام 2014، الذي وجد أن قوات حفظ السلام غالباً ما أخفقت في استخدام القوة لحماية المدنيين. وقال جوان "هناك خطر من أن تتحول بعثات حفظ السلام إلى نوع من نظام الإجازات العسكرية".

مع ذلك، ترى فيرستمان من منظمة إنصاف ضحايا التعذيب، أنه يمكن استخدام الحوافز لتحسين السلوك أيضاً: "قيام الأمم المتحدة باتباع نهج جاد وقائم على المبادئ يمكن أن يقود إلى تغييرات إيجابية في [البلدان المساهمة بقوات]، نظراً للأهمية التي توليها العديد من الدول لبعثات حفظ السلام".

حقبة جديدة من الفحص

ووفقاً لديفيد هاري من إدارة عمليات حفظ السلام، "حتى عام 2012، لم يكن لدينا توجيهات محددة حول كيفية إجراء فحص بشأن سجل حقوق الإنسان للموظفين المحتملين. ولكن مع اعتماد هذه السياسة، أصبح لدينا الآن إجراء للتأكد من أن الموظفين في المستقبل لم يتورطوا من قبل في انتهاكات لحقوق الإنسان".

وأضاف أن "إدارة عمليات حفظ السلام تتواصل بانتظام مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان للحصول على معلومات عن السجلات الشخصية للمرشحين للتعيينات في المناصب العليا".

مع ذلك، قد لا يكون الضغط الذي تمارسه الأمم المتحدة كافياً، حيث قال جوان: "يفتقر مسؤولو الأمم المتحدة إلى القدرة على توجيه اللوم للدول المساهمة بقوات، لاسيما أن الطلب على قوات حفظ السلام مرتفع جداً في الوقت الحالي. يجب أن تأتي الضغوط الحقيقية المطالبة بالتغيير من الجماعات المحلية".

وذكر أيضاً في مقال نشر على موقع معهد تشاتام هاوس أن قوات حفظ السلام "منهكة، وتعاني من ضعف الموارد، وفي بعض الأحيان غير منضبطة لكنهم يفعلون أفضل ما يمكنهم في هذه المهمة الصعبة".

وأوضحت فيرستمان من منظمة إنصاف ضحايا التعذيب أن "الأمم المتحدة لا تملك القدرة على فحص [كل جندي] بنفسها، ولكن يمكنها الاستجابة للادعاءات التي تصلها".

ويرى شكما، مدير المركز الآسيوي لحقوق الإنسان في دلهي، أن من شأن وجود عمليات توظيف شفافة المساهمة في تنظيم جهود جميع الجهات الفاعلة والاستفادة منها.

ويرى أنه "ينبغي إعلان أسماء أفراد القوات التي يتم إرسالها في بعثات حفظ السلام، وعندئذ يمكن أن تصبح قوات الأمن بمثابة آلية الفحص الخاصة بهم...إن المشاركة في بعثات حفظ السلام أمر مربح جداً لدرجة أنه يشجع الأفراد في داخل القوات على الكشف عن منتهكي حقوق الإنسان لإبقاء المناصب المرغوبة لذوي الأيدي النظيفة".

ma-khk-kk/cb-kab/dvh

"