العثور على المهاجرين القتلى والمفقودين في أوروبا

في ظل استمرار الزيادة في عدد المهاجرين وطالبي اللجوء الذين يصلون إلى شواطئ جنوب أوروبا هذا العام – الذي بلغ حوالي 75,000 شخص في آخر إحصاء – يزداد أيضاً عدد القتلى أثناء محاولات عبور البحر الأبيض المتوسط في قوارب مكتظة وغير صالحة للإبحار.

وتشير تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من 800 مهاجر لقوا حتفهم أثناء محاولة العبور الغادرة من شمال أفريقيا إلى جنوب أوروبا منذ بداية العام.

وفي الأسبوع الماضي وحده، تم العثور على جثث 29 مهاجراً في عنبر مكتظ داخل قارب صيد، يعتقد أنهم قضوا نحبهم نتيجة الاختناق بعد استنشاق أبخرة المحرك. وأفاد الناجون أن 60 شخصاً آخرين حاولوا الفرار من العنبر الخانق، لكنهم تعرضوا للطعن من قبل خمسة ركاب وأُلقيت جثثهم في البحر. وفي اليوم السابق، أنقذت البحرية الإيطالية 12 شخصاً بعد غرق زورق مطاطي قبالة سواحل ليبيا، ولكن 109 آخرين كانوا على متن نفس القارب أصبحوا في عداد المفقودين.

كما يختفى عدد غير معلوم من المهاجرين الآخرين الذين يحاولون قطع هذه الرحلة دون أثر، ويفترض أن أجسادهم تغرق في البحر، مما يترك أسرهم في الوطن في ألم ومعاناة من أجل الحصول على أخبار من أحبائهم الذين لا يرجعون ابداً.

كان أخر اتصال تلقاه يافت غيبي، وهو لاجئ إريتري يعيش في السودان، من زوجته بريكتي، التي كانت تحاول الوصول إلى أوروبا مع ابنته البالغة من العمر 20 شهراً، منذ أكثر من شهر. كانت قد اتصلت به من ليبيا، وهي نقطة انطلاق معظم المهاجرين وطالبي اللجوء الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا، في 20 يونيو وقالت له أنها سوف تستقل القارب في 28 يونيو. ويؤكد أحد أصدقاء غيبي المقيمين في ليبيا والمهرب الذي كان قد تقاضى 1,600 دولار مقابل الرحلة من السودان إلى ليبيا و1,700 دولار لعبور البحر الأبيض المتوسط أن بريكتي وطفلتها غادرتا على متن القارب كما كان مخطط لهما.

ولكن غيبي، الذي كان يخطط للانضمام إلى زوجته في أوروبا مع طفلهما الأخر في مرحلة لاحقة، لم يسمع عنها شيئاً منذ ذلك الحين، وقال أنه علم أن نحو 250 من المهاجرين وطالبي اللجوء الآخرين الذين سافروا على نفس القارب فشلوا أيضاً في إجراء اتصالات مع أسرهم. ويصر المهرب أنهم جميعاً في أحد السجون الإيطالية، ولكن مع مرور الأسابيع دون أي اتصال من أي واحد منهم، يبدو أن هذا الاحتمال بات غير مرجح على نحو متزايد.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عبر الهاتف من الخرطوم، قال غيبي: أنا الآن في السودان ولا يوجد هناك من يستطيع مساعدتي. لقد اتصل بعض أصدقائي في أوروبا بالصليب الأحمر وهم الآن بصدد التحقق من أسماء أولئك الذين وصلوا إلى إيطاليا، ولكن لا توجد أخبار جديدة".

لا يوجد نظام لتحديد هوية المهاجرين القتلى

وفي الوقت الحالي، لا يوجد في أوروبا نظام مركزي للتعرف على جثث المهاجرين، الذين كثيراً ما يسافرون من دون وثائق، أو لإبلاغ أسرهم في بلدانهم الأصلية. وعندما لا تتوفر الجثة لجمع عينات الحمض النووي وبيانات التعريف الأخرى، فإن مهمة مساعدة الأسر في البحث عن أقاربهم المفقودين تزداد صعوبة. والآن، توجد ضغوط متزايدة من قبل المهاجرين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يقولون أن أسر المهاجرين لديها الحق في معرفة مصير أقاربها المفقودين، وأن الحكومات الأوروبية يجب أن تفعل المزيد لمساعدتهم.

هناك عدم قدرة على الحزن عندما تفتقر إلى الشعور بانتهاء الأزمة؛ وتصبح حياة الناس بأكملها مركزة على عودة أحد الأحباء ويمكن أن تتفكك العلاقات الأسرية 
"هناك عدم قدرة على الحزن عندما تفتقر إلى الشعور بانتهاء الأزمة؛ وتصبح حياة الناس بأكملها مركزة على عودة أحد الأحباء ويمكن أن تتفكك العلاقات الأسرية،" كما أشار سيمون روبنز، الباحث في مركز حقوق الإنسان التطبيقية التابع لجامعة نيويورك، والذي شارك مؤخراً في تأليف ورقة إحاطة بشأن كيفية تحسين تعامل أوروبا مع المهاجرين الذين يموتون أو يصبحون في عداد المفقودين على حدودها الجنوبية.

ويرى روبنز وشريكه في تأليف الورقة إيوسيف كوفراس من جامعة كوينز في بلفاست أن "هناك ضرورة إنسانية ومسؤولية أخلاقية وقانونية" لمحاولة التعرف على جثث المهاجرين القتلى، وإبلاغ أقاربهم والتعامل مع أجسادهم بكرامة. ولكن استناداً إلى الأبحاث التي أجراها كوفراس على جزيرة ليسبوس اليونانية، فإن ذلك نادراً ما يحدث. ووجد "منطقة رمادية لاتتحمل فيها أي سلطة" مسؤولية التعامل مع جثث المهاجرين التي يتم انتشالها بواسطة خفر السواحل في الجزيرة. ولا توجد أي ميزانية وطنية أو تابعة للاتحاد الأوروبي مخصصة لدفنهم. والنتيجة هي أن "المهاجرين مجهولي الهوية يُدفنون على عجل في مقابر لا تحمل علامات"، مما يجعل من المستحيل على أسرهم تحديد أماكن رفاتهم.

وأكد روبينز أن "جمع البيانات من الأجساد أمر بالغ الأهمية عندما تكون هناك جثة، ولكن من الواضح أن عدداً كبيراً من الجثث موجود في قاع البحر الأبيض المتوسط ولن يتم العثور عليها أبداً"، مضيفاً أنه لا تزال هناك طرق لمعرفة هوية الركاب الذين كانوا على متن القارب.

مقابلات مع الناجين من الغرق

وتجري المنظمة الدولية للهجرة (IOM) مقابلات مع الناجين من حطام السفن وغيرها من الكوارث البحرية الذين يقدمون إلى الموانئ الإيطالية في محاولة لتجميع قائمة بأسماء المهاجرين الذين فُقدت جثثهم أو أُلقيت في البحر. ثم يتم تسليم القائمة إلى السلطات الإيطالية.

"ما يحدث على أرض الواقع هو أنه حالما يتم الإبلاغ عن غرق سفينة جديدة، نتلقى على الفور اتصالات من الأسر. ثم نقوم بتوصيلهم بأحد الأشخاص الذين كانوا على متن القارب لتحديد ما إذا كان أقاربهم قد سافروا على متنه أم لا،" كما أوضحت سيمونا موسكاريللي، خبيرة قانون الهجرة في المنظمة الدولية للهجرة في روما، مضيفة أنه "في بعض الحالات، نرافق أيضاً أقارب المهاجرين إلى الشرطة حتى يتمكنوا من الإبلاغ عن المفقودين".

وتجدر الإشارة إلى أن حطام السفينة الذي أودى بحياة أكثر من 350 من طالبي اللجوء، معظمهم من الإريتريين قبالة سواحل لامبيدوزا في أكتوبر 2013 صدم العالم وكان بمثابة القوة الدافعة وراء مهمة البحث والإنقاذ التي نفذتها البحرية الإيطالية باسم بحرنا، والتي أنقذت عشرات الآلاف من المهاجرين منذ إطلاقها. لم يكن هذا الحادث عادياً، حيث أنه وقع على مقربة من الشاطئ وبالتالي تمكن الغواصون من انتشال الجثث. ولكن بعد مرور تسعة أشهر، لا تزال أكثر من نصف تلك الجثث مجهولة الهوية ولم يتم إبلاغ أسر أولئك الذين تم التعرف على جثثهم بشكل رسمي حتى الآن، وفقاً للصليب الأحمر الإيطالي.

وفي السياق نفسه، أخذت السلطات المحلية عينات من الحمض النووي من جميع الجثث، ولكن من دون مقارنتها مع عينات من أقاربهم (العملية المعروفة باسم بيانات ما قبل الوفاة) التي من شأنها أن تسمح بمطابقتهما، وبذلك تصبح العينات بلا قيمة تذكر. وقد تم التعرف على 50 بالمائة من الجثث نتيجة للربط بين الأقارب (الذين اتصلوا بمنظمات مثل الصليب الأحمر والمنظمة الدولية للهجرة في الأيام التي تلت مأساة) والناجين الذين تمكنوا من تأكيد ما إذا كان أفراد عائلاتهم على متن القارب أم لا.

وتوجد مكاتب لكل من الصليب الأحمر والمنظمة الدولية للهجرة في إريتريا، وربما يمكنها جمع عينات من الحمض النووي من الأقارب، ولكن بحسب لورديس بينادوس، مستشارة الطب الشرعي الإقليمية في اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، لم يتصل عدد كبير من أقرب الأقارب في إريتريا بهم، وقد يخلق طلب تقديم أنفسهم لجمع عينات الحمض النووي تحديات دبلوماسية وأمنية كبيرة في بلد يتعرض فيه الأفراد الذين يهاجرون من دون الحصول على إذن من الدولة لعقاب شديد.

عدم وجود قواعد بيانات مركزية

وقد استضافت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مؤتمراً في نوفمبر 2013 لتحديد كيف يمكن للبلدان الأوروبية المطلة على البحر المتوسط إدارة جثث المهاجرين وتحديد هويتها على نحو أفضل.

"وجدنا أن المشاكل متشابهة في معظم هذه البلدان،" كما قالت بينادوس خلال حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، مشيرة إلى "عدم وجود قواعد بيانات للجثث المجهولة الهوية وعدم وجود اتصال بين المؤسسات على الصعيدين الوطني والإقليمي".

وقد أصدر المؤتمر عدداً من التوصيات، من بينها توحيد ممارسات جمع وإدارة المعلومات الخاصة بالمهاجرين القتلى وتسجيل البيانات في قواعد بيانات مركزية يمكن الوصول إليها من قبل جميع المؤسسات ذات الصلة. مع ذلك، قالت بينادوس أن التقدم المحقق نحو تنفيذ التوصيات حتى الآن بطيئاً للغاية، رغم الجهود التي تبذلها اللجنة الدولية للصليب الأحمر للضغط على الاتحاد الأوروبي بشأن هذه المسألة.

وأضافت قائلة: "إنها قضية إقليمية، وبالتالي ينبغي على الاتحاد الأوروبي المشاركة، وكذلك تخصيص الموارد اللازمة لتحقيق هذه المركزية".

ولا تزال إحدى العقبات الرئيسية هي عدم وجود أي آلية لربط بيانات ما بعد الوفاة من الدول الأوروبية، حيث يتم العثور على جثث المهاجرين، مع البيانات السابقة للوفاة من بلدانهم الأصلية في جميع أنحاء العالم.

واعترف روبينز بأن "هذه قد تمثل مشكلة لوجستية معقدة بشدة،" ومع ذلك، يرى أنه يمكن التغلب على العقبات إذا توفرت الإرادة السياسية الكافية.

واتفق أندرياس كلايسر من اللجنة الدولية للأشخاص المفقودين (ICMP) مع الرأي القائل بأن تتبع المهاجرين القتلى إلى أسرهم في بلدانهم الأصلية المختلفة يحتاج إلى "جهد كبير"، ولكن الجهود المعقدة على نحو مماثل لتحديد هوية الموتى في أعقاب الكوارث الطبيعية والصراعات أسفرت عن بعض النتائج.

"إذا عدت إلى تسونامي تايلاند [2004]، ستجد أنه قتل 8,500 ضحية، من بينهم العديد من السياح من جميع أنحاء العالم. لذلك، كان عليك العثور على أفراد الأسر والحصول على مراجع الحمض النووي، وقد تم القيام بذلك. وتعاونت قوات الانتربول والشرطة الوطنية في طلب عينات الحمض النووي من أفراد الأسر.

"لذلك يمكن عمل هذا، ولكنه يتطلب آلية لتنسيق هذه الأمور. كما ستكون بحاجة إلى المال".

وفي العام الماضي، وقعت اللجنة الدولية للأشخاص المفقودين والمنظمة الدولية للهجرة على اتفاقية تعاون تهدف إلى الاستفادة من خبرة اللجنة الدولية للأشخاص المفقودين الطويلة في استخدام اختبار الحمض النووي لاقتفاء أثر المفقودين وقاعدة بياناتها الكبيرة التي تضم ملامح شخصية عن الضحايا، ومواءمة ذلك مع وجود المنظمة الدولية للهجرة في البلدان الأصلية، حيث يمكنها جمع معلومات عن الشخص المفقود وعينات الحمض النووي. مع ذلك، لم يتم تنفيذ برامج ملموسة بعد، وهناك اتفاق واسع النطاق على أن القيادة والتمويل يجب أن يأتيا من الاتحاد الأوروبي.

وأشار كلايسر إلى أن "هذا يشمل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ونظم حماية الحدود في الاتحاد الأوروبي"، مضيفاً أنه "لا بد من التصدي لها على مستوى الاتحاد الأوروبي بأكمله وعلاقاته الخارجية أيضاً".

ks/cb-ais/dvh
"