مئات الأجانب يتحصنون في مخيمات جنوب السودان

يوجد عدة مئات من مواطني إريتريا والصومال وإثيوبيا بين الـ 100,000 مدني الذين يتحصنون في قواعد الأمم المتحدة في جنوب السودان منذ اندلاع القتال في منتصف ديسمبر 2013 بين مؤيدي ومعارضي الرئيس سلفا كير. وقد فقد الكثيرون منهم الوسائل الكفيلة باستئناف حياتهم المحفوفة بالمخاطر في أحدث دولة في العالم، وبالتالي فإنهم لا يستطيعون العودة إلى بلدانهم الأصلية خوفاً من الاضطهاد أو السجن.

ويعتبر مصير الأجانب مشكلة إضافية للمسؤولين الحكوميين ووكالات الإغاثة الذين يحاولون مساعدة ما يقرب من 1.5 مليون شخص آخرين نزحوا بسبب العنف. ويحذر عمال الإغاثة من أن المجاعة ستضرب بعض مناطق جنوب السودان في الأشهر المقبلة ما لم يتم توفير المزيد من المساعدات الإنسانية.

ولا تزال دولة جنوب السودان، التي حصلت على استقلالها من السودان في عام 2011، واحدة من أفقر البلدان في العالم. مع ذلك، فقد تمتعت بطفرة اقتصادية بفضل عائدات النفط والمساعدات الإنمائية الدولية، واجتذبت الآلاف من المستثمرين والتجار والعمال من جميع أنحاء شرق أفريقيا.

ويمتلك مواطنون إريتريون العديد من الفنادق والمطاعم في جوبا، ويقال أيضاً أنهم يسيطرون على أعمال نقل المياه في العديد من المدن. كما يقال أن الصوماليين يلعبون دوراً بارزاً في توريد الوقود. وأفاد مسؤولون أن العديد من العمال الأجانب يفتقرون إلى تصاريح الإقامة أو العمل الرسمية، بينما لا تزال لجنة شؤون اللاجئين تحاول تثبيت أقدامها.

وتجدر الإشارة إلى أنه بعد اندلاع القتال في شهر ديسمبر الماضي، أرسلت حكومتا كينيا وأوغندا طائرات لإجلاء رعاياهما الذين تقطعت بهم السبل. واستغلت أوغندا الحاجة إلى حماية مواطنيها لتبرير نشر قواتها بشكل جزئي لتأمين العاصمة ودعم حكومة كير.

وقالت سارة باشا من المنظمة الدولية للهجرة أن المنظمة ساعدت على إعادة أكثر من 100 شخص من الأجانب الآخرين إلى بلدانهم الأصلية، بما في ذلك العديد من المواطنين السودانيين. وأحضرت المنظمة الدولية للهجرة الأجانب إلى جوبا، حيث كانت سفارات الأشخاص الذين تم إجلاؤهم تتولى مسؤولية نقلهم بعد ذلك.

ولكنها أشارت في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) إلى أن بعض السفارات تفتقر إلى الأموال اللازمة لإعادة مواطنيها إلى أوطانهم، "ولذلك حتى لو أحضرناهم إلى جوبا، فإننا ننقلهم فقط من مكان إلى آخر، وليس هناك حل لمشكلتهم".

ويقول العديد من الأشخاص الموجودين في مخيمات النازحين داخلياً في بيت الأمم المتحدة، وهو مجمع المنظمة الدولية الرئيسي في جوبا، أنهم لا يرغبون في العودة إلى أوطانهم.

الإريتريون

وقال سايمون تيسفازغي، وهو زعيم الـ250 إريترياً الذين يعيشون في المخيم، على حسب قوله، أنه فر من إريتريا في عام 2013 بعد سبع سنوات من الخدمة العسكرية المرهقة. وأوضح أن من أسباب هروبه أيضاً عدم سماح السلطات الإريترية له بممارسة عقيدته البروتستانتية بحرية.

وأضاف تيسفازغي أنه من غير المتصور بالنسبة للإريتريين العودة إلى بلادهم، أو العودة إلى بعض مدن جنوب السودان، مثل بور وبانتيو، اللتين تعرضتا لدمار شديد أثناء القتال، وحيث تعرض الأجانب للمضايقات والسرقة من قبل مسلحين من الجانبين. وأكد أن جماعته تود أن يتم الاعتراف بهم كلاجئين ونقلهم إلى بلد آخر.

وتساءل قائلاً: "إلى متى ينبغي علينا أن نجلس هنا؟ نحن أجانب، ولسنا من مواطني هذا البلد. من يستطيع أن يجد حلاً لمشكلتنا؟"

وفي السياق نفسه، قال جون دابي، نائب المفوض لشؤون اللاجئين، أن حكومة جنوب السودان قد اعترفت بعدم قدرة الإريتريين على العودة بسهولة إلى وطنهم.

لا نريد أن نكون هنا، حيث نستخدم المراحيض النتنة ونتسول للحصول على كل شيء

وفي سياق متصل، دشنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان الشهر الماضي تحقيقاً في انتهاكات مزعومة في إريتريا، بما في ذلك الإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب والتجنيد العسكري القسري. كما تدرج الولايات المتحدة إريتريا منذ فترة طويلة كدولة تثير قلقاً خاصاً بسبب انتهاكات الحرية الدينية "الخطيرة بشكل خاص".

وقال دابي أنه كتب رسالة إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعد بداية الأزمة في جنوب السودان اقترح فيها منح الإريتريين الذين يعيشون في مخيمات تابعة للأمم المتحدة "الحماية المؤقتة" لحين إنشاء آلية لفحص حالاتهم الفردية.

وبموجب القوانين التي صدرت في عام 2012، لا تعترف دولة جنوب السودان حالياً سوى باللاجئين من مناطق معينة من السودان وإثيوبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى.

ولكن دابي قال أن خطة الحماية المؤقتة تم تجميدها على عجل بعد أن أثارت شائعات اجتاحت المجتمعات الإريترية والأجنبية الأخرى بأنه سيتم منحهم صفة لاجئ وتوطينهم في الولايات المتحدة، مما أدى إلى طوفان من التسجيلات الجديدة في المخيم.

وأضاف دابي خلال حديثه مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الجميع جاؤوا مسرعين للمطالبة بنفس الوضع. إذا كان العدد لا يتجاوز حفنة من الناس - 80 أو 100 - يمكنك التعامل معهم، ولكن إذا كنت تتحدث عن عدة آلاف، يصبح من الصعب إدارتهم ... وكلهم يريدون دخول بلد ثالث في أقرب وقت ممكن".

وأوضح أنه ستتم إعادة النظر في خطة منح الحماية المؤقتة للاجئين الإريتريين، ولكن بمجرد أن تقوم اللجنة ومفوضية الأمم المتحدة للاجئين بتأسيس لجنة تختص بتحديد أهلية المتقدمين للحصول على وضع لاجئ. ولكن لا توجد خطط لتطبيق ذلك على الإثيوبيين أو الصوماليين.

الإثيوبيون

وقال النازح فاروق قدير أن العديد من الـ160 إثيوبياً المقيمين في مخيم داخل بيت الأمم المتحدة فروا إلى جنوب السودان لأسباب سياسية، وأن السلطات الإثيوبية تركتهم وشأنهم حينما كانوا يعيشون بعيداً عن الأنظار في بلدات الأقاليم، ولكن تجميعهم معاً في جوبا لفت إليهم الانتباه بشكل غير مرغوب فيه.

وأضاف قائلاً: "الآن، بعد أن أصبحنا جميعاً هنا، [بات من الأسهل] متابعتنا عن كثب".

وادعى خلال حواره مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن ثلاثة أشخاص من المجموعة الإثيوبية اختطفوا عندما غامروا بالخروج من المخيم، وقُتل شخص آخر علي أيدي مهاجمين مجهولين.

كما أفاد قدير أن مجموعة من أربعة رجال أتت إلى القسم الخاص بهم في المخيم قبل شهر وبدأت تلتقط صوراً للنازحين، ولكن السكان تصدوا لهم واندلعت مشاجرة أدت إلى فرار هؤلاء الرجال.

"لا نستطيع أن نخرج لإدارة أعمالنا كما كنا نفعل من قبل، ولا يمكن أن نعود إلى إثيوبيا، وإلا فإننا سنتعرض للقتل أو السجن،" كما قال قدير.

وأضاف أن زعماء المجموعة الإثيوبية قد أبلغوا مسؤولي الأمم المتحدة عن وضعهم، وطلبوا من المنظمة العالمية نقلهم إلى "أي" بلد آمن.

الصوماليون

وقال عبد العزيز إسماعيل، وهو أحد زعماء المجموعة الصومالية، أن هناك 300 صومالي في بيت الأمم المتحدة، وأن بعضهم أقام في جنوب السودان لمدة 20 عاماً، بعد أن فروا من الحروب الطويلة التي أنهكت وطنهم.

وقال إسماعيل خلال مقابلة في متجر مؤقت لبيع الشاي في المخيم، حيث كان محاطاً بالعشرات من أبناء وطنه: "كنا نازحين بالفعل، ونحن الآن نازحون مرة أخرى، ولكن لا أحد يلاحظ ذلك أو يهتم. لا نريد أن نكون هنا، حيث نستخدم المراحيض النتنة ونتسول للحصول على كل شيء".

وأوضح أن من الخطر على أي رجل العودة إلى الصومال. "إذا كنت قادماً من الخارج، سوف يظن الناس أنك جاسوس ويأخذونك بعيداً ويقطعون رأسك".

"المتسولون ليس لهم حق الاختيار. لو كان لدينا خيار، لكنا أخذناه. والآن، لا نعرف ما يجب علينا القيام به،" كما أضاف.

وأشار إسماعيل إلى أن الأجانب الذين غادروا المخيم لفتوا انتباه قوات الأمن التي تتسم بالعصبية في جنوب السودان، وأن حقيقة أن الكثيرين منهم يفتقرون إلى الوثائق الرسمية تجعلهم عرضة للمضايقات وسوء المعاملة والابتزاز.

مع ذلك، فإن مئات الصوماليين قد غادروا المخيم بعد استقرار الوضع في جوبا، لاسيما أولئك الذين يمتلكون أعمالاً تجارية ولديهم شبكات دعم في العاصمة، بحسب إسماعيل.

من جهته، قال دابي أن عدداً أكبر من الأجانب في المخيمات سيكونون بمأمن إذا حذوا حذوهم، مضيفاً: "لا أحد يستهدفهم، ويمكنهم أن يعودوا إلى الأعمال التي كانوا يمارسونها من قبل".

وأضاف أن السلطات في جنوب السودان لا تعتزم طرد الأجانب المقيمين داخل حدودها، أو فرض ضرائب على أعمالهم التجارية.
كما أكد دابي أنه ينبغي منح المدنيين الأجانب نفس المساعدة التي يتلقاها النازحون في جنوب السودان. وبينما يتم التركيز حالياً على الحماية، كما أشار، فإن هناك مناقشات جارية مع الشركاء الدوليين حول كيفية مساعدة الناس على استعادة سبل عيشهم.

sg/cb-ais/dvh

"